في وداع ميشال بيكولي.. المعتزل المختفي خلف أدواره / محمد صبحي

فيلم كامل، تدور أحداثه كلها تقريباً داخل أفكار رجل يحتضر. هكذا يمكن تلخيص فيلم “أشياء الحياة” (1970، كلود سوتيه). البطل بيير، كما لعب الدور ميشال بيكولي، مهندس طرق يعيش حياته على أكمل وجه، أكثر من أي وقت مضى. ثم تندفع ساعاته الأخيرة في الحياة وبقايا الأفكار التي شكَّلتها: كيف ترك زوجته هيلين (رومي شنايدر)، وكيف يريد العودة إليها، يكتب رسالة وداع، وحُبّها بداخله ساحق لدرجة لا يسعه إلا الذهاب إليها. رسالة الوداع في جيب سترته، لكنه يموت في الطريق في حادث سيارة. مكتوبٌ في الرسالة دافعه للعودة إلى زوجته: لأنه وهيلين يملكان معاً مستقبلاً، دون حاجة لماضٍ ولا ذاكرة.

في عام 1970، قام بيكولي وشنايدر ببطولة هذا الفيلم تحت إدارة كلود سوتيه، وفي ذلك الوقت كان بيكولي، المفكِّر المجنون، المسيَّس إلى الأبد، نجماً سينمائياً حقيقياً.

لكن البدايات لم تكن سهلة ولا مجانية. كان بيكولي منذ بدايته مختلفاً، فحلم التمثيل السينمائي عنده لا يشبه غيره. قد يبدو الأمر كما لو كانت مسألة وقت فقط قبل أن يكتشف شخص ما في باريس ما بعد الحرب العالمية الثانية، ميشال بيكولي، الممثل المسرحي الشاب، للسينما، في أحد المقاهي المدخَّنة، حيث كان المثقفون يعيدون اختراع عالمهم في رؤوسهم، والذين يعرف بيكولي الكثير منهم، سارتر وسيمون دي بوفوار، على سبيل المثال.

لكنه اتخذ احتياطاته مبكراً ولم يترك أي شيء للصدفة. قال في وقت لاحق أنه امتلك فكرة واضحة للغاية عن نوع السينما التي يريد صنعها. وكان لوي بونويل، الإسباني السيريالي، هو الرجل المناسب لرغبته. كان بيكولي ممثلاً متحققاً بالفعل على خشبة المسرح في أواخر ثلاثينات عمره، يعمل بلا كلل. دعا بونويل إلى المسرح لمشاهدته، في خطوة تُظهر الكثير من الثقة بالنفس، لكن بونويل لم يكن أسطورياً كما هو الآن، ومن دون ميشال بيكولي، ربما لم يصبح أسطورياً. كان لقاءً رائعاً لكليهما، رغم أنهما لن يتعاونا في مشروع سينمائي إلا بعد سنوات من هذا التاريخ.

ومن أجل إنجاز هذا التعاون، سافر بيكولي إلى المكسيك. كان فيلم “موت في الحديقة” أول تعاون بينهما في عام 1956، وبدون هذا الفيلم، ربما لم يكن هناك تحف لاحقة مثل “جميلة النهار” (1967) أو “سحر البرجوازية الخفي” (1972). قال بيكولي في عام 1979 أنه لم يكن مهتماً أبداً بمحتوى دور ما، بل انصبّ تركيزه دوماً على النصّ الكامل المقدَّم إليه والمخرجين المفترض التعاون معهم لبعث الكتابة إلى حياة مصوّرة على الشاشة.

صلصال تمثيلي

أصبح ميشال بيكولي، المولود في باريس في 27 كانون الأول/ديسمبر 1925 لأبوين موسيقيين قدما في الأصل من إيطاليا، خالداً في عصرٍ كان فيه ما يُعتبر الآن “سينما فنية” (arthouse cinema) لا تزال بمثابة قمة جبل أوليمبوس، ولا يكاد يوجد ممثل آخر في جيله يضاهيه في عدد مشاركاته في أفلام ستأخذ مكانتها لاحقاً ككلاسيكيات: أفلامه مع بونويل (ستة) وسوتيه (خمسة) وماركو فيريري (فيلمان) وكلود شابرول وريفيت وهيتشكوك.
لكن قبل هذا كله، كان هناك الفيلم الذي ساعده على تحقيق انطلاقته الكبرى: “احتقار” (1963) مع بريجيت باردو في بطولته، وإخراج جان لوك غودار. لم يلعب بيكولي دوراً آخر مع غودار، لكن بقية كتيبة شبّان “الموجة الجديدة” استعانوا به في أفلامهم وأظهروه للجمهور الكبير: من آنييس فاردا وآلان رينيه إلى جاك ريفيت، كان معهم على نفس مستوى جان بول بلموندو وجان بيير ليو وآنّا كارينا.

في السبعينيات التي أعقبت صعود حركات التحرّر الفكري والجنسي، أصبح الممثل الرئيسي في أفلام كلود سوتيه (أشياء الحياة)، لوي بونويل (السحر الخفي للبرغوازية) وماركو فيريري (الوليمة الكبرى) وكلود فارالدو (ثيمروك) الذين استخدموا صلصاليته التمثيلية لتصوير عذابات إنسانية عصية على الاختراق والفهم. في العقود التالية، فإن صانعي الأفلام الشباب الأكثر جرأة، ليو كاراكاس (دم فاسد) وبرتران بونيللو (الحرب) وبرتران مانديكو (سيدة الهرمونات)، سيستعينون به جاعلين منه مرشداً يُستدل منه على أبرز الأصوات الصاعدة في المشهد السينمائي الفرنسي.
تفتّح وعي بيكولي أثناء احتلال فرنسا من قبل الاشتراكيين الوطنيين (النازيين)، وفي ذلك الوقت بدأ تعليم التمثيل، كما تشكّلت بداخله روح يسارية ناقدة ستلازمه طوال حياته. أما خبرة طفولته فطبعت مساره التمثيلي بصورة غير متوقعة، فقد توفّى أخوه الأكبر في سنٍ مبكرة وكان لهذا أثر كبير في دفعه لتجاوز حدود ذاتيته واللعب مع الشخصيات والهويات المختلفة في أفلامه. فكرة أنه ولِد فقط لأن شقيقه لم يُكتب له البقاء، مثّلت له تحدياً لإعادة اختراع نفسه باستمرار.
كان بيكولي نفسه مقتنعاً بأن هناك نوعاً معيناً من الأدوار يناسبه بشكل أفضل: الشخصيات الممزقة واليائسة والمتشككة التي تحاول فهم ذواتها والسيطرة على عواطفها. علّمه بونويل بالفعل كيف يشكّل ويتقمّص أدوار شخصياته في الأفلام التي قاموا بإنجازها معاً، بالتوازي مع إعطائه مساحة حريّة . قال بيكولي عن ذلك: “لقد لاحظت في شخصياتي أنني ألعب دور المخرج بالفعل. المخرجون يفوّضون سرّهم إليّ”. وقد فعل بيكولي ذلك كثيراً.
دور بول جافال في فيلم “احتقار” لغودار، على سبيل المثال، هو واحد من تلك الشخصيات. مؤلفٌ مسرحي داخل ماكينة صناعة الأفلام على وشك أن يخون نفسه ويفقد ثقة زوجته، بالاندفاع وراء انتهازيته واستغلال جمال زوجته للظفر بمشروع فيلم كبير. كان أول دور بطولة لبيكولي، وجاء إليه بالشهرة والتقدير. يقول بيكولي عنه: “الفيلم هو سيرة ذاتية بالكامل. إنه يصف لحظة من اليأس والتفتيش الذاتي في ما يتعلق بالحب والأدب والسينما والمال … فقط هو (شخصيته في الفيلم) رجل متحفّظ لدي مشكلة في الحديث عنه”.
هكذا، احتفظ بيكولي لنفسه بسلطة حرية التصرّف في حياته الخاصة، وظلّ غير مرئي كما يليق برجل كتوم. ودافعه في ذلك أن الإطلاع على تفاصيل حياته ليس مفيداً لعمله التمثيلي، لأنه قد لا يستطيع إبراز الحياة الداخلية لشخصياته، أو والأفدح أن تطغى طبائع شخصيته على مثيلتها التي يؤديها، فيختلط الأمر على المُشاهِد.

اختفى خلف أدواره

على صعيد الحياة الخاصة، لا يكاد يُعرف عنه أكثر من أنه تزوج ثلاث مرات، في الزواج الثاني من المغنية جولييت غريكو. عاش في باريس مع زوجته الثالثة، كاتبة السيناريو لوديفين كلير التي تبنّى معها طفلين من أصل بولندي. وعلى الرغم من أنه لم يكن رجلاً سرياً – في مذكراته كشف أنه كان على علاقة غرامية مع رومي شنايدر (التي مثّل معها ستة أفلام) – عاش حياة منعزلة إلى حد ما، ربما حتى يتمكن من الاختفاء بشكل أفضل خلف أدواره.
حواراته الصحافية كانت نادرة، فضلاً عن التردّد الذي ميّز حديثه عن نفسه كشخص صاحب وضع خاص، وآمن بأن الممثل الجيد يهتم بالآخرين أكثر من اهتمامه بنفسه، واتخذ هذا شعاراً مرافقاً لإبعاد المتطفلين.

ورغم قدر نسيج القدرات واللياقة التمثيلية التي تحلّى بها بيكولي، سواء بخبرة ذاتية أو بتوجيه كتيبة المخرجين البارزين الذين عمل تحت إدراتهم، فقد أصبح، بطريقة ما، من فئة الممثلين الكبار الذين لم تحاول هوليوود جذبهم إلى ستوديوهاتها. كان هناك الكثير من السياسة في حياته، حتى إنه غازل الشيوعية لفترة، وقبل كل شيء، كان هناك الكثير من التنظير في رأسه، أكثر مما تحتمل هوليوود.

في عام 2007، دعم الحملة الانتخابية للاشتراكية سيغولين رويال، وشنّ حملة ضد الجبهة الوطنية الشعبوية اليمينية، وكان عضواً نشطاً في منظمة “حركة السلام” (Mouvement de la Paix). عدا عن ذلك، فقد أتقن لعبة تمثيل الالتباسات الإنسانية والأكاذيب الحياتية، كما لم يفعل ممثل من قبله، ورشّح للفوز أربع مرات بجائزة سيزار أعرق الجوائز السينمائية الفرنسية، لكن الجائزة خسرته ولم يفز في أية مرة.

قال بيكولي ذات مرة: “هذه المهنة تحتاج إلى التحلّي بروح الهزل. عندما يسحرك الإيغو الخاص بك، ذاتك، الجمهور، أو الكاميرا – فالممثل بطبيعته يفتقر إلى التواضع – لكنه يدرك أيضاً كوميدية وهزلية ما يختبره. أفضّلُ التعبير الإيطالي”io faccio l’attore” (الترجمة الحرفية بالعربية: أنا أؤدي التمثيل). الإيطاليون لا يقولون “أنا ممثل”، بل يقولون “io faccio l’attore”. أودّ أخذ هذه الفكرة إلى نهايتها المنطقية وأؤدّي أدواري مثل دمية أطفال”. ظل بيكولي وفياً لهذا المبدأ حتى آخر أدواره الكبيرة في السينما، في فيلم “لدينا بابا” (2011، ناني موريتي)، الذي يؤدي فيه دور بابا تساوره الشكوك يسعى وراء خلاصه بالاستقالة والاختفاء.

بعدها، سرعان ما فقد بيكولي ذاكرته، واشتكى من هذا في سيرته الذاتية، التي نُشرت في عام 2015، وكتب أن هذا أسوأ ما يمكن أن يحدث لممثل. شوهد آخر مرة على الشاشة قبل خمس سنوات، في فيلم “طعم التوت” لتوماس دي تايير.

في 12 أيار/مايو توفي ميشال بيكولي بسكتة دماغية عن عمر يناهز 94 عاماً بين ذراعي زوجته لوديفين وولديه إينور وميسيا، كما أعلن صديقه جيل جاكوب، الرئيس السابق لمهرجان كان. الإعلان عن الوفاة تأخر ستة أيام، دون أسباب معلنة. الآن، لا يوجد الكثير من أساطير الشاشة المتبقية. وفي كل مرة يغادر أحدهم، تصبح السينما أصغر قليلاً.

 

عن المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This