ميشيل مافيزولي: حصة الشّيطان (ج1)

السّوسيولوجي المابعد حداثي الفرنسي المعروف والأستاذ في جامعة السّوربون ميشيل مافيزولي، صدر له بالتّرجمة العربيّة عدّة مؤلّفات مثل: “في الحلّ والتّرحال: عن أشكال التّيه المعاصر”، و” ودنيا المظاهر وحياة الأقنعة: لأجل أخلاقيات جماليّة” و” مزايا العقل الحسّاس: دفاعًا عن سوسيولوجيا تفاعليّة”، و” عود على بدء: الأشكال الأساسيّة لما بعد الحداثة ”و “تأمّل العالم: الصّورة والأسلوب في الحياة الاجتماعيّة”.

اسم الكتاب: حصّة الشّيطان

اسم المؤلّف: ميشيل مافيزولي

اسم المترجم: عبدالله زارو

دار النّشر: إفريقيا الشّرق

تاريخ النّشر: الطّبعة الأولى 2020.

تمهيد

أن تقرأ مافيزولي فتلك متعة رائعة في أن تكتشف جزءا من ذاتك ظلّ مغيّبا عنك بشراسة الخير في سطوته العقائديّة الدّينيّة، والعلمانيّة الأنواريّة الحداثيّة، في وجوههما القهريّة والتّسلطيّة إلى حدّ الوصاية الاستبداديّة الدّينيّة ، أو الهجمة الاستعماريّة الامبرياليّة في تبرير السّيطرة والهيمنة على الشّعوب الضّعيفة، وفرض براديغم وحيد أحادي لا يزيغ عنه إلاّ كافر زنديق، أو صعلوك متمرّد، أو مجنون تخلّى عن صوابه العقلانيّ والأخلاقيّ والقيميّ ممتطيا قدر الشّيطان في ارتكاب المحارم والأفعال الشّنعاء ومخالفة الإطار المعرفيّ العلميّ في سعيه المحموم لصنع الرّفاه وتكثير الخير والقضاء على الشّر في جميع تجلياته وصوره. لكنّ كتاب حصّة الشّيطان يجعلنا ندرك ما يتخفّى وراء أقنعة  كلّ صناع ومحبّي الخير إلى درجة شرعنة التّسلط والاستعباد، سواء كان ذلك باسم الدّين الحقّ المناصر للخير ولكلّ ما فيه مصلحة الانسان بنوع من فرض الوصاية على التّفكير والفعل والتّصرف والرّؤية على مستوى العلاقات الاجتماعيّة الفرديّة والجماعيّة  والمجتمعيّة، أو تمّ ذلك باسم القيم الكونيّة الّتي ليست أكثر من امتداد لهذا التّصور الأخلاقيّ في قهر الإنسان في الرّؤية الواحدة والوحيدة بعيدا عن عيش التّناقض والصّراع والاختلاف والتّعدد الذاتيّ حيث الواحد أكثر من واحد، والتّعدد الوجودي كتناقض وجودي شعوري يعيش شموليّة الكائن في عوالم مضاعفة تتعدّد ازدواجا دون خوف من قدر الشّر، أي من احتضان حصّة الشّيطان كشرّ لا بدّ منه في الحياة والنّماء والصّيرورة وعيش الثّراء الوجوديّ. “الحقّ أنّنا إزاء مجاراة ومدارات محزنة وخطرة للمواضعات الفكريّة. ووجه خطورتها في جحودها بحالة التّعقد والتّشعب المائزة لوقائعنا المجتمعيّة، فضلا عمّا يطبعهما من نسبيّة ثقافيّة ونوازع قبليّة وأحاسيس بالانتماء المتعدّد تفقأ العين… وكلّ النّقاشات المدرسيّة العقيمة والمجادلات الثّقافيّة والسّياسيّة الّتي تنخرط فيها الأنتليجنسيا هي تعبير صارخ وفاضح عن مدى تشبتها بعالم منته أو بصدد الانتهاء وتقوقعها داخله.”12 إلى درجة أنّهم يعيشون حالة من الصّد المعرفيّ يحول بينهم وبين فهم الكثير من التّحوّلات المرعبة في العودة القويّة لكلّ من التّعصب والإرهاب وعنف التّمرد الشّبابيّ والعزوف المؤسّساتيّ …وفق تعبيرات تدلّ بصراحة عن فكّ الارتباط بالواجهات الرّسميّة. “غير أنّ هذا التّمرد الشّامل والجوفي والفعّال هو مؤشّر كذلك على أنّ دورة حياتيّة، انطلقت بتكريسها الخير كقيمة مطلقة، هي بصدد لفظ أنفاسها الأخيرة، إن لم تكن فعلا بحكم المنتهيّة وبذمّة الماضي.”13 مفسحة الطّريق لعودة التّعدّد الثّقافي والقيمي كديناميات فكريّة واجتماعيّة تواجه التّحجر القائم والّذي أخذ مظهر القانون الطّبيعي في السّيادة، وهي ديناميّة تعبّر عن نفسها في تكاثر مختلف التّفاعلات والتّبادلات الفكريّة والاجتماعيّة. “تفاعلات يشهد عليها رواج الخيرات والأفكار والوجدانيات، ومن جملتها العشقيات على نحو خاصّ… والإقبال المحموم على المتع هما اللّذان باتا يؤطّران جيّدا هذا التّحول النّوعي الحاصل على مرأى منّا ومسمع رغم كلّ المزاعم المحبوكة والممجوجة حول الأزمة”14 هكذا بدأ يتشكّل نمط فكري، في اعترافه بالوصل والتّعدد وشموليّة الكائن، ومخالف للتّصور الصّراطيّ المهيمن على الإنسان والعالم، والعاجز عن فهم التّغير الّذي طال الرّؤى والأفكار والممارسات، خاصّة الشّبابيّة، إزاء الكثير من القناعات والتّوجهات والاتّجاهات القيميّة والثّقافيّة الاجتماعيّة الّتي فرضها مفهوم الانسان الانتاجيّ الاقتصادويّ كنموذج مثالي لتحقيق الذّات في العمل، وضدّ هذه القيم انتشر نوع من الارتباط الجنونيّ بالمتع في صور مثيرة في توحّشها وبهيميتها. ” يتعلّق الأمر هنا بشخص مركّب تستنفذه العبارة المأثورة “الأنا هو”، شخص تتعايش فيه الأضداد وتتساكن النّقائض، وفي كلمة، شخص هو أفضل تجسيد للشّموليّة الدّيونيزوسيّة الحاضنة أيضا للشّر معتبرة إيّاه قدرا مقدورا وحتميّة لا فكاك منها.”15 وهنا تكمن روعة مختلف أشكال الإبداع الفنّيّ والأدبيّ في اعترافها بالشّر كعنصر فاعل يكذّب أسطورة الانسان الكامل في بحثه المزعوم على سبل القضاء على الشّر” هو ذا الرّهان، رهان ما بعد الحداثة. الرّهان هو في الإقرار بوجود “حصّة الشّيطان” في كلّ شيء، وبالتّالي فليس لنا من خيار آخر غير حسن استعمالها وتدبيرها وتصريفها للحيلولة دون تقويضها للجسم الاجتماعي وهدّ أركانه.”16 وبالتّالي فلا داعي للتّذمّر من الغريب الخارج عن المألوف، بل هو ثراء وجودي يمكننا اليوم من فهم ما يفقأ العين في مختلف الممارسات والسّلوكات الّتي صار يأتيها الإنسان بشكلّ عفوي تلقائي، أو في سيرورة غليان مجتمعي إلى درجة عرت التّاريخ السّري للقرن الماضي. إنّنا الآن أمام “نموذج الطّفل الأزليّ الصّاخب والرّهيب والسّخي والمتمرّد على المواضعات والمنبعث الدّائم من رماده، وما عاد يحيل على سنّ محدّد بل صار موقفا اجتماعيا وحالة ذهنيّة منتشرة، لا بل وتموقفا إزاء العالم والوجود ما فتئ ينتشر ليكتسح كلّ الأجيال متنقلا فيها من القريب إلى الأقرب فيما يشبه عدوى كاسحة.”17 وبشكل عامّ نجد أنفسنا في عالم تحرّرت فيه الذّوات من سيطرت اللّيبيدو المعرفيّ والعلميّ والسّلطويّ وهي تتمتّع بمناخ مجوني متمحور حول الأحاسيس، أي اللّيبيدو الشّعوري الّذي يفسح المجال للأمزجة الاجتماعيّة في تفاعلاتها المتبادلة، وفي اختلاف وتعدّد تعبيراتها على تكوين وبلورة الوجدان الجماعي الصّريح في شغفه وأحلامه ومعتقداته…، الشّيء الّذي يهيئ المجتمعات لتحوّلات تعلن عن توازنات جديدة.” هو ذا الطّريق الواضح والسّالك نحو إدراك جيّد وسليم لهذا الّذي ندعوه بـ الحصّة الهدّامة الّتي تشمل حالات الغلوّ والغليان والنّزوع إلى الإفراط في كلّ شيء، والمعروفة، تاريخيا، بتمهيدها لوضع عام مغاير قائم على تناغم وتوازن جديد.”18 ولن يتأتى هذا إلّا من خلال الحضور القويّ لرغبة الانخراط والتّفهم لهذه الأجواء والتّفاعل معها دون نقد لاذع يحرمنا فهمها والإحاطة بكلّ دلالاتها بحياد قيمي يتجاوز الوصاية الأبويّة في إصلاحها وهدايتها إلى الصّراط المستقيم في الأخلاق والمؤسّسات وفي مختلف التّفاعلات الاجتماعيّة، في وقت نجد الطّاقة الشّبابيّة مأخوذة بمتع واحتفاليّة اللّحظة.” إنّ هذا التّحول النّوعي في التّموقف الشّبابي هو أصل هذا الشّيوع الهائل لمسلكيات المقاطعة، والعزوف المكثف عن التّسجيل في اللّوائح الانتخابيّة، وتعبيرات وافرة عن اللاّمبالاة والّتي يتمّ الحرص على تأكيدها أمام الملأ وعلى رؤوس الأشهاد.”20 بحيث لم تعد المقاربات الفلسفيّة والسّياسيّة لزمن الحداثة بقادرة على مساعدتنا في فهم الظّواهر الاجتماعيّة الجديدة الّتي يلعب فيها الشّر دورا لا يمكن تجاهله في إطار الوحدة العضويّة الّتي تجمع بالخير، وهذا ما يسمح لنا بعيش العالم كما هو في بعديه التّراجيدي والبهيج اعترافا بما ينطوي عليه الوجود من حصّة شيطانيّة.

  • مختصر إبستيمولوجيا الشّر

الشّر جزء من واقعنا بحيث يستحيل ادّعاء القضاء عليه نهائيا، كما أنّه يطال الجميع الأفراد والجماعات في صور مختلفة. وقد استطاعت القصص والحكايات والمرويات والأساطير كسجل ثقافي أن تحتضن بشكلّ خلّاق، ومن خلال رؤية شاملة في الفهم لمدى حضور الشّر في سيرورة تكون وتطوّر الواقع. عكس الأنساق النّظريّة والفلسفيّة والمعتقدات الدّينيّة الّتي كلّ همّها الإجهاز أو تصفيّة الشّر والزّج به في أتون عتمة السّراديب المشبعة بالظّلال. لذلك ينبغي في مقاربة الواقع والحياة التّخلي عن هذا العماء الإيديولوجي في نكران الواقع وما يتخلّق فيه من تناقضات وصراعات وظلال ومختلف أشكال العتمة من العدوانيّة والعنف والإرهاب والامراض الفيروسيّة والمعاناة والخطيئة، والانتباه إلى عري الواقع راهنا أمام عودة هذا المكبوت “فمن شأن الاعتراف بقيض الكمال أي النّقصان الدّائم، الاعتراف به كعنصر مبنين للوضع البشريّ ودعامته الكبرى، أن يوفّر لنا فهما وجيها وسديدا للظّواهر الاجتماعيّة. أكثر من ذلك، سيغدو هذا الفهم أقرب إلينا من حبل الوريد ما أن نسلم بفرضيّة “الاحساس التّراجيدي” وهو تسليم بات يفرض نفسه على نحو مطّرد حتّى ارتقى إلى مصاف البداهة.”24 وذلك في أفق فهم أفضل للظّواهر الاجتماعيّة خاصّة على مستوى الإقبال الجنوني على المتع والملذّات وفق ثقافة تنسب كلّ شيء. حيث يمكن في هذا السّياق لمبدأ التّناقض المجتمعي كصراع أن يضيء ويكشف المخبوء والمسكوت عنه خاصّة في حالاته الرّهيبة الّتي تذكرنا بالأبعاد التّراجيديّة في التّرابط العضوي بين الحياة والموت، والمتمثّلة في الحضور القويّ للشّر كشبح مرعب لأهل الفكر وحراس المعبد وراعي القطيع في نكرانهم العنيد والمتحجر لترسّب الشّر في عمق اللاّشعور الجمعيّ، وهو يطلّ من حين لآخر برأسه المروع في الكثير من الوقائع الفظيعة: الإرهابيّة والكيماويّة، أو ما يحدث اليوم من هلع عالمي خوفا من فيروس كورونا. “من الوارد أن ينظر البعض منّا إلى هذه الأزمة نظرة متشائمة أي مرتابة، ومن الوارد أن ينظر إليها البعض الآخر كواقعة بديهيّة من صنف “الواقع الّذي لا يرتفع”، والّذي يجدر بنا بالأحرى دمجه بحسبانه عاملا من عوامل الانبعاث وشرطه اللاّزم.”25

