العصاب القهريّ: تعريف (ج2)

 

ومن ملازمات الأفكار الوسواسيّة، السّلوك القهريّ الّذي هو استجابة للأفكار الوسواسيّة، ويتكوّن القهر من طقوس جامدة متحجّرة (كغسل اليدين – المراجعة المستمرّة) أو أفعال عقليّة (العدّ – تكرار بعض الكلمات بطريقة صامتة) الّتي يشعر الفرد أنّه مساق إلى القيام بها استجابة للوساوس. وتهدف الأفعال القهريّة إلى منع الضّيق والكرب، أو التّخفيف منها، رغم أنّ هذه الأفعال ليست متعلّقة – بطريقة واقعيّة – بما وضعت من أجل أن تمنعه، كما أنّها تكون مسرفة، ومبالغا فيها بشكل واضح. وقد يشعر المريض عادة، ببعض الرّفض، والمقاومة، ضدّ الفعل القهريّ الّذي يقوم به، لكنّ التّوتر والقلق يرتفعان عندها، إلى أن تصبح الدّفعة إلى التّكرار لا يمكن مقاومتها، فإذا مُنع المريض من القيام بطقوسه القهريّة، فإنّ القلق يظهر بوضوح.[1] إذ تحدّث المحلّل (كاميرون) عن سيّدة عانت من اندفاعات متكرّرة تحثّها على خنق زوجها في أثناء نومه، ولكنّها كانت تتحكّم بهذه الدّفعات، بالذّهاب إلى الحمام. كما ذكر (لوغلن) حالة رجل لديه انشغال وسواسي بالنّظافة، يصاحبة ميل قسري لغسل يديه، فكان يغسل مفاتيح الآلات الّتي يستخدمها، ويمسك ملابسه الدّاخليّة، بمناديل معقّمة، ويغسل ملابسه بالبخار في المغسلة، إذا ما لمسها شخص آخر.[2]

إن السّلوك المتناقض الّذي يلغي بعضه البعض بين إقدام وإحجام، يعبّر عن عمق الصّراع الوجدانيّ للوسواسيّ بين الحبّ والكراهيّة، وهذا يفسّر حالات الكفّ المقترن بالشّك والقهر عند الوسواسيّ. فالشّك يناظر الإدراك الدّاخلي، لعجز المريض عن التّقرير كلّما عقد النّيّة على فعل أمر من الأمور، من جرّاء كفّ الكراهيّة للحبّ. فالشّك، هو في الواقع شكّ في الحبّ، هذا الحبّ الّذي من المفترض به أن يكون من وجهة النّظر الذّاتيّة، الشّيء الأكثر يقينيّة، ثمّ ينسحب الشّك على كلّ شيء آخر. وهذا الشّك، هو الّذي يفضي في التّدابير الدّفاعيّة إلى عدم اليقين، وأفعال مكفوفة وغير مكتملة، أو يسبقها عدم قدرة على اتّخاذ قرارات. [3]

إنّ الصّراع بين مطالب الغريزة ومضادّها، يولّد الشّك الحصاري، في دوّامة لا يمكن أن تنتهي. هل بوسعي أن أكون خبيثاً، أم يتحتّم عليّ أن أكون طيّباً؟ وأحياناً ما يشتمل العرض، على طورين: الأوّل يمثّل الحفزة المستهجنة، والآخر يمثّل الدّفاع ضدّها، فمريض فرويد (رجل الجرذان) كان يستشعر أنّه مجبر على أن يبعد حجراً من الطّريق، إذ من المحتمل أن يؤذي شخصاً، ثمّ كان يستشعر بعد ذلك، أنّه كان مجبراً على أن يعيد الحجر إلى مكانه. وكثيراً من العصابيين القهريين، حماية لأعزّائهم من حفزاتهم العدوانيّة، يحرسونهم من أخطار وهميّة، على نحو من التّفاني، بحيث أنّهم يعذّبونهم في واقع الأمر، معبّرين بذلك عن عدائيتهم على الرّغم منهم.[4]

ونلاحظ أنّه تكاد لا تمرّ حالة وسواسيّة لدى شخص عصابي، إلاّ وقد سبقتها إرهاصات طفليّة لحالات سابقة، كان يعتقد فيها وهو طفل أنّ والديه يعرفان أفكاره كلّها بطريقة مّا، لا سيّما الأفكار الشّريرة أو غير المعقولة. ويتّبع ذلك هاجس استحواذي، يربط بين تلك الأفكار، وحادثة ستقع لمن يهتمّ لأمره (لا سيّما الأبوين) كأن يقول: لو راودتني رغبة في رؤية امرأة عاريّة، فمن المحتّم عندئذ أن يموت أبي. ويتولّد عئدئذ، حفزات إلى فعل شيء مّا، لتفادي الكارثة، حفزات شبيهة بالتّدابير الدّفاعيّة، الّتي ستلازم مرضى العصاب الوسواسي وتشلّ فاعليته.

هذا الاستنفاذ الّذهني يجعل من أصحاب العصاب الوسواسيّ دائمي الانشغال بصراعات لا تنتهي في ثنائيات تناقضيّة، بين العدوانيّة والإذعان، بين القسوة والشّفقة، بين القذارة والنّظافة، بين الفوضى والنّظام. وهذه الصّراعات، يمكن أن تترجم في المظهر الخارجيّ، وفي السّلوك الصّريح، بينما دائماً ما تلقى الأسئلة المنصبّة على الحياة الجنسيّة هذه الإجابة “بقدر ما يبدو لي، كلّ شيء يمضي في نظام”. فالوظائف الفيزيولوجيّة، تمضي بنظام، لأنّها معزولة عن مضمونها السّيكولوجي، وهذا ما يجعل سلوك المريض يبدو متناقضاً، فيكون المرضى هم في الوقت ذاته منظّمون، ومع ذلك يتّسمون بالفوضى، نظيفون، ومع ذلك قذرون، عطوفون، ومع ذلك قساة.[5] هذه التّكوينات الضّديّة، تصبح عميقة الانغراس في شخصيّة كلّ عصابي قهري، في حربه ضدّ عدوانيته اللّاشعوريّة، وبذلك يميل لأن يصبح شخصاً لطيفاً في علاقاته كلّها، وهذا يمكن أن يجلب له إشباعاً نرجسيا هائلاً، من شأنه أن يخلق صعوبة كبيرة أيضاً في العلاج النّفسيّ.[6]

ومن جهة أخرى، غالباً ما تكون الإزاحة، في العصاب القهريّ (على جزئيّة صغيرة). كردّ فعل للتّخفيف من حدّة الصّراعات الوجدانيّة المتناقضة في داخل المرضى. فكثيراً ما يتحتّم عليهم، أن ينشغلوا مهمومين بدرجة مسرفة بأشياء، هي بشكل ظاهر صغيرة وتافهة، وتتكشّف هذه الأشياء الصّغيرة في التّحليل – وهنا مكمن الإزاحة – كبدائل لأشياء مهمّة، أي أنّ الشّحنة الانفعاليّة المقلقة، تنزاح إلى جزئيّة صغيرة، محايدة عنها ظاهرياً، مطابقة لها في الواقع النّفسيّ للمريض. كمثال على ذلك: ” قهر التّفكير” حيث المريض مجبر على قضاء السّاعات الطّويلة، يجترّ أفكاراً مسرفة التّجريد، ويقوم هذا العرض، على محاولة لتجنب انفعالات مستهجنة، بالهروب من عالم الانفعالات، إلى عالم التّصورات والكلمات، ولكنّ هذا الهروب يفشل، فالمشكلات العقليّة الّتي يحاول المريض الهرب إليها من انفعالاته، تكتسب بسبب عودة المكبوت، أعلى قيمة انفعاليّة.[7] والمريض، إذ يخاف من انفعالاته، فإنّه يخاف الأشياء الّتي تثير الانفعالات، إنّه يهرب من العالم الكبير للأشياء، إلى العالم الصّغير للكلمات، وهو إذ يخاف العالم، يحاول تكرار العمليّة، الّتي تعلّم من خلالها وهو طفل، أن يسيطر على عالم الجنياّت المخيفة، من خلال الميل إلى استخدام كلمات مطلقة القدرة، كدفاع ضدّ الخطر، وذلك يوضّح ويؤكّد ما ذكرناه سابقاً، كيف أنّ الإجراءات الدّفاعيّة الثّانويّة ضدّ الأعراض القهريّة، غالباً ما تتّخذ صوراً قهريّة، لصيغ سحريّة من الكلمات، حيث للكلمات والأفكار تأثير كبير في ظنّ العصابيّ القهريّ، أكثر بكثير ممّا يعتقده النّاس العاديون.[8] إنّ الأصل في الأفكار الوسواسيّة، والأفعال القهريّة، هي محاولة التّحكم بالقلق، ليحتفظ الإنسان في عقله، ممتلئاً تماماً بأفكار أخرى، ويداه مشغولتان جدّاً بالنّشاطات القهريّة، حتّى لا يكون لدى الإنسان وقت كي يمعن النّظر في قلقه ومخاوفه.[9]

إنّ الأعراض الّتي تعتمد على آليّة دفاعيّة فائقة القوّة من العزل والإزاحة، تجعل الوسواسيون يتّصفون بعدم المرونة، أو التّصلب، ممّا يفسد علاقاتهم الاجتماعيّة، وهم يصرّون على فعل الأشياء بطريقتهم، بدلاً من التّسوية، أو الحلول الوسطى، وقد يميلون إلى البخل والشّح في النّواحي الماليّة، كما يعانون من صعوبة كبيرة عند اتّخاذ القرارات، فيؤجّلونها، أو يتجنّبوها، بسبب الخوف من اتّخاذ قرار خاطئ، كما يميلون إلى التّشدد والتّصلب في المسائل الأخلاقيّة، ويعود ذلك إلى عدم مرونة شخصياتهم، أكثر منه نتيجة اقتناع عميق، ويجدون صعوبة بالتّعبير عن مشاعرهم، وبالتّالي يصبح من الصّعب عليهم، أن يسترخوا ويستمتعوا بالنّشاطات السّارة، فهم حريصون بشكل مفرط وزائد، ومعرّضون للتّكرار، وبذل انتباه شاذّ يفوق العادة نحو التّفاصيل، وتكرار المراجعة لاحتمال حدوث أخطاء متناسين حقيقة أنّ النّاس الآخرين، يصبحون منزعجين جدّاً، وذلك للتّأخيرات، والعقبات المخترعة وغير المقبولة، النّاتجة عن سلوكهم.[10]

إنّ النّظام، كسمة عالية الوضوح، في الشّخصيّة الوسواسيّة، يمثّل الصّورة المتطوّرة للطّاعة. فحسن الهندام، وضبط المواعيد، وشدّة التّدقيق، والحشمة، كلّها تعني إزاحة لإطاعة مطالب البيئة المتّصلة بالتّبرز، وتصوّر بدائل عن مثل أعلى قاسي أصلي أو متخيّل، والمدقّق المثالي في المواعيد، هو الّذي يكشف في مناسبات كثيرة، بشكل عجيب، عن انعدام مراعاة الدّقة، وقد أورد المحلّل النّفسي الألماني كارل أبراهام عدداً من مثل هذه الحفزات، في صراع دائم مع قوى الدّفاع، مثل أشخاص شديدو التّدقيق في هندامهم في ملابسهم الخارجيّة، ويتركون حاجاتهم في فوضى شاملة.[11] هذا النّظام يستلزم صفة أخرى ملازمة للشّخصيّة الوسواسيّة هي العناد، وهاتين السّمتين – النّظام والعناد – هما مظهرين متقابلين للطّاقة ورفضها، الّتي تميّز حياة كلّ وسواسي. فالعناد يمكن أن يستخدمه في نضاله ضدّ الأنا الأعلى، فهم إذ يستثيرون الآخرين، متأدين بهم إلى الظّلم، إنّما يناضلون للحصول على شعور بالتّفوق المعنويّ، الّذي يلزمهم للرّفع من قيمة ذاتهم، كثقل مضادّ في مواجهة ضغط الأنا الأعلى، إنّ التّفوق المعنوي يمكن أن يعيشه هؤلاء الأشخاص، إمّا من خلال شعورهم أنّهم مظلومون، وإمّا عن طريق جعل الرّاشد الظّالم يتأسّف بعد ذلك، ممّا يستتبع انتزاع حبّه. إنّ الأشخاص العنيدون مفعمون بحاجات نرجسيّة، يتحتّم إشباعها، مناهضة لقلق، أو شعور بالإثم. فمريض وسواسي اعتاد أن ينام نهاراً ويظلّ مستيقظاً ليلاً لأنّه لا يستطيع تصوّر أن يفعل (ما هو مألوف)، ومع ذلك فقد كان هذا العناد، يشكّل ضرباً من التّبرير، لأعراض عصابيّة ناجمة عن حالة احتباس لليبيدو عند هذا المريض.[12] وقد يرافق العناد اهتمامات قلقيّة بالنّظافة، وبالتّقتير إلى حدّ البخل، وتغيّر التّسويات بين الميول إلى اللّذة، والميول إلى تحريم اللّذة.

