فصل المقال فيما بين روح الدّين والإيمان الحرّ من انفصال(4)

نستمرّ في طرح مضامين الكتابين “الإيمان الحرّ” و”روح الدّين”، ثمّ بعد أن ننتهي من هذا التّحليل الوصفي سنخصّص محورا نقديا لكلّ ما تم تناوله من مضامين فكريّة.

*التّفكير الفلسفي في الأسئلة المؤلمة

مشكلة طه عبد الرّحمن أنّه يستعمل مفاهيم حديثة للدّفاع عن معاني مصطلحاتها القديمة، وهذا ما يقوم به حين يستعمل على سبيل المثال مفاهيم حديثة: العالم، الدّين، النّفس، السّياسة…وهو في ذلك يبحث عن شرعيّة نظريّة لتنزيل العالم الغيبيّ من خلال الخلفيات الفلسفيّة والفكريّة والأدوات المفاهيميّة الحديثة العلمانيّة، بمعنى أنّه في وضعيّة من يدافع عن الحجاب باسم الحريّة وحقوق الانسان. لذلك يورّط قارئه غير النّقدي في الأسئلة القديمة مشوّها التّحولات الّتي طالت الإطار المعرفي في ولادة أسئلة فلسفيّة جديدة متعلّقة بماهيّة الدّين، بانفصال عن مصطلحات تنزيل العالم الغيبيّ الدّينيّ على العقل البشريّ، بل انطلاقا من براديغم الوعي، أي التّفكير في (الدّين في حدود مجرّد العقل).” إن الدّين إمكان أخلاقي أصيل يصعد في أفق أنفسنا من الدّاخل، وليس جهازا عقديا أو دعويا يفرض من الخارج على العقول.”1

