صلاح ستيتية والأثر الباقي / ليندا نصار

عوّدنا الشاعر صلاح ستيتية على الإقامة في المسافة الفاصلة بين الحياة بكلّ تفاصيلها والموت بكلّ أبعاده. وهو، ككلّ شاعر، لم يُخفِ قلقًا سكنه، وخوفًا كان يراوده أحيانًا، وككل إنسان، أيضًا، لم تغِبْ عنه صور الماضي من حياته، لكنّه تابع مسيرته متطلّعًا إلى الأمام، إلى عالم مليء بالشعر والحياة. إنّه الوفيّ لذكريات الطفولة والشباب التي حملها في معظم كتاباته. هذه الذاكرة، التي بالرغم من سفر الشاعر وغيابه عن بلده، إلا أنّها ظلّت تحتفظ بالحنين إلى لبنان، وطن القلب، حتى آخر أيام حياته، حيث قضى لحظاته الأخيرة في دار للمسنين.
ذلك اليوم، في التاسع عشر من أيار/ مايو، لم يكن كباقي الأيام، فقد حمل في لحظاته حزنًا كبيرًا ومشتركًا أصاب بيروت وباريس في آن، وهي لحظة غياب الشاعر والمثقف العالميّ صلاح ستيتية. وكم كنّا نتمنّى، نحن الجