الأوبئة والجوائح: ما هي دروس التّاريخ؟

فيليب كليراي

” كان مخضرّ اللّون، مشمع الشّفتين مسودّ الجفنين، متقطّع النّفس قصيره، تعذبه الغدد عذابا شديدا فيتجمّع في فراشه كما لز أنّه بوده أن يُغلقه على نفسه، أو كأنّ شيئا مّا، نابعا من أعماق الأرض، كان يدعوه دون ما استمهال … هكذا كان البواب يختنق تحت عبء غير منظور، وكانت المرأة تبكي.

ــ أليس من أمل بعد يا دكتور؟

ــ فقال ريو: لقد مات.”          ( ألبير كامو، الطّاعون.)[1]

 

الأوبئة والإنسان

ترتبط البكتيريات والفيروسات، ارتباطا وثيقا بالوجود البشريّ، وقد رافقت مراحل ومميّزات مختلفة لتطوّر الحضارة، واليوم ولمواجهة هذا العدوّ الجديد، الّذي يستولي على السّجلات الّتي تدور حول الحرب، لقد بدأت مجتمعاتنا بالذّهول من هذا التّحدي، قبل أن يتفاعلوا معه، كما هو الحال دائما.

لعلّ ما يدعو للدّهشة، هو ملاحظة وعلى مرّ العصور، أنّ ردود الفعل تجاه أيّ وباء تظلّ كما هي على الدّوام، في كلّ فترة، يجب على المجتمع التّكيف حتّى لا يختفي، هذه الورقة تحاول أن تذكّر من خلال مقاربة تاريخيّة، كيف تكيّف الأوبئة والجوائح العظيمة عالمنا، تبيّن أنّ مجتمعنا يكرّر نفس الخطوات السّالفة. سيتمّ أخد عدّة أمثلة: وباء الطّاعون الأسود الّذي دمّر أوروبا ما بين سنوات 1347 و1353، وباء مارسيليا سنة 1720م، وباء الإنفلونزا الإسبانيّة سنة 1918م، أخيرا الحلقة غير المعروفة من إنفلوانزا هونغ كونغ سنة 1968م، لقد تمّ وضع كلّ هذا في الإعتبار مع جائحة كوفيد-19 الحاليّ، لا شكّ أنّه من الصّعب بل من الخطر على المؤرّخ مقارنة الأوبئة مع بعضها البعض. لكن على ضوء ما يعانيه عالمنا، الّذي يواجه كوفيد-19، وردود فعل مجتمعاتنا تجاهه، نلاحظ أنّ هذه الرّدود يطغى عليها المحلي على العالمي، بمعنى  أنّ غالبيّة هذه الرّدود تتشكّل من وجهة نظر المجتمع في مواجهة الوباء، إنّها سلسلة من ردود الفعل الكونيّة.

عندما وضع كريستوف كلومب قدمه في 12 أكتوبر 1492م على أرض كان يعتقد أنّها جزر الهند، أدخل والعديد من المستعمرين الإسبان من بعده، مجموعة من الجراثيم والبكتيريا والفيروسات غير معروفة عند الأهالي[2]، كانت حصيلة هذه الصّدمة الفيروسيّة والبكتيريّة شديدة للغاية في القرن السّادس عشر، حيث دمّرت جزء كبيرا من شعوب الأهالي الّتي تسكن في أمريكا الوسطى، بنسب تتراوح ما بين 50% و60%،[3] هذا الحدث التّاريخي البسيط قد طواه النّسيان لفترة طويلة.

قبل قرن ونصف انتشر من ميناء كافا (Caffa) على البحر الأسود، عبر أوروبا وباء مرعب، الطّاعون العظيم ويسمّى كذلك الطّاعون الأسود، سيقتل الوباء ما يقارب نصف سكّان أوروبا في خمس سنوات، أي حوالي خمسة وعشرون نسمة، وستنقطع التّوازنات السّياسيّة الهشّة بين المماليك في العصور الوسطى، وستنتج هذه الأزمة النّاشئة عجزا ديموغرافيا لقرن ونصف، وسيؤدّي كما هو معروف إلى إختلال توازن بين قوى الإنتاج بين الفلاّحين وكبار الإقطاعيين، وبالتّالي بداية الاختفاء التّدريجي للقنانة (الفيوداليّة).

إنّ التّأثير الأخلاقي والنّفسي لهذه الأزمة الصّحيّة غير المسبوقة سيكون كبيرا، وسيعانق قلق وجودي السّكان الأوروبيون، حيث بدأ السّكان يدعون القوى غير المرئيّة… بالتّالي ففن الحقبة مشبع بفكرة نهاية العالم.

يبدو أنّ الخوف والشّك وعدم الثّقة هي الكلمات المرافقة لبداية الأوبئة، إنّه الشّيء نفسه في بداية كلّ أزمة صحيّة: جزء من الّذي لا يمكن تفسيره، والّذي يجعلنا نعيده إلى شكوكنا وضعفنا الشّخصيّ والمجتمعيّ.

من وجهة نظر معيّنة، تثير هذه الأوبئة المخيفة مسألة العقل والمثبت، العلم والمتخيّل، غالبا ما يوضع الإنسان قبل الموت، لكن في مثل هذه الأزمات، يترك الإنسان لتدبّر أمره بنفسه، لأنّ معظم مجتمعاتنا بعيدة عن تقديم إجابات “مؤكّدة”، الّتي تثيرها القناعات الدينيّة والطّوائف الجماعيّة، الّتي تؤطّر وتوجّه الحياة اليوميّة والرّوحيّة، وهذا ما يمكن أن يؤدّي إلى أعمال عنيفة أو حقيقيّة أو رمزيّة.

أكباش الفداء

تمّ وصم اليهود بشكل خاصّ، واعتبروا المسؤولين عن تفشي وباء الطّاعون الأسود من 1347م إلى 1353م، وبالمثل أتّهم جميع السّحرة والقاعدة العامّة من المهمّشين في المجتمع بنشر المرض[4]، وقد أدّى ذلك إلى عمليات  إعدام جماعيّة لهؤلاء النّاس، ولسوء الحظّ سيعيد التّاريخ نفسه…

 

« Bûcher de Juifs durant la peste noire », illustration de l’ouvrage de Hartmann Schebel, La Chronique de Nuremberg, 1493, Bibliothèque nationale de France

 

في ستراسبورغ الفرنسيّة يوم  14 فبراير 1349، وأثناء وباء الطّاعون الأسود، وقعت مذبحة عيد الحبّ، مذبحة حقيقيّة، حيث تشير التّقديرات إلى إحراق ما يزيد عن 2000 يهودي وهم على قيد الحياة، وألحقت بهم تهم تسمم الأبار ونشر الطّاعون، وسيقتل العديد من النّاس بنفس التّهم الّتي لا أساس لها من الصّحة[5]، بحكم الضّرورة، يبدو أنّ العقل البشري بحاجة إلى تحديد الجاني أي كبش الفداء، وفي نفس الوقت تطوير نظريات المؤامرة  بكثير أو قليل من الموثوقيّة، إنّها الدّورة الجهنميّة للذّعر والإشاعة الّتي تنمّ عن الإختلال الجماعيّ، وتقوم بإرباك ما هو محتمل ومثبت. ففي بداية وباء داء فقدان المناعة المكتسبة (السّيدا)، تمّ إلصّاق التّهمة بالمثليين جنسيا، وتمّ نفيهم عن المجتمع[6]، قبل أن يجتاح الدّاء جميع الفئات من المجتمع دون تمييز، وتمّ إلصّاق التّهم بالحيوانات هذه هي نظريّة أكباش الفداء. يمكن تلخيص مسبّبات الطّاعون الأسود في ثلاث كلمات: الجرذان والبراغيث والإنسان.

فيروس (إتش وان إن وان) والإنفلونزاA  يتحوّل إلى طفرة في فيروس انفلونزا الخنازير البشريّ، وغالبا ما نجد الخفّاش، وهو مستودع  حقيقي للفيروسات من كلّ الأصناف، وهي حقيقة يثبتها العلم الحديث، يعود أصل فيروس نقص المناعة  المكتسبة (السّيدا) إلى استهلاك لحوم القردة، وقد تمّ نقل كوفيد-19 عن طريق استهلاك بنغول (Pangolin)… وهو أمر ليس مثبتا علميا  باختصار فأغلب التّفسيرات الّتي تقدّم تفسيرا  لكيفيّة انتشار الفيروس، فالجزء  الأعمّ منها يتمّ عن طريق  حقل الدّعاية، مع العلم أنّ البشريّة تقترب في تطوّرها  من عالم الحيوانات البريّة.

يؤدّي الضّغط الديموغرافي إلى التّعدي على المساحات النّادرة الّتي تعتبر بكرة في عالمنا، مع الأخذ في الحسبان جميع المخاطر الّتي يمكن أو يولّده هذا الضّغط من وجهة نظر فيروسيّة، ومن جهة أخرى، هناك القضايا السّياسيّة والصّحيّة، فمن الواضح أنّ التّحديات البيئيّة، مثل مكافحة الإحتباس الحراريّ العالميّ بشكل خاصّ، يجب أن يوجد لها حلول على وجه السّرعة، لأنّ أغلب الخبراء في البيئة والصّحة، يلاحظون أنّ هذه الأوبئة قد تجد حافزا لتطوّرها بفعل الاضطرابات المناخيّة، وفي طريقة حياة مجتمعاتنا (التّنقل، الحياة الحضريّة…).

إشاعات ونظريات المؤامرة

خلال الوباء الخطير، المعروف بالإنفلونزا الإسبانيّة 1918-1919، إنتشرت أشنع الشّائعات عند الرّأي العام حوله، “كانت هناك شائعات عند العامّة مفادها أنّ المرض ناتج عن الأطعمة المعلّبة في إسبانيا، حيث تمّ جلبها من طرف وكلاء تجاريين من ألمانيا، حيث أدخلوا عصيات مرضيّة مسبّبة للإنفلونزا”.[7]

الأسوء من ذلك، قيل أنّ الممثلة الفرنسيّة إيزابيل أدجاني ((Isabelle Adjani، كانت مريضة بفيروس نقص المناعة المكتسبة وتوفيّت في يناير 1987… مع العلم أنّ الممثلة وفي قيد حياتها كانت تتمتّع بصحة جيّدة! وحتّى اليوم، مازالت الشّائعات غير المنطقيّة تلاحق الممثلة المذكورة…لقد كانت هناك شائعات مهولة، كلّ منها غير قابل للتّصديق، وحتّى نظريّة المؤامرة المعتادة، بأنّ فيروس داء فقدان المناعة المكتسبة تمّ خلقه لأغراض الإبادة الجماعيّة.

الأقرب لنا، هو وباء (إتش وان أن وان) والإنفلونزاA، الّذي اجتاح أوروبا سنة 2009، كان اللّقاح المستعمل هو نفسه المسؤول والمتّهم لأنّه أخطر من الفيروس نفسه، بفعل التّأكيدات الّتي غالبا ما توجد فيما يتعلّق بالتّطعيمات المختلفة، لقد تعرّضت السّلطات الصّحيّة للهجوم بشكل خاصّ. ففي فرنسا، نتذكّر التّهم العنيفة الّتي كانت مليئة بالتّحيّز الجنسيّ في شخص وزيرالصّحة الفرنسيّة روزلين باشلوت(Roselyne Bachelot)، وبالتّالي  تبدأت الشّائعات حول مؤامرات بين خبراء من منظّمة الصّحة العالميّة وشركات الأدوية[8]، والمثير للإهتمام أنّ هناك شائعة أخرى تظهر متطابقة اليوم بخصوص كوفيد-19، والأسوء من ذلك .. أنّ فكرة هذا الفيروس الجديد، كان سيتمّ إنشاؤه في مختبر صيني كسلاح جرثومي، من قبل المتآمرين، وانتقل بالخطأ إلى جميع دول العالم… كان يمكن صناعة العامل المسبّب للمرض في مختبرP4  بووهان… المختبر الشّهير الّذي يتميّز بنظام تأمين عال جدّا، أفتتح سنة 2015، ويسمح للعلماء بالتّعامل مع مسّببات الأمراض من الفئة الرّابعة، وبعض أخطر الكائنات الحيّة الدّقيقة مثل فيروس إيبولا. لكنّ كوفيد-19 ينتمي إلى الفئة الثّالثة، وبالتّالي ليس له نظريا ما يفعله في هذا النّوع من المختبرات الموجودة أيضا في فرنسا، لكنّ الشّائعات تعتبر عنيدة دائما، خاصّة عندما زار الرّئيس التّنفيذي لشركة “المعهد الوطنيّ للصّحة والبحث الطّبيّ” (Inserm)  ييف ليفي (Yves Lévy)، زوج وزيرة الصّحة الفرنسيّة السّابقة أنياس بيزان (Agnès Buzyn) المختبر سنة 2017 مع رئيس الوزراء الفرنسيّ برنارد كازنوف ( Bernard Cazeneuve)ذلك الوقت.