انطلاقا من هذا الإطار المعرفي الحديث تناول كانط تلك المصطلحات القديمة كأسئلة مرهقة للعقل في قدره الخاصّ الّذي لا يتجاوز سقف الظّواهر إلّا في ضرورة تفكيره في هذه الاسئلة كمسيرة تحرير.  وهو- العقل- يبني معرفة لا تدّعي معرفة الأشياء في ذاتها بقدر ما تدرك حدودها في معرفة الظّواهر. إنّ الأمر يتعلّق ببحث حدود استعمالات العقل، بحيث لا يمكنه أن يتجاوز في عمليّة بنائه للمعرفة ما وضعه بنفسه في الطّبيعة. وإذا كان من الصّعب معرفة ما هو خارج عقولنا فكيف يمكننا ادّعاء القدرة على تنزيل العالم الغيبيّ على العالم المرئيّ، وطبيعة العقل البشريّ لا تسمح له سوى بالتّفكير في العالم والنّفس والله كبحث أخلاقي عملي يحاول قدر الإمكان انطلاقا من مصلحته توسيع حدود العقل البشريّ بوساطة الحريّة. وهذه الثّورة في طريقة التّفكير هي الّتي مكّنته من طرح نقاش ما بعد ميتافيزيقي محكوم بفكرة الحريّة الكامنة في عقولنا نفسها. “ليس العالم المعقول غير مساحة المعنى الّتي في أنفسنا، تلك الّتي شرعنّاها بوساطة فكرة الحريّة وبشكل كلّي أو لا مشروط. لأنّ الإنسان حرّ، هو قادر على اختراع الكلّي باعتباره مساحة معنى ذاتيّة هي الأفق الوحيد لملاقاة المطلق أو اللاّمشروط أو الإله. لو لا فكرة الحريّة الموجبة، أي المشرعة للمعاني الكونيّة، لما أمكن لفكرة الله الخالق أن تأتي إلى أنفسنا… الحريّة هي قدرة عقولنا على التّشريع الكلّي، حيث يمكن الدّخول في علاقة مع فكرة من قبيل الله  2 ” . وتكمن النّقلة النّوعيّة مع كانط في تحريره من السّرديات الأخرويّة فكرة الإله باعتبارها حاجة أخلاقيّة، أي فكرة ذاتيّة حرّة لا علاقة لها بأيّ وصاية خارجيّة، بقدر ما هي رغبة بشريّة ذاتيّة في الأبديّة. ومسألة وجود الله هنا لا يمكن تنزيلها إلاّ على المستوى الأخلاقيّ ليس بمعنى العمل التّزكوي لعمليّة العروج الّتي يطرحها طه عبد الرّحمن كتوجّه صوفي في كتابه “روح الدّين” كتراتبيّة في نيل المراتب العليا للفضيلة كما هو شأن الصّوفي بشكل عامّ أو الحكيم الرّواقي، ولا بالمعنى السّائد للأخلاق في العادات والقواعد السّلوكيّة في تحديد نمط الحياة الخاصّ بنا، ” بل الأخلاق هي كلّ مساحة الحريّة بالنّسبة إلى طبيعتنا بشرا، في مقابل كلّ مساحة الضّرورة الّتي تمثّلها الطّبيعة. ولذلك كلّ مشاكل الحريّة هي بحسب كانط، مشاكل أخلاقيّة محضة. وليس الله غير مشكلة أخلاقيّة صرفة، أي مشكلة من المشاكل الجوهريّة للحريّة في أفق الكائنات العاقلة المتناهيّة، أي الّتي لا تمتلك أي إمكانيّة للإنفكاك عن حيوانيتها أو محسوسيتها. ولا معنى لأيّ إله لا يقودنا إلى حرّيتنا.”3 في تحقيق الخير الأسمى في أفق الإنسانيّة بما يجعلنا جديرين بالسّعادة من خلال وسائل تليق بالكرامة الانسانيّة كإيمان عقلي مناسب لطبيعتنا البشريّة، بدل الخضوع لإرادة خارجيّة تحوّلنا إلى مجرّد عبيد تبعا لحكمتها المجهولة، وبعيدا عن أيّ تأليه أخلاقي يورّطنا في العروج بحثا في العالم الغيبيّ عن مراتب في الكمال الأخلاقيّ تميّزنا عن النّاس. كما أنّ دهشتنا إزاء غائيّة الطّبيعة لا تبرّر التّصوّرات اللاّهوتيّة لمعنى مّا تعجز عقولنا عن إدراكه في الطّبيعة، لأنّ الغاية الّتي نفترضها في الطّبيعة هي من إنتاج عقولنا في قدرتها على التّفكير في الطّبيعة كما هي مسخرة لنا. ففي سياق هذه الغائيّة الّتي تفترضها عقولنا يمكننا فهم العالم الغيبي، بما في ذلك من إله ووحي، وآخرة. “ما يرفضه كانط هو تقديم حلّ لاهوتي يفرض على الطّبيعة من خارجها، وليس له من سند سوى جرأة الإنسان وجسارته على أن يضع فوقها كائنا عاقلا آخر باعتباره صانعا لها. والحال أنّ أفضل ما يمكن لعقولنا أن تقوم به هو تمثّل علّية الطّبيعة” مع علّيتنا نحن في استعمالنا التّقني للعقل.”4 دون ادّعاء القدرة على تنزيل ما وراء الطّبيعة، أي العالم الغيبي على العالم المرئي، بما يتجاوز حدود قدرات الملكة الفكريّة النّقديّة لعقولنا البشريّة. ولذلك يستبعد كانط أي حديث بديل عن غائيّة الطّبيعة بفكرة الإله، إلاّ من زاوية الاستعمال النّقدي لطبيعة عقولنا البشريّة بشكل “يحرّر الرّجاء من اللاّهوت ويعيده إلى الأمل الأخلاقي في طبيعة الإنسان. وعندئذ لن نفهم من معنى الله إلّا ما يستطيعه العقل البشري.”5 ككائن أخلاقي يجعل من الله موضوعا للإيمان الحرّ، أي وفق ما نسعى إليه بكلّ حريّة لأنفسنا، عكس الأخلاق اللاّهوتيّة في قهرها للعقل والحدّ من حريّته. فقد صار ناضجا بما فيه الكفاية ليمارس حقّ الإيمان الحرّ دون أي توسّط خارجي دعوي أو عقدي إلّا ما تقرّره حريّة الفرد في استعمال طبيعته خيرا أو شرّا، بعيدا عن أي إكراه ديني أو سياسي. ” من أجل ذلك يقع الدّين خارج سلطة المؤسّسة السّياسيّة طالما هو يخاطب الفضيلة، وليس المواطنة. ” المواطن حرّ تماما في نمط الإيمان الّذي يرضاه لسيرته الخاصّة. أمّا القوانين العموميّة فهي قوانين مواطنة، ولا تحتمل أي قيمة أخلاقيّة. إنّها تؤلّف جماعة حقوقيّة وليس جماعة إيمانيّة. إنّ دين المؤسّسات قائم على “إيمان تاريخي” تحرسه الكنائس والمعابد، في حين أنّ دين الفضيلة قائم على “إيمان عقلي محض”، وهو لا يتعدّى الضّمائر.”6 وليس فقط هذا الفصل هو ما يزعج طه عبد الرحمن، بل يطالب بضرورة متعالية مفارقة خارج التّفكير العقليّ لتشريع احتواء الدّين لكلّ شيء، كدين تاريخي يعلن هيمنته، على العقل البشريّ في إيمانه العقليّ المحض. فباسم روح الدّين الفطريّ المحدّد بميثاق العهد بين الإنسان والإله في عالم الغيب، يتوهّم تنزيل العالم الغيبيّ على العالم المرئيّ ملغيا إرادة العقليّ البشريّ في التّفكير والتّشريع لنفسه خلقيا. والطّريف في الأمر أنّه لا يستطيع تصوّر ما يسمّيه نظريته في هذا الإقصاء للعقل إلّا من خلال أدوات وقدرات وملكات التّفكير العقلي في طرحها لأسئلة ما وراء الطّبيعة، وفي سعيها كحاجة داخليّة لوضع غاية مّا في الطّبيعة، شرع مّا، وحي مّا، إله مّا…” ليس لأحد أن يفرض عالم الدّين على عالم الواقع، بل فقط أن يساعد نفسه والآخرين على الانتماء إلى جماعة أخلاقيّة كونيّة تقبل فرضيّة وجود حاكم خلقي للعالم ليس بوصفه أمرا واقعا، أو منة لبعض على بعض، أو ملكيّة لاهوتيّة خاصّة لفرقة دون أخرى، بل باعتبارها فحسب مهمّة للإنجاز بالنّسبة إلى عقلنا العمليّ وحينئذ لا يتعلّق الأمر بأن نعرف ما هو الله في ذاته (طبيعته)، بقدر ما يتعلّق بأن نعرف ماذا هو بالنّسبة إلينا نحن باعتبارنا كائنات خلقيّة.”7

وفي هذا السّياق أقول ما قاله الإسبرطيان للرّجل الفارسي (لهذا – يا هندرمان – أمر لا تملك فيه إسداء النّصح إلينا لأنّك جرّبت النّعمة الّتي تعدنا بها ولكنّك لا تعلم شيئا عن نعمتنا لقد ذقت حظوة الملك وأمّا الحريّة فلست تعرف ما مذاقها ولا مدى عذوبتها ولو فعلت لنصحتنا بالدّفاع عنها لا بالرّمح والدّرع بل بالأسنان والأظافر)8. فالإيمان بالحريّة هو ما لا يستطيع أن يدركه ويعرفه من أصيب قلبه وعقله بعماء التّعبد للعبوديّة المختارة، وهو يسعى جاهدا وجهادا ومجاهدة إلى تنزيل الدّين على الواقع. في وقت لا تحتاج الأخلاق المكتفيّة بذاتها في أفقها الإنساني إلى الوصاية الدّينيّة، بل يصبح الدّين نابعا من الأخلاق من خلال غاية حرّة داخليّة تدفع بالإنسان نحو إعطاء معنى لسيرته في تدبير نفسه، من خلال التّمفصل المزدوج بين التّقديس والحريّة كحاجة خلقيّة في طبيعتنا، أي حريّة مسؤولة لها استعدادات متناقضة بين الخير والشّر. أي الدّين في حدود العقل البشريّ، دين كوني يفتح ذراعيه للجميع لكلّ الشّعوب. لذلك يُلزمنا هذا الأفق الإنساني بتغيير جذري فيما نستثمر فيه حريّتنا تثويرا لطرق تفكيرنا، كحركة داخليّة نابعة من الذّات، أي من العقل وليس من “روح الدّين” الّذي يضع الإنسان رهينة الغيب والعبوديّة والتّملق. وشتّان بين ماذا يريد الله أن نفعل، وماذا يجب علينا أن نفعل.” لهذا ينبغي أن نميّز بين إيمان دوغمائي يقدّم نفسه بوصفه علما جازما، متكبّرا، متغطرسا على غير العالمين، وبين إيمان متفكّر يخجل من الانزلاق في أي نوع من الأفكار المفارقة الّتي تتخطّى حدود عقولنا…كإدّعاء تجربة باطنيّة تقود النّاس إلى التّحمس المهووس والشّطحات، وكأنّها هي لبّ الإيمان، وهو منها براء…أو الجرأة على الانغماس في نزعة إشراقيّة تتظاهر بأنّ نور العقل البشريّ يمكن أن ينفذ إلى الأسرار ما فوق الطّبيعيّة.”9  ومثل هذه الأفكار المزعومة هي الّتي تروّجها “نظريّة” طه عبد الرّحمن في كلّ كتاباته خاصّة كتابه “روح الدّين”، الّذي يسعى من خلاله إلى محاربة الحريّة الأخلاقيّة النّابعة من الذّات، حتّى يسهل الزّج بالنّاس في سراديب العبوديّة  الموجّهة بخرافة تملق الله للفوز بالنّعيم الأخرويّ، حيث يبتزّهم في موتهم تحت ضغط عبء وطأة تنزيل العالم الغيبيّ على العقل البشريّ، لإعاقة استعدادهم الطبيعيّ كحريّة أخلاقيّة تعوّل على نفسها بشكل نقدي في الوعي والتّحرّر من إيمان الطّقوس والخرافة وشرط الكفارات، على أساس أنّ الدّين نوع من الإيمان العقليّ، لا يخضع لأيّة قوانين نظاميّة عكس الإيمان التّاريخيّ. بناء على هذا يبدو لنا كتاب “روح الدّين” لطه عبد الرّحمن، فكرا مشوّها بقصد إيديولوجي للكثير من أفكار كانط، بمعنى أنّ كتابه فضيحه فلسفيّة، فكلّ ما يدّعيه من تنظير في مسألة روح الدّين يبين بكلّ وضوح على أنّه قارئ مثالي لكانط، تلبس هذا الفيلسوف بشكل مشوّه ومسخ أفكار كانط الفلسفيّة في كلّ ما يتعلّق بطبيعتنا البشريّة وما تحمله من استعدادات وحاجات داخليّة على مستوى الحريّة والأخلاق في تحديدها للغائيّة في الطّبيعة، وفي تأكيده- كانط- على قدرة العقل البشريّ على عيش الإيمان العقليّ المتميّز عن إكراهات وتسلّط الإيمان التّاريخيّ “لروح الدّين الطّهائي”، كتشريع نظامي محدود لا يمكن أن يطال كلّ إنسان، كما هو شأن الإيمان العقليّ الكامن في الطّبيعة البشريّة. فإذا كان كانط يسعى للخروج من هيمنة الإيمان التّاريخيّ، فإنّ طه عبد الرّحمن يتوهّم العروج إلى الله ليتحصّل له التّشهيد والمشاهدة.” كلّ معتقد يستمدّ صلاحيته من سنة، أو وقائع، أو أحداث سرديّة بعينها، هو ينتهي إلى التّحول إلى قرية روحيّة لا ترقى إلى طموحات الجنس البشريّ في التّوافر على كرامة كونيّة أمام نفسه. ولذلك ليس من مستقبل لأيّ نوع من دين الوحي سوى النّجاح الكوني في ترجمة هذا الوحيّ إلى وحي عقلي محض في لبّ الطّبيعة البشريّة بما هي كذلك. ولذلك لا يحقّ لأيّ وحي أن يتعالى على الإمكانات الأصليّة في العقل البشريّ، بل عليه فقط أن يقبل التّرجمة الرمزيّة في لغتها بوصفها السّقف الأخلاقي لدلالتها بالنّسبة إلينا.” 10 لذلك من الصّعب الحديث عن الدّين أو بالأحرى عن الدّين الحقّ، لأنّها مجرّد استقطابات وجدانيّة للانشطار الوجوديّ التّعصبيّ العدوانيّ المشحون بالكراهيّة كمعتقدات محليّة ترى في نفسها الحقّ والحقيقة وما عداها مجرّد عبدة للطّاغوت، كما يردّد عشرات المرّات طه عبد الرّحمن في “روح الدّين”. وبالتّالي لا مجال لمناقشة حريّة المعتقد في ظلّ سيادة صناديق الاعتقاد العصبيّة المقنّعة بالدّين. والفهم الخلقي الّذي يقدّمه طه عبد الرّحمن كان من الممكن أن يكون إنسانيا للنّاس كافّة، لو ركّز على تحرير ما هو خلقي في العقل البشريّ، بعيدا عن سطوة جثّة الإيمان التّاريخيّ كوسواس قهري، لأنّه غير أخلاقي.  ولا يمكن  للإيمان أن يكون أخلاقيا بمعنى إنساني بعيدا عن تفاضل الأديان “لروح الدّين” الطّهائي، إلّا في ظلّ حريّة التّفكير للجميع، بما يسمح للفلاسفة وأيضا لعلماء الدّين  بالخروج من قوقعة الدّين الحقّ إلى الإنسانيّة بفضل الإيمان الحرّ، كما يقول كانط: “إنّ إيمان الشّعائر هو إيمان السّخرة والأجرة (إيمان المرتزقة، الذّليل)، ولا يمكن أن ينظر إليه بوصفه إيمانا مخلصا، لأنّه ليس خلقيا. وذلك أنّ الإيمان المخلص ينبغي أن يكون إيمانا حرّا، مؤسّسا على نوايا من القلب خالصة ( فهو إيمان الحرّ)”11.  ومتحرّرا من عبء طقوس وشعائر السّخرة الّذين يتحمّلون مشقّة الذّنوب والكفّارة. إنّه الإيمان الحرّ الّذي يعيش صيرورته في التّغيير والتّخلص من عبء قيود الأديان، من خلال سيرورة حسنة يتمثّل فيها استعمال العقل في حريّته وطبيعته البشريّة، كأفق للإنسانيّة. وهذا ما يؤكّد قدرة الإنسان على تدبير وجوده البشري بمعزل عن أيّ تشريع خارجي ينتهك حريّة الإنسان في تحديد مصيره ووضع قوانينه، حيث الله أعظم فكرة في قرارة وأفق أنفسنا. “وكلّ من يواصل التّعويل على معجم الدّين النّظاميّ الّذي يحوّل الدّين الى كهنوت والشّعب إلى رعيّة محتاجة إلى حماية من خطر الآخرة على الضّمير البشريّ، هو يؤجّل كلّ تنوير حقيقي من أجل الانتقال نحو عصور التّنوير.”12

قد يبدو أنّ الكتابين  “روح الدّين” لطه عبد الرّحمن و”الإيمان الحرّ” لفتحي المسكيني ينطلقان معا من موقف أخلاقي باطني خاصّ – ( إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم) -، في التّغيير والثّورة على ما بأنفسنا بعيدا عن مختلف أنواع العنف الخارجيّ (الثّورة أو المتمرّد…)، وتكاد نوع من المسحة الصوفيّة المتباينة الأسس والأهداف والآفاق تتلبّس خطابهما الفكري إلى درجة قد تغلط القارئ العادي المُؤَطر ذهنيا وفكريا بأفكار ما يسمّى “عصر النّهضة والإصلاح الدّيني الاجتماعيّ”، وما يسود إلى اليوم في الثّقافة العربيّة من أفكار “تنويريّة عقلانيّة تقدميّة” في استعمال العقل، واستثمار ما هو “عقلي” في الدّين13. إلّا أنّ القراءة النّقديّة تجعلنا نفهم الأسس الإيديولوجيّة الدّينيّة، الضيّقة المنطلقات الفكريّة والرّوحيّة والمعتقديّة وليس الدّينيّة، الّتي تؤطّر الفكر الأخلاقي الصّوفي المتعصّب لطه عبد الرّحمن، لأنّ الصّوفي بمعناه الرّوحي انفتاح على الإنسان عوض وصمه للمعتقدات/ الأديان الأخرى بالدّونيّة والقصور والنّقص في دينهم نوعا وطورا، تبعا لما يسمّيه التّفاضل بين الأديان. إلى جانب حجره على العقل باسم المعتقد الّذي لا يتّسع لمعنى الدّين. بالإضافة إلى أنّ سقفه محدود لا يتجاوز الانفعالات الحزينة في الوقوف الشّعري على أطلال الملّة لبكاء استعصاء قرية روحيّة لجماعة صوفيّة، أي ما يسمّيه “حيّزات اللاّدولة” تمارس على حدّ تعبيره الانزعاج والإزعاج في حقّ المجتمع والدّولة، كتخفيف للشّحنة الدّلاليّة القويّة لاستعمال كلمات الرّهبة والإرهاب.

أمّا بالنّسبة لفتحي المسكيني، فرغم مجهوده الكبير لتدقيق لغته ومفاهيمه يجد نفسه مورّطا أحيانا في لغة السّجل الثّقافيّ للقارئ العاديّ، كما أشرت إلى ذلك سابقا، إلاّ أنّه يؤسّس نقاشه على خلفيات فلسفيّة وفق الطّروحات الكانطيّة في “الانتصار” معرفيا للإيمان العقليّ، ولطبيعتنا الأخلاقيّة، أي لحريّتنا. حيث يرى “بأنّ رأي الفلسفة هو أنّ الوحي ليس جهازا لأحد، بل هو الإمكانيّة الإلهيّة القصوى الكامنة في عقولنا .. إنّ معركة التّنوير الحقيقي هي تلك الّتي تناضل من أجل مساعدة الإنسانيّة على الانتقال المتدرّج من “الإيمان النّظامي” إلى “الإيمان الحرّ” تحت هدي فكر “وحدة دين العقل المحض” بين بني البشر.” 14 هكذا يحاول فتحي المسكيني تجذير سؤاله الفلسفيّ دون تفاوض أو مساومة، ينجم عنها ترضيات وتنازلات أمام الفكر السّائد بكلّ وجوه الدّينيّة والسّياسيّة والفلسفيّة والاجتماعيّة…، فهو يعرف أنّها أسئلة مؤلمة لمن يضع نصب عينيه جدارة الولادة من جديد، وعيا وتحرّرا، حيث يتحرّر الإنسان من عبء ضرورة المعتقد للفوز بمحبة الله من خلال واجبات ترهق نفسيته وكاهله بمتطلبات التّعصب والكراهيّة وعبادة العبيد، وليس إيمان أحرار.

فإذا كان طه عبد الرّحمن قد استغلّ ورشة كانط بشكل مشوّه عرفاني تسلّطي، بفعل عدائه للحداثة والأنوار والعلمانيّة، للتّأسيس للتّملق والابتزاز الاعتقادي/ الدّيني، في محاولته تكريس عبادة العبيد في إطار قرية مذهبيّة لمعتقد جماعة صوفيّة تلبّست وجه الدّين. فإنّ فتحي المسكيني تألّم بعمق داخلي، وهو يتفاعل بشكل مترابط ومعقّد مع الفكر الفلسفيّ الكانطيّ، ومع الواقع والفكر العربيين للتّأسيس فلسفيا وأخلاقيا لأرضيّة الإيمان الحرّ، أي للانتقال من إيمان السّخرة إلى إيمان الأحرار بما يتوافق مع طبيعة حريّة العقل الإنسانيّ في تدبير وجوده البشريّ. ورغم حذره الشّديد فقد تماهى بصورة غير نقديّة مع بعض أفكار كانط، خاصّة في موقفه من دين محمّد وما يتميّز به من كبرياء وطقوس عبادة، وشجاعة، فكيف لمن وجّه نقدا شديدا للأديان في طقوسها وشعائرها، وفي سخرتها وواجباتها الدّينيّة…، أن ينتصر لطقوس عبادة المحمّديين ويعتبرها شجاعة بالقهر والدّم، كما لو أنّه يقدّم غطاء فلسفيا للتّوحش “الدّينيّ”؟

“لا ريب في أنّ الحريّة إذا ذهبت تذهب معها الشّجاعة” .15

يتبع

******

الهوامش:

1-فتحي المسكيني: الإيمان الحرّ، ص 90.

2- ص 103.

3- ص 105.

4- ص 118.

5- ص 120.

6- ص 126.

7- ص 125.

8- إتيان دو لا بويسي: العبوديّة المختارة، ترجمة: صالح الأشمر، دار السّاقي، ط1،س2016.

9- ص 134و135.

10- ص 138 و139.

11 ص 142.

12- ص 145.

13- ص145  “لا يخلو أي وحي من معان عقليّة صرفة. ولذلك ليس مطلوبا سوى الإنصات إلى ما هو عقلي في كلّ وحي وتخريجه بشكل مناسب لطبيعتنا الأخلاقيّة، أي لحريّتنا” (ولكن نتساءل ونفكّر هنا مع فتحي المسكيني في منطلقاته الفلسفيّة والمفاهيميّة ضدّ فتحي المسكيني:هل يمكن حقّا إسقاط المفهوم الحديث للعقل على المصطلح القديم العقل؟).

14- ص 142و147.

15- إتيان دو لا بويسي: العبوديّة المختارة، ص60.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This