ويرى التّحلّيل النّفسي، أنّ اضطراب الوسواس، يرجع إلى تثبيت ونكوص إلى المرحلة الشّرجيّة من الطّفولة، إذ تظهر أعراض تمثّل حيلا دفاعيّة، كالإبطال، والعزل الانفعاليّ، والتّكوين العكسيّ. فالإبطال يمكن تمييزه مباشرة لدى الفرد، الّذي يشعر أنّه مجبر على الانشغال بفكرة، أو عمل، وذلك حتّى يُبطل، أو يلغي حادثاً سلبياً، وهو ما تحدّثنا عنه سابقاً. أمّا العزل الانفعالي: فهو الحيلة الدفاعيّة، الّتي تُكبت فيها الأفكار والتّخيّلات الوجدانيّة في اللاّشعور، فيصبح من المتعذّر إخراج أفكار الوسواسي الحقيقيّة والتّعامل معها. في حين أنّ التّكوين العكسي: هو إطلاق سلوك مغاير لدفعة انفعاليّة لاشعوريّة، فالدّفعات العدوانيّة مثلاً: يتمّ قمعها وعكسها، فيبدو المريض كأنّه يراعي الآخرين، ومتعاون وخالي من الغضب. كذلك عندما يقوم الرّجل بمنع أفكاره الجنسيّة المكبوتة باستمراره بطقوس الاغتسال، أو تجنب المضمون الجنسيّ في محادثاته بشكل دقيق ومبالغ فيه.

وفي الواقع فإنّ أهمّ الأعراض الكثيرة الّتي يتظاهر بها العصاب الوسواسي، هي تلك الّتي تنجم عن ضغط الميول الجنسيّة السّاديّة العاتيّة، وبالتّالي المنحرفة عن هدفها، فتقوم هذه الأعراض، وفق بنية العصاب الوسواسيّ، بدور وسيلة دفاعيّة، لتحاشي هذه الرّغبات، أو تعبّر عن الصّراع بين إرادة الإشباع، وإرادة الدّفاع، لكنّ الإشباع نفسه، بدل أن يسلك أقصر طريق يتمكّن من الإفصاح عن نفسه في سلوك مرضى بطرق شديدة الالتواء.

سمات الشّخصيّة الوسواسيّة

تتشارك معظم الشّخصيات الوسواسيّة في سمات مختلفة، من الشّخصيّة الواهنة الوسواسيّة، والشّخصيّة ذات الطّبع الوسواسيّ. فالشّخصيّة الواهنة: تتميّز بالميل إلى الشّك، والاستبطان، ويكون أصحاب هذه الشّخصيّة، فاقدي الإرادة، متطلبين الكمال، يشكّلون مرتعاً خصباً لأزمات الضّمير الدّائمة، والشّعور بالذّنب، ومشاعر النّقص تجتاحهم.

أمّا الشّخصيّة القسريّة: فتتّصف بشكل رئيسي، بمجموعة من الإكراهات الصّارمة، والشّكوك الّتي تجتاح الشّخص، فضلاً عن الارتيابات الواهنة الّتي تنضاف إليها. ويلاحظ في الشّخصيّة الوسواسيّة، أنّ اجترارات وشكوكاً، وأنماط مختلفة من التّردد، ترغم الشّخص بشكل دائم، من التّحقق من كلّ شيء وكلّ فعل.[13]

من الشّائع لدى مرضى الوسواس القهريّ، أن يمرّوا بخبرة الإصابة بالقلق العامّ الشّديد، والمخاوف المرضيّة، ونوبات الهلع المتكرّرة، والتّجنب المعوق، والاكتئاب الأساسي، مع فارق تشخيصي يكمن أنّه في اضطرابات القلق، يكون الحادث الخطر عادة، موضوعاً، أو موقفاً خارجياً، أو ذكرى حدث معيّن، في حين أنّ الحدث الخطر في الوسواس القهر، يكون عبارة عن فكرة، أو صورة متخيّلة، أو دفعة إلى فعل أمر مّا.

ومن السّمات الأساسيّة للأعراض الوسواسيّة:

1- الشّك: الّذي يظهر من خلال الرّيبة الدّائمة والعنيدة، والتّردد بين الأمور، والعجز عن الحسم أو اتّخاذ القرار، وغالباً ما يصاحب ذلك: اجترار فكري قهري، ممّا يؤدّي إلى الأفعال التّكراريّة، الّتي تهدف إلى طرد الشّكوك غير المعقولة، إذ ينبغي على المريض أن يراجع، ويعيد المراجعة، في القيام بأفعال بسيطة، كإغلاق الباب في اللّيل، وما يرافق ذلك من ريب دائم ومضني، وإعادة المراجعة عدّة مرّات، للتّأكد من إغلاقه.

2- التّردد وعدم الحسم: يظهر على شكل شكوك، بالنّسبة لمرضى الخزن والتّخزين القهريّ، أو من لديهم طقوس أخرى، وصعوبة اتّخاذ القرارات، تؤدّي بالمريض إلى العجز، حتّى في الأمور التّافهة، كاختيار الملابس للخروج، أو من خلال أسئلة قهريّة بلا مقدّمات، كسؤال هل الإنسان مسيّر أم مخيّر؟.

3- الاجترار: أي استمرار مضمون عقلي معيّن، ليس له هدف تكيفي، والعجز عن تحويل انتباه الفرد عن سيطرة الأفكار المزعجة، مع الانشغال الوسواسيّ بهذه الأفكار أو الخطط، كسؤال شخص، هل لديّ نقص من النّاحية الوراثيّة؟ فيبقى يجترّ هذا السّؤال، بطريقة مضنية ودائمة، دون التّوصل إلى نتيجة معقولة أو مقبولة بالنّسبة إليه.

4- البطء: يترتّب هذا العرض عن الطّقوس، والاجترارات الفكريّة القسريّة، حيث البطء في حالات ترتبط بالعناية بالنّفس، كالاغتسال، والحلاقة، والاستحمام، واللّباس، إذ يستغرق المريض زمناً طويلاً للقيام بهذه النّشاطات، وكثيراً ما يظلّ زمناً في كلّ مرحلة، ويتحرّك بخطوات بطيئة صغيرة.

5- النّزعة إلى الكمال: يوجد لدى مجموعة من مرضى الوسواس القهريّ نزعة إلى الكمال، فيشعرون بالتّعاسة الشّديدة، ما لم يؤدَ شيء مّا بطريقة صحيحة وكاملة، لذلك يكرّرون الأشياء دون توقّف (مثل كتابة خطاب) ولا ينجحون كثيراً من الانتهاء من مهمّة مّا بشكل نهائي.[14]

كما يشيع لدى مرضى الوسواس القهريّ، (لا سيّما في الطفولة والمراهقة) حدوث اضطرابات نفسيّة أخرى، كاللّزمات، وصعوبات التّعلم، وهوس نتف الشّعر، تشوّه صورة الجسم، فقدان الشّهيّة العصبي.[15]

وقد أظهرت بعض الدّراسات ارتفاع نسبة حصول العصاب الوسواسيّ لدى الابن البكر، أو الوحيد، ويرجع ذلك إلى فترة التّعرض المكثّف لتأثير الرّاشدين، من دون وجود خبرات معدّلة من الأخوة، وتوقّع الإنجاز المرتفع من الطّفل الأوّل، لا سيّما الذّكر، وعدم الخبرة النّسبيّة لدى الوالدين، عند تعاملهما مع الطّفل الأوّل.[16]

أشكال العصاب الوسواسيّ

يتّسم اضطراب الوسواس القهريّ عيادياً بجانبين أساسيين هما: الوسواس، والقهر. ومن النّادر أن توجد الوساوس دون القهر، أو القهر دون الوساوس، وفي معظم الأحوال، فإنّ الفكرة الوسواسيّة تتسبّب في حدوث الفعل القهريّ. ويمكن تحديد خمسة أشكال للوساوس:

1- الشّكوك الوسواسيّة: وهي أفكار مستمرّة من أنّ العمل الّذي تمّ، لم ينجز بطريقة مناسبة، وتوجد عند 75% من المرضى، كمثال: أحد الطلاّب عمره 28 عاماً، في كلّ مرّة يترك غرفته يبدأ بالتّساؤل، هل أغلقت الباب، هل أنا متأكّد؟ على الرّغم من معرفته الواضحة أنّه قام بذلك.

2- التّفكير الوسواسي: أو جنون الشّك، تظهر من خلال أفكار تتعلّق بكلمات، أو أرقام، أو أشياء، أو مواضيع، أو شخص، أو وضع مّا (كإغلاق باب أو حنفيّة) بمفهوم أكثر أو أقلّ اتّصافاً بالميتافيزيقيّة. ويبدو ذلك أيضاً، على شكل سلاسل لانهائيّة من الأفكار، الّتي تركز عادة على حوادث المستقبل. ونجدها عند 34% من المرضى، كمثال: امرأة حامل، كانت تعذّب نفسها بأفكار مثل: إذا كان طفلي ولداً، فقد يطمح إلى حياة تتطلّب أن يذهب بعيداً عنّي، لكنّه قد يرغب بالعودة إليّ، فماذا أفعل عندها؟.

3- الدّفعات الوسواسيّة: وهي عبارة عن رهابات اندفاعيّة يكون فيها المريض ملاحقاً بالخوف الحصريّ من أن يكون مدفوعاً لارتكاب فعلٍ منافٍ، لا أخلاقي، عدواني. ورغم أنّ القيام بهذا الفعل نادر الحدوث، لكنّه قد يحصل في بعض الأحيان _ كالميل إلى التّعري أو هوس السّرقة – كذلك قد تظهر دفعات قويّة، لتنفيذ أفعال معيّنة، تتفاوت بين النّزوات التّافهة، والأفعال المميتة الهجوميّة، وتوجد عند 17% من المرضى. كمثال: محام عمره 42 عام كانت تستحوذ عليه فكرة يعلم أنّها حمقاء مفادها أن يشرب من المحبرة، كما كنت لديه أيضاً دفعة خطرة لشنق ابنه الوحيد الّذي يحبّه حبّاً جمّاً.

4- المخاوف الوسواسيّة: تظهر عند 26% من المرضى، حيث نجدهم يخشون فقد سيطرتهم على أنفسهم، أو أن يصدر عنهم ما هو مخجل. كمثال: مدرس عمره 32 عاماً، يخاف أن يشير في الصّف إلى علاقته الجنسيّة غير الكافية مع زوجته، رغم أنّه لم يكن يرغب بفعل ذلك. كما قد تتكوّن من مخاوف نوعيّة تلاحق عقل المريض، والأشكال الأكثر تواتراً هنا، هو الخوف من الأمراض، والجراثيم أو العدوى، ومن القذارة والأوساخ، فيكون المريض مدفوعاً للنّضال ضدّ تلك الأفكار بممارسة شعائر الغسل، والتّدقيق أكثر وأكثر (جنون اللّمس).

5- الصّور التّخيليّة الوسواسيّة: وهي صور متخيّلة، ومستمرّة لبعض الأحداث الّتي رُئيت، أو تمّ تخيّلها في الآونة الأخيرة، ونجدها في 7% من المرضى، كمثال: مريضة كانت ترى طفلها الرّضيع يتدفق ويسيل في ماء السّيفون كلّما دخلت الحمام.[17]

خاتمة:

بشكل عامّ فإنّ الكثير من الحالات الوسواسيّة قابلة للعلاج التّحلّيليّ. وتشير تقارير إلى أنّ بين 50- 60 % من مرضى الوسواس القهريّ تتحسّن أعراضهم تحسناً ملحوظاً، وبين 20 – 40 % يظلّون مرضى، أو تسوء حالتهم، ويطوّر ثلثهم إلى الاكتئاب. حيث هناك نسبة تتراوح بين 10 – 30 % من مرضى الاكتئاب يمكن أن يكون لديهم وساوس، وخلال فترة إصابتهم بالاكتئاب، فإنّ حدوث الوساوس، يتضاعف بمقدار ثلاث مرّات فوق المعدّل، قبل الاكتئاب وبعده، كذلك فإنّ بعض مرضى الوساوس القهريّة، عندما تتفاقم أعراض الوساوس لديهم، يصبحون مكتئبين، إذ أنّ حوالي 80 % من مرضى الوسواس، لديهم أعراض الاكتئاب.

******

المراجع:

[1] أحمد محمد عبد الخالق: الوسواس القهري “التّشخيص والعلاج “، مرجع سابق، ص 66.

[2] أحمد محمد عبد الخالق: الوسواس القهري ” التّشخيص والعلاج “، المرجع نفسه، ص 68.

[3] سيجموند فرويد –التّحليل النّفسي للعصاب الوسواسي (رجل الجرذان): مرجع سابق، ص 94.

[4] أو تو فينيخل: نظرية التّحليل النّفسي في العصاب ج2، مرجع سابق، ص 217.

[5] أو تو فينيخل: نظرية التّحليل النّفسي في العصاب ج2، المرجع نفسه، ص 220.

[6] أو تو فينيخل: نظرية التّحليل النّفسي في العصاب ج2، المرجع نفسه، ص 235.

[7] أو تو فينيخل: نظرية التّحليل النّفسي في العصاب ج2، المرجع نفسه، ص 239.

[8] أو تو فينيخل: نظرية التّحليل النّفسي في العصاب ج2، المرجع نفسه، ص 247.

[9] أحمد محمد عبد الخالق: الوسواس القهري “التّشخيص والعلاج”، مرجع سابق، ص 204.

[10] أحمد محمد عبد الخالق: الوسواس القهري “التّشخيص والعلاج”، المرجع نفسه، ص 258.

[11] أو تو فينيخل: نظرية التّحليل النّفسي في العصاب ج2، مرجع سابق، ص 228.

[12] أو تو فينيخل: نظرية التّحليل النّفسي في العصاب ج2، المرجع نفسه، ص 226.

[13] د مطيع رئيف سليمان: الأمراض النّفسية المعاصرة، مرجع سابق، ص 288.

[14] أحمد محمد عبد الخالق: الوسواس القهري “التّشخيص والعلاج “، مرجع سابق، ص 101 وما بعدها.

[15] أحمد محمد عبد الخالق: الوسواس القهري ” التّشخيص والعلاج “، المرجع نفسه، ص 169.

[16] أحمد محمد عبد الخالق: الوسواس القهري ” التّشخيص والعلاج “، المرجع نفسه، ص 174.

[17] أحمد محمد عبد الخالق: الوسواس القهري ” التّشخيص والعلاج “، المرجع نفسه، ص 39 – 40.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This