لقد ابتكر بعض العلماء (Les collapsologues)، العديد من التّفسيرات لأصل الفيروسات، وبالتّالي من المذهل أن نجد من وباء لآخر، نفس المذنبين: الحكومات وسط أكبر مجموعات شركات الأدويّة… الغرباء أو المجموعات الاجتماعيّة المشبوهة بطبيعتها (الصّينيين، السّود، المثليين…). الإشاعة هي وسيلة لتشويه المرآة التّي ينظر المرء من خلالها لنفسه.

في الهند، وفي خضم جائحة وباء كوفيد-19، يتهّم وزير الصّحة، الأقليّة المسلمة علنا بنشر الفيروس التّاجيّ، ممّا يؤدّي لزيادة العنف والوحشيّة.[9] وفي فرنسا، ظهرت موجة من العنصريّة ضدّ الأشخاص من أصل أسيوي، بالإضافة إلى الإهانات اللّفظيّة، فيتمّ وضع علامات على واجهات المحلّات التّجاريّة بطريقة مستفزّة، وبالمثل يتمّ طرد الممرضات الممرضات عن طريق وضع الملصقات أو الرّسائل المتروكة على جدران المباني السّكنيّة لكي يغادروا منازلهم، لأنّ جيرانهم يخشون من الفيروس الّذي يمكن أن يحملوه هؤلاء الممرضين، ويهدّدونهم ببعض الكلمات “اخرجوا، سنموت بسببكم”.

إنقاذ من يستطيع!

بعد ساعات قليلة من إعلان رئيس الجمهوريّة الفرنسيّة إيمانويل ماكرون (Emmanuel Macron)، مساء 16 مارس 2020، عن الحجر الصّحيّ العامّ في البلاد، قام العديد من الأشخاص (خاصّة الأغنياء) بمغادرة  منازلهم الرّئيسيّة في المدن، وتوجهوا إلى أماكن قضاء الإجازة العائليّة، كما هو الحال في جميع المناطق السّاحليّة الغربيّة الفرنسيّة، فقد وصل ما لا يقلّ عن ألفي شخص، معظمهم من باريس إلى Belle-Île-en-Mer،  والّتي تعتبر من أكبر الجزر قبالة ساحل ولاية موربيان (Morbihan)، حيث تكون أكثر هدوء في هذا الوقت. لقد أثار هذا القرار مخاوف من مشاكل عديدة في الإمدادات، إلى جانب مشاكل صحيّة واضحة: الخوف من نقل الفيروس عن طريق أمتعة العائلات الوافدة، فمنطقة بريتاني (Bretagne) الفرنسيّة إلى ذلك الحين كانت سالمة تماما من الفيروس، لكنّ ردّ فعل سكان الجزر لم يدم طويلا، فقد تمكّن الخوف من السّكان المحلّيين، وظهر سلوك معادي لسكّان باريس الّذين حلّوا بالمدينة[10].

في منطقة لامانش La Manche، المنطقة الهادئة للغاية، حدث نفس الأمر، مع وجود العديد من الكتابات على جذران المدينة الصّغيرة Agon-Coutainville مكتوب عليها “البارسيين للخارج”[11]، وتذكّر هذه النّقوش كراهية الأجانب والعنصريّة من وقت لآخر.

في جنوب فرنسا، يتمّ التّعبير عن نفس العنف الرّمزيّ في منطقة خليج سان تروبي Saint-Tropez، على الطّريق المؤدّي إلى التّرامواي، حيث يشير نقش مثبت على الطّريق مكتوب عليه “البارسيون، ستقومون بتعداد موتاكم بعد خمسة عشر يوما؟”[12]، هذه الرّسالة مجرّد مثال فقط، يمكن أن تكون الحالات مضاعفة.