لذلك نجد المجتمعات ترتبط في تاريخها المؤسّس بكلّ ما هو مبهج كانتهاك وخرق لكلّ الطابوهات حتّى يتسنّى لها معاودة إنتاج انتمائها وسيرورة تشكلّها من خلال ممارسات تطبعها المفارقة في الخرق والانتهاك والتّنكيل بكلّ المواضعات الأخلاقيّة مُعليّة من شأن قيمة قوّة الحواس في قدرتها على تشكيل نظرة الإنسان وصوغ أساليب عيشه كعنفوان ثقافي يتحدّى التّدجين. وبفضل هذه المعطيات يمكننا الحديث عن إبستيمولوجيا الشّر كمعرفة أنثروبولوجيّة مستبطنة داخل عمق الإنسان آليّة للرّصد والتّوصيف للقوى الفاعل فرديا وجماعيا، وهي معرفة مهووسة بالحاضر كما هو بخيره وشرّه، كمعرفة عفويّة تلقائيّة وهي تمزج بين المعارف والخبرات الجسديّة في توليفة بين السّعادة والتّعاسة، والبهجة والشّقاوة بعيدا عن عقدة الكمال الأنواري بمعرفته الأحاديّة الرّؤية في تصفيّة الظّلال والعتمات والاختلالات الملازمة للأشياء والنّاس في حياتهم اليوميّة بما يتناقض مع مسعى كلّ الفلسفات من الأنوار إلى الماركسيّة في التّنظير للخير كفاعل مطلق على هذه الارض. ووفق هذا التّصور صارت كلّ الإيديولوجيات بما في ذلك المركزيّة الغربيّة في نظرتها واحتقارها للشّعوب والثّقافات. إلّا أنّنا نلاحظ اليوم عودة الكثير من الثّقافات الموصوفة بالتّوحش والتّقليديّة من الخلطات الفلسفيّة والدّينيّة، وصولا إلى العلاج بالأعشاب…

وإذا كانت النّزعة العقلانيّة الكونيّة تتجاهل الشّر وترفض الموت فإنّ النّاس في حياتهم اليوميّة لا يكفوّن عن استدماج الشّر حياتهم غنيّة بالكثير من التّصورات والمعتقدات من السّحر والشّعوذة وتناول المخدرات، إلى حالات الهلوسة والانخطاف الّتي تخلقها الموسيقى “وما يسمّى بمعبودي الشّباب من موسيقيين ومجموعات غنائيّة هو تعبير قويّ عن هذا النّزوع الإبليسي الّذي يغمر المجتمع. فحالات انخطاف الشّباب في المهرجانات الموسيقيّة الضّخمة يجب قراءتها كسعي منهم، شعوري أو لا شعوري، نحو طقسنة الموت، أي تحويله إلى طقوس جماعيّة.”32 لا علاقة لها بقيم الخير ومثاليّة الفرد والجماعة كما تتوخّى ذلك النّزعة الكونيّة والإيديولوجيات الدّينيّة والوضعيّة الأحاديّة التّوجه والتّفكير والرّؤية “بالعكس، فالكفّة ترجح لفائدة إخراج مسرحي أو مشهدي للموت، مرعب ومفزع في بعض الأحايين، إخراج يسعى المنخطفون من خلاله وبكلّ قواهم إلى مداهنته ومهادنته”32  ولهذا نجد في هذه التّعبيرات الكثير ممّا هو موجود في ثقافات وأساطير ما قبل حداثيّة حول الإثارة القصوى للموت قصد تلطيفه من خلال نزع عنه حمولته المأساويّة، وهذا ما تعبر عنه حالات الهستيريّة والاغماء النّاتجة عن التّفاعل مع موسيقى التّيكنو ومهرجانات الرّاب. إنّها نوع من الحدوس الأقرب إلى ما سماه كانط العظمة السّالبة أو الغليان الدّوركايمي وأنوميا  غويو” والجزء الملعون لبتاي، فضلا عن اللّحظة المعتمة المنسوبة لبلوخ. وكلّها مرادفات ترفع عقيرتها بالقول: إنّ الحياة عصيّة على الاختزال في منطق المنفعة والجدوى”34 وهذه الممارسات البشريّة المفرطة والجامحة تتحرّك وفق منطق جدل الحضور والغياب، وهي الآن اعتلت منصّة الحياة وكذّبت الصّعود الجنوني لإيديولوجيّة الخير ضاربة عرض الحائط بطبيعة الحياة المجتمعيّة.” لذلك لا مناص من تجريب العكس، أي النّزول نحو الأعماق والأغوار. أعماق الحياة، والعض على الهاوية السّوداء بالنّواجذ، هاوية البهيمة الثّاوية في كلّ واحد من بني البشر، هاوية الفظاظة والرّغبة واللّذة والشّهوة، وكلّ هذه الأمور التّي تمارس على بني البشر جاذبيّة من نوع خاصّ. ومع ذلك يصرّ الطّهرانيون والأنواريون من كلّ رهط على حصرها في زوايا ضيّقة، ولا يجودون عليها ببعض التّسامح إلّا في الدّائرة الصّغيرة للخيال والتّخييل.”34