كما رأينا، فإنّ ردّ الفعل الأولي هو تشكيكي، إنّ القلق الجماعي سوف ينتج دوما ردودا نمطيّة من طرف المجتمع: إنطواء وميل قوي للتّخزين من أجل عزل الذّات. أمّا بالنّسبة لأولئك الّذين يمكنهم الفرار وهم غالبا الطّبقة الغنيّة، فهو طبعا التّخلي عن محلّ إقامتهم المعتادة باتّجاه مناطق أخرى، كما هو الحال في القرون الوسطى، حيث تمّت مواجهة الطّاعون الأسود، فقد قام الأغنياء بعزل أنفسهم أو الفرار، ولا زال هذا هو الحال في القرن الحادي والعشرين، في هذه المرحلة تشهد الشّائعات والمعلومات الكاذبة تفشيا لا يمكن السّيطرة عليه إلى حدّ يصبح خطاب السّلطات غير مسموع. يمكن تفسير هذا الشّك، من خلال نظام الطّوارئ الّذي فتح بعد ذلك: فخلال جائحة كوفيد-19، أصبح احتواء السّاكنة هو القاعدة، وهو أمر لم يكن من الممكن التّفكير فيه من قبل، الخطر من وجهة نظر السّكان هو خطر لوغوقراطي (Logocratie) على الطّريقة الصّينيّة، حيث لا يغطّي الخطاب السّياسي العامّ الواقع، ويمكننا كذلك من خلال قضيّة عدم الثّقة، أن تفكّر في شخصيّة المدوّن المتآمر ( Contagion) المتجسّدة في شخصيّة جود لاو Jude Law   سنة 2011، في الحملة ضدّ منظمة الصّحة العالميّة المتّهمة بالأكاذيب، ومخاوف أخرى تظهر بالتّوازي، كفشل الحكومات على الصّعيد العالميّ، واعتبارها غير مؤهّلة، فخلال الوباء الكبير ظهرت هشاشة المؤسّسة الملكيّة الفرنسيّة، حيث حاول العديد من النّقاد إضفاء غيابها الافتراضيّ، وبالتّالي يجب انتظار القرن السّابع عشر، لكي تتدخّل الحكومات مباشرة في إدارة نوبات الطّاعون.

في فرنسا، وفي ومن كوفيد-19، مارست قضيّة الكمامات الّتي لم يتم تخزينها أو طلبها، تأثيرا كبيرا، أي نفس المنطق ونفس المشاعر السّائدة كما هو الحال خلال الأوبئة التّاريخيّة: يشعر السّكان بالخيانة، كونهم تركوا لمصيرهم، مهجورين. لدرجة أنّه تمّ استعمال الحيل، وهي الّتي سادت في الآونة الأخيرة في فرنسا، أي إنشاء أقنعة خاصّة في المنازل باستخدام الأقمشة، في انتظار التّسليم الّذي طال انتظاره “الكمامات الموعودة”.

من خلال ما سبق، يظهر أنّه في وقت الأزمات، يمكن أن يؤدّي تلوّث المعلومة الخاطئة، إلى عمل عنيف، سواء عنفا حقيقيا أو نفسيا أو رمزيا، الحجر الصّحي، هو حجر إلزامي يهتمّ به كثيرا لمكافحة جائحة كوفيد -19، وهو ليس إجراء جديدا، الحجر اليوم أو العزلة الإلزاميّة، معروف عند البحّارة منذ العصور القديمة، وبالمثل في بعض مناطق الحجر الصّحيّ في العصور الوسطى، مرورا بمصحّاتنا الأكثر معاصرة. هذه أمثلة نابعة من نفس فكرة الحجر، بأكبر قدر من الجديّة، فكلّ تمزّق في هذا الإجراء المحكم للشّركة أو للمجموعة البشريّة المعنيّة يهدّد فعاليّة الإجراء، وهكذا عانت مدينة مارسيليا  الفرنسيّة سنة 1720م، من وباء الطّاعون الشّديد للغاية، بسبب عدم تطبيق الحجر الصّحيّ، لأسباب تجاريّة، بتعبير آخر تفضيل السّفينة المحمّلة بمصنوعات من الأقمشة الثّمينة على مسبّبات المرض، فعلى الرّغم من التّدابير الصّارمة، فسرعان ما انتشر الوباء في جميع أنحاء المدينة، فكانت الخسائر  فادحة، تتراوح مابين 100000 و120000 وفاة، من إجمالي عدد السّكان البالغ أنذاك 40 مليون نسمة في فرنسا. يبدو أنّ أوامر تقييد النّاس المتكرّرة، تؤدّي عملها اليوم، بعد ثلاثمائة سنة من وباء مارسيليا، ألن نكون في نفس النّقطة أخيرا؟