والأمر لا يتعلّق بنوع من النّكوص المرضيّ في هذه العودة للمكبوت البدائيّ والبهيميّ، بقدر ما نعيش نقطة انطلاق للإنسان في شموليته كاشتغال أقصى للحواس والأحاسيس كما يتجلّى في الغليان الشّبابي إزاء المتع الجنسيّة الّتي يعتبرها سدنة الضّمير الخلقيّ خطيئة، وفي هذا المعنى يصرّ التّحليل النّفسي أيضا على التّخلص من كلّ الرّواسب المظلمة للغرائز البشريّة. وهذا ما كرّسه الفكر الغربي انطلاقا ممّا سمّاه فوكو إرادة المعرفة، وهو توجّه ظلّ رافضا شموليّة الكائن في تخلّصه من التّراجيديّ إلى حدّ هروبه من الموت كخطيئة واغتراب، ونفيه له علما بأنّه مصدر الوجود”36. حيث ألبسه الفكر الدّيني والعلماني جبّة المأساة المطلقة ليبررا الجنّة أو المجتمع الكامل. في الوقت الّذي يستحيل فيه التّخلص من الشّر، بل ضروري التّفاوض معه، لأنّه لوثة بنيويّة، تتجاوز عارضة الخطيئة، لذلك لا مفرّ من عيش التّوازن المتناقض في اعتباره النّقصان نقيض الكمال ومن حصّة الظّل جوهر الحياة. وهذا ما تؤكّده الحكمة الشّعبيّة في بعدها الشّيطانيّ الفاعل في الحياة اليوميّة الملموسة بشكل تراجيدي يصعب انكاره، وهو يؤثّث اللاّشعور الجمعي من خلال المتن القصصي والحكائي لجنيّات وساحرات خيّرات وشريرات، ويواصل اليوم حضوره في الكثير من الحكايات مثل “هاري بوتر”. ويستمدّ قوّته من ارتباطه بالعالم السّفليّ حيث لا يمكن القبض عليه” وبحسب المعتقدات الأسطوريّة فكلّ الشّرور وضروب الشّقاء والفراق والكره والخصام والتّدابر والأمراض والحوادث، وباختصار التّراجيدي اليومي يقيم بهذا المكان الجهنمي في باطن الأرض.”39 وهذا ما يجعل الإنسان في الكثير من تعبيراته الشّعبيّة وحكمه يتصالح مع الواقع الحيّ في خيره وشرّه في مساره اليوميّ لأنّ أي جحود بالشّر يؤدّي إلى تطرّف كارثي في هيجانه، أو في التباساته الخفيّة. وهذا ما تنجح الأشكال الإبداعيّة في التّعبير عنه بما يناقض التّصورات الذّهنيّة للأخلاقيين.” النّتاج الغنائي والسّينمائي والفوتوغرافي الّذي لا يتهيّب بالمرّة من إبراز تلك القسمة المظلمة في جبلة بني البشر”41 الّتي أكّدت عليها الدّيانات الشّركيّة والفلسفات الشّرقيّة إضافة إلى الثّقافة ما بعد حداثيّة في ترابط مع قسط من الرّبوبيّة في الإنسان، والّتي تتمثّل بشكل بارز في إبراز الجسد في اللّحظات الموسيقيّة والإحتفاليّة والرّياضيّة، والإقبال على المتع بمختلف أنواعها بشكلّ جنوني هستيري رافضا للتّحكم ولإرادة المعرفة، وبالتّالي لثنائيّة الكبت والتّسامي للثّأر من خير المثل العليا بحثا عن طريقة جماعيّة في العيش وأسلوبا في الانوجاد يجمع بين الحلاوة والمرارة والجمال والقبح وهي تدرك حتميّة زوال الأشياء وضرورة التّمتّع بها إلى أقصى حدّ ممكن دون الوقوع تحت رعب التّعاسة الّتي هي جوهر الوجود. وفي هذا السّياق يمكن هذه الارتباط بمنتوجات مسقط الرّأس، أي بالطّعام والفضاءات غير الملوثة، كما أنّ هناك ازدهارا للثّقافة المحليّة في جانبها الابداعيّ والفكريّ” لا ينجذب بالمرّة إلى فكرة الكونيّة أو الفكر الكوني قدر انجذابه إلى سحر الكلّمات المتجذرة في التّربة الأصليّة والمغموسة في دفق المشاعر المحليّة. وهي من صنف الكلمات والمشاعر الّتي تتقاطع عند التّعبير عن شموليّة الكائن.”47  إنّنا إزاء الشّخص المتعطّش إلى اللاّنهائي من خلال الخرق والانتهاك للمألوف، وهذا ما يجعله جامعا بين الخير والشّر. وفي هذا السّياق يفهم تعلّقنا بالأعمال الدّراميّة والسّينمائيّة، وبالأساطير والرّوايات ذات البطل الخارق من “زورو” إلى ” الباتمانات” أي الأبطال الخارقين. والسّر في ذلك هو اشتغالها على التّناقض الوجداني بين الخير والشّر الّذي من طينته عجنت الحواس، الّتي تجعل الفرد شخصا متعدّد الأدوار، أي  يعيش حالة من الازدواج تجعله مضاعفا جامعا بين الخير والشّر. بمعنى “أنّه يتعيّن إدراك الموت والشّيطان والشّر والحيوان كعناصر مكوّنة للكلّ، كلّ يستحيل تجريده، على نحو اعتباطي وعشوائي، من أحد عناصره المكوّنة له. بيد أنّ هذا التّصور الشّمولي للحياة ومكوّناتها الضّارب في القدم هو الّذي بصدد العودة والبروز مجدّدا على مرأى منّا ومسمع”51  داحضا الاقتصاد البرجوازي ومسلّمات الحداثة في التّقدم والعلم والعقل في بحث جنوني عن التّراجيديا بمعزل عن المثل الأعلى الفردانيّ والاجتماعيّ  للتّصوّر الكونيّ للإنسان. هكذا هي الشّبيبة المتوحّشة اليوم في عزوفها السّياسي والمؤسّساتي دون رغبة في الحلول محلّ الكبار كما كانت تتطلّع شبيبة السّتينيات والسّبعينيات في تمردّها وانتفاضاتها. “فالإخراج المسرحي للشّيطان وتقديمه على الرّكح هو أحسن السّبل نحو مداهنته ونيل رضاه واتقاء شروره. تلك حكمة شعبيّة ضاربة في القدم، مؤدّاها أنّه أفضل ألف مرّة الاعتراف بحصّة العتمة في كلّ شيء والتّعامل معها بهذه الصّفة من رفضها رفضا مطلقا والجحود بها قطعا. أفضل مرّة اجتيازها لا تجاوزها، ولو بشقّ الأنفس، من الهروب منها، على حدّ تعبير اللّبيب يونغ.”54

  • الصّراع البنيوي

من الصّعب جدّا الحديث عن واقع مثالي لأنّ ما يعتمل في جوفه من تناقضات وتوترات وصراعات تقرّ بالتّراجيديّ كشرّ محتوم لا جدوى من نكرانه والجحود به كظلّ وعتمة، فهو حاضر في العلاقات العاطفيّة والحياة السّياسيّة والهزّات المهنيّة…، وهذا ما يجعل من الصّعب الفصل بين الظّلام والنّور، بين الخير والشّر، كما اعتقدت الدّيانات، وكلّ الأنساق الفلسفيّة والفكريّة الكبرى لأصحاب النّوايا الطيّبة. إذا لا داعي للاستغراق في تجريد القطيعة الإبستيمولوجيّة وإهمال الواقع الّذي يتطلّب الدّمج بينهما، دون خلفيّة التّوظيف السّياسي، كما هو الشّأن مثلا في التّعامل مع الأجنبيّ لغرض تغييره عوض تقبّل اختلافه.” فها هنا تتجلّى القوّة الضّاربة للغيريّة وما ينطوي عليه العنف من جوانب بنيويّة ومن إحساس تراجيدي بالوجودي يعبّر عن نفسه من خلالها. الآخر هو هنا، معنا وفينا، ليس لنا إلاّ أن نتعامل معه ونتفاوض. بيد أنّ هذا التّوافق بين الأنا والآخر ليس بالمرّة شأنا قبليا بل هو نتاج لتمرين وجهد تدريجي يتحقّق بدفعات أي على نحو بعدي.”58 وخلال هذه السّيرورة يجد الفرد نفسه ملزما بعيش ما هو مؤلم، أي للوصول إلى الواسع لا بدّ من المرور من الضّيق، وبتعبير نيتشه “ما لا يقتل يقوي”، أي تلك الرّوح الهيغليّة الّتي لا تخشى التّصدع والتّمزق والتّشظي، بل تحافظ على رباطة جأشها أمام الموت. “لا يغدو الرّوح اقتدارا إلاّ في مواجهته للسّالب وإقامته فيه. هذه الإقامة الّتي تغدو قوّة سحريّة قادرة على تحويل العدم الى وجود، إلى وجود. كلام هيغل على درجة كبيرة من الأهميّة لأنّه يكشف عن حقيقة مثيرة بالفعل، حقيقة مؤدّاها أنّ الاقتدار (العافية) نستمدّه من مواجهتنا المفتوحة والجسورة للقوى الملغزة والمحيّرة الّتي دأبنا على اعتبارها نقيضا مطلقا للحياة.”60