مابعد الحرب الصّحيّة

في الدّول الأوروبيّة، ومنذ منتصف القرن التّاسع عشر، قامت الدّول الّتي تديرها حكومات إداريّة، بوضع وتنظيم سياساتها الوطنيّة والدوليّة للصّحة العامّة.[13]من خلال الحاجة الماسّة للاستجابة بفعاليّة وسرعة لانتشار الأوبئة، واليوم ترصد دولنا كلّ طاقاتها لمواجهة كوفيد-19، وستكون التّداعيات الاقتصاديّة لهذا الإجراء كبيرة في شهور وسنوات ما بعد الحرب الصّحيّة.

يبدو السّؤال الرّئيسي الّذي ليس له جواب: متى ينتهي الوباء؟ ستكون الإجابات حول هذا السّؤال حاسمة، لأنّ هذه الأزمة ستنجح، فيما يمكن أن نسمّيه “ما بعد الحرب الصّحيّة”، ففي حقيقة الأمر، لا أحد يعرف، على عكس النّزاع المسلّح، متى يتوقّف الوباء، بل يمكن أيضا مصدرا جديدا للقلق، الانتكاسة ممكنة دائما،  والحقيقة أنّ هذا الوباء غير المرئي يمكنه أن يتجوّل ويختبئ … ومرة أخرى، يعتبر للفيروس وعاء للعديد من الأوهام، وقد تسمح لنا الإحصائيات والطّب والعلوم بإجراء تحليل دقيق وموضوعي للوباء. بل تستطيع أدوات المراقبة الصّحيّة الحديثة الكشف متى انتهى الوباء، لكن من النّاحيّة النّفسيّة، من المحتمل أن تستمرّ هذه الجائحة لفترة أطول وتترك آثارا عميقة، وهنا يمكن أن نرى بوضوح كيف يمكن لمجتمعاتنا أن تتغيّر بالفعل، على الرّغم من الخطابات والوعود.

حصيلة الأوبئة والجوائح الأساسيّة منذ القرن الرّابع عشر في العالم وأوروبا

 

 

الوفيات السّنوات الأوبئة /الجوائح
25.000.000 1347-1353 الطّاعون الأكبر- الطّاعون الأسود (أوروبا)
1.000.000 1629-1631 طاعون شمال إيطاليا
75.000/100.000 1665 طاعون لندن(بريطانيا العظمى)
100.000/120.000 1720 طاعون مرسيليا (فرنسا)
100.000 1832 الكوليرا (فرنسا)
50.000.000 1919-1918 الإنفلونزا الإسبانيّة (العالم)
1.000.000 1969-1968 إنفلونزا هونغ كونغ (العالم)
30.000.000 منذ 1978 السّيدا (العالم)
200.000/300.000 2009 إنفلونزا  A- H1N1(العالم)
165.000 خلال 20 أبريل 2020 2019-2020 كوفيد-19 (العالم)

 

ينسى البشر، وهي طريقة للمضي قدما وللتّقدم والتّطور، لقد تمّ نسيان وباء الإنفلونزا الإسبانيّة سنة 1918-1919، الّذي قتل في أوروبا، أكثر ما قتلت الحرب العالميّة الثّانية[14]، ولأنّ الفترة كان عنوانها الحداد وإعادة البناء، فبعد خمسين سنة، تسبّبت انفلونزا هونغ كونغ، الّتي دمّرت العالم في موجتين متتاليتين بين سنتي 1968 و1969، وتسبّبت في وفاة مليون إنسان… وبسبب الخلط بينها وبين الأنفلونزا الموسميّة، لم تترك سوى أثر ضئيل من الذّكريات، حيث قتلت ما لا يقلّ عن 31000 فرنسي[15]! . ويبدو أنّ فيروس إش وان أن وان (الأنفلونزاA) الّذي ظهر سنة 2009 أقلّ خطورة بكثير.

خــــــــــــــاتمة

يبدو أنّ الطّبيعة البشريّة، ومهما وصلت درجة حضارتها، تحتاج أحيانا إلى جزء من السّحر واللاّعقلانيّة لشرح بعض الطّوارئ [16]،. الجزء الحتمي من الوباء هو انتشاره وموت العديد من البشر، هذه هي اللّحظات الّتي يختبر فيها المجتمع نفسه، بشكل جماعي أو فردي. وفي النّهاية يتولّد نفس السّؤال الّذي يعذّب البشريّة: العلاقة الفرديّة والجماعيّة بالموت؟

سيخبرنا المستقبل إن كانت مجتمعاتنا قادرة حقا للتّعلم من التّاريخ.

 

**********

[1] Albert CamusLa Peste, 1947, rééd. Gallimard, coll. « Folio », 2012.

[2] Anne-Marie Moulin, « Le choc microbien », L’Histoire, n° 146, juillet-août 1991.

[3] Nathalie Brown« Choc et échange épidémiologique : Indiens et Espagnols au Mexique (1520-1596) », doctorat d’histoire, université de Paris-IV, 2006.

[4] Yves-Marie Bercé, « Rumeurs et épidémies : les semeurs de peste », L’Histoire, n° 218, février 1998

[5] Stéphane Barry et Norbert Gualde, « La plus grande épidémie de l’histoire », L’Histoire, n° 310, juin 2006.

[6] Geneviève Paicheler et Alain Quemin, « Une intolérance diffuse : rumeurs sur les origines du Sida », Sciences sociales et santé, vol. XII, n° 4, décembre 1994.

[7] Geneviève Paicheler et Alain Quemin, « Une intolérance diffuse : rumeurs sur les origines du Sida », Sciences sociales et santé, vol. XII, n° 4, décembre 1994.

[8]Sarah Pinard, « Quatre folles rumeurs sur le vaccin contre la grippe A », L’Express, 18 septembre 2009

[9] Jeffrey Gettleman, Kai Schultz et Suhasini Raj, « In India, coronavirus fans religious hatred », The New York Times, 12 avril 2020.

[10] Barbara Krief, « Les Parisiens se réfugient à Belle-Île-en-Mer », L’Obs, 18 mars 2020.

[11] Anonyme, « L’arrivée de Franciliens dans leur résidence secondaire, à Coutainville, soulève des peurs. Des tags anti-Parisiens ont été constatés », Ouest France, 7 avril 2020.

[12] Anonyme, « Parisiens, vous comptez les morts dans 15 jours ? : un message qui incite à la haine tagué dans le golfe de Saint-Tropez Depuis le début du confinement, les frictions sont légion sur la présence massive de personnes n’habitant pas à l’année sur le territoire du golfe tropézien », Var-Matin, 8 avril 2020.

[13] Lire le plan mondial de l’OMS de préparation à une pandémie de grippe, qui date de 2005, disponible sur Internet.

[14] Pierre Darmon, « La grippe espagnole submerge la France », L’Histoire, n° 28, novembre 2003.

[15] Lucie Dendooven, « La grippe de Hong-Kong : pourquoi l’avons-nous oubliée ? », RTBF, 9 avril 2020.

[16] Gérard Fabre, Épidémies et contagion. L’imaginaire du mal en Occident, Puf, 1998.

*********

المصدر:

Philippe Clairay, « Épidémies et pandémies : quelles leçons de l’histoire ? », Editions Sciences Humaines, Lettre spéciale N5, Jeudi 23 Avril 2020.

 

  https://www.scienceshumaines.com/epidemies-et-pandemies-quelles-lecons-de-l-histoire_fr_42259.html?utm_source=MailPerformance&utm_medium=email&utm_content=_0033INA&utm_campaign=NLCOVID-19+200423_0015JI#titre_commentaire

*******

التّعريف بالكاتب:

فيليب كليراي:  حاصل على الدكتوراه في التّاريخ، مهتمّ بالتّاريخ والتراث، يشغل حاليا مدير متاحف ( Villedieu-les-Poêles)، له العديد من الدّراسات والمقالات في ميدان التراث والتّاريخ.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This