جماعات وقوميات كثيرة عبر التّاريخ أثبت قدرتها على التّلاحم من جديد وهي تقوي إحساسها بالانتماء وتؤسّس لذاكرة يقظة، بعد مواجهتها لأوضاع مؤلمة تتفاوت في محنتها من القمع إلى المجازر والإبادات، ورغم ذلك خرجت قويّة وهي تقف في وجه العدم. وكثيرة هي المواقف العارية في عنفها المناخي والحيواني للحياة العضويّة، أي حياة الطّبيعة. فمن خلال التّفاعل البشري معها يتولّد إحساس تراجيدي. “يتعلّق الأمر في العمق بطاقة عدميّة تحتوي على جمالها الخاصّ الّذي يحبس الأنفاس، جمال المشهد الطّبيعي والمكان الموحش والمتوحّش والشّراسة الحيوانيّة.”63 وهذا البعد التّراجيدي هو الّذي عجزت الثّقافة الحداثيّة الحالمة بتخطيه، دون أن تدرك ما في التّرابط الحاصل بين الحياة والموت من تناقض وجداني، حيث لا يستطيع أحدهما الاستغناء عن الآخر، بمعنى أنّ للحدّ أي الموت والعنف والإكراه دور في البناء الرّمزي للاجتماعي بين النّاس ومع الطّبيعة. ففي غياب الصّراعات والإكراهات والتّقلبات الّتي تعرفها الحياة، لا يمكن الحديث عن أي معنى، أو مغزى، فذلك هو سرّ الاندفاع نحو الحياة رغم ما يكتنف الوجود من فقدان ونقصان. والحياة في حقيقتها مدينة لهذا النّقصان والتّناقض، أي للصّراع والتّوترات، حيث ديناميّة وعنفوان واندفاع في كلّ المجالات والعلاقات والدّلالات، من الصّداقة، إلى التّمرد والثّورات. “ألا يعلمنا الواقع الملموس والمحسوس في كلّ وقت وحين بأن الحياة برمتها مدينة في وجودها واستمرارها للتوتر؟ هذا التّوتر الّذي ابتكر له لوباسكو وديران مفهوما خاصّا هو التّناقضي أو الضّدّي بغيّة توصيفه ومحاولة استنفاذ دلالاته. وبما أنّه ضدّي بامتياز، فهو متعدّد وحيوي وشديد الحركيّة، وهو ما يعني أنّه لا يدين بشيء لتوتاليتاريّة الواحد الأحد.”67 وبالتّالي فكلّ الفكر  التّقدمي الغارق في سذاجة جعل العالم مثالا للخير والطّيبوبة، يكذّب الواقع الحيّ الملموس فالتّاريخ كما قال هيغل عبارة عن مسلخ كبير، وهي تجرّ النّاس إلى مذبح مّا ينبغي أن يكون من ثورة لأخرى على التّسلط والدّيكتاتوريات سرعان ما تتحوّل إلى جهنّم تقول هل من مزيد؟ كما لو أنّنا إزاء التّصور الخلدوني لولادة الدّول وانهيارها، فما كان عدما مؤسِّسا لأوضاع وقيم عليه أن يخلّي مكانه لعدم وخلق جديد. “فقد بات قدر الثّقافات هو أن تسقط في الابتذال ما أن تتحوّل إلى حضارات. وهذه الأخيرة تترهّل وتشيخ بفعل الرّفاهيّة الزّائدة والضّجر الماحق المميت. وتحت وطأتهما يعود الصّراع إلى الواجهة فيغدو قدرا محتوما… بهذا المعنى يغدو العدم قوّة فاعلة لا ينكشف ما بنته للعيان إلاّ بعد أن تعيث دمارا في القائم أي في المؤسَّس ليخرج المبني من رحمه وأحشائه. ممّا لا شكّ فيه أنّنا حيال سيرورة تراجيديّة، مثيرة للقلق ودائريّة الإيقاع، ورغم ذلك فكلّ خلق جدير بهذه الصّفة يدين لها في وجوده وظهوره.”70 وهي سيرورة قلقة مؤلمة لأنّها نابعة من الدّاخل، وتتجلّى في المنجز الفنيّ والإبداعي في الجمع بين الضّدّيات، الخير والشّر، بنوع من التّكامل بين المنظورات، وهي عصارة حزن وقلق عميقين، تسقط أقنعة فظاعة حاضرة وفعالة. ” أن يكون المرء مريضا بهذا العالم، ومع ذلك ليس له من خيار آخر إلّا أن يحبّه ولو كان هو سبب مرضه. لنقل إنّه مرض الحبّ، إنّها لوثة الشّغف المؤلم لكنّه محتوم. في الامر كلّه إحساس تراجيدي بالحياة نابع من توتر بين عدّة أقطاب متعارضة بقدر ما هي متكاملة.”72

إنّ محاولة إنكار الشّر والجحود بوجوده البنيوي من قبل أنساق فلسفيّة وعقائد دينيّة  الّتي تنتصر لأحاديّة الخير في الوجود، يعود إلى خوفها الخلخلة والاختراق الّذي يطول سيطرته المطلقة، أي الاعتراف بنسبيّة سلطة مؤسّساتها. ومهما كان قمع بروز الشّر فإنّ التّوتر بين الواقع الدّاخلي والواقع الخارجي يهيئ الأساس التّراجيدي للشّر كما يتجلّى في الكثير من الابداعات خاصّة الموسيقى الحماسيّة الّتي يشارك فيها الجمهور نجومه، وأيضا في المجون والعربدة بإفراط ومبالغة في التّبذير والتّدمير والإنفاق كما لو أنّنا إزاء المآدب الفخمة في الأعراس، أو في جنازة الميّت في بعض الثّقافات. “وما عساه يكون المجون إلّا تأسيسا لشغف إنساني راسخ القدم  ولانفعالات جماعيّة تخرج إلى حيز الوجود وتأخذ طريقها السّالكة نحو السّاحة العموميّة؟ ما عساها تكون العربدة إلاّ بروزا لوجدان جمعي غير مكترث بخطاب الفضيلة والمزايدة به على الأغرار من قبل المثاليين الحالمين على حدّ تعبير باريطو؟”77.  لهذا لا ينبغي التّستر على العتمة والمنطقة المظلمة كشرّ محتوم، بل البحث عن السّبل لتدبير الجانب المقلق في الفرد كبعد حيواني، أي القبول بالتّناقض الوجداني. فواقعنا يحتضن أشكال كثيرة لبروز هذا البعد الحيواني في الإنسان، كما نلمس ذلك في تفاعلنا مع القصص والحكايات، ومن الحياة اليوميّة كتثقيب البشرة والوشم والاشتغال الفنّي على الجسد مباشرة بوخزه، أو  في تعليقه بأسلاك حديديّة، كما شرح ذلك دافيد لوبرطون في كتابه تجربة الألم، وفي الحديث عن جنيات البحر الفاتنات…

وتختلف أشكال العنف النّاتجة عن هذا البعد الحيواني الّذي لم تفلح فيه كراسي الاعتراف الدّينيّة، ولا علاجات التّحليل النّفسي في تخليص الفرد من الخطيئة، والشّر الّذي يتحكّم في دواخله ويمرغه في الوحل مانعا عنه نيل جدارة صفة إنسان. وإزاء هذا التّعقد تتميّز المقاربة العلاجيّة للمجتمعات السّابقة على الحداثة، ” فالعلاج هنا لا علاقة له ببوح ولا باعتراف بنصيب الظّلمة ثمّ العمل على استئصاله واقتلاعه، بل بتسخيره في اتّجاه الإحساس والتّفاعل، بل والتّماهي مع الشّرور الجماعيّة بغية خلق حالة من التّعاطف الجماعيّ والتّعاطف الموصول بين أفراد الجماعة. يتعلّق الأمر بإطلاق جوّ من التّعاطف والتّراحم يغدو علّة ومعلولا للعيش المشترك الّذي هو قدر النّاس على هذه الأرض.”82 وما كان لهذا أن يتكوّن بهذا الشّكل إلاّ عبر سيرورة تاريخيّة من التّنشئة المجتمعيّة المفعمة بالمحن والمعاناة الّتي تصلب عود المكابدة لدى النّاس، حيث لم يعد يهمهم استئصال العنف والخطيئة، بل هو شأن جماعي يصير قابلا للتّحمل من خلال تصريفه في طقوس. وهكذا يتحوّل الشّر إلى اقتدار في لحم الجماعة. “الشّر ليس غريبا عنا غرابة مطلقة طالما نحمله بين جنبينا. ومناط تراجيديته في اعترافه الصّريح وغير الموارب بحصة الظّل المقيمة في كلّ شيء. هذا الظّل الّذي من شأنه أن يتحوّل إلى حامينا لو عرفنا وخبرنا كيف نتعايش معه.”84

******

كلّ الهوامش من الكتاب: حصّة الشّيطان، والأرقام تشير إلى صفحاته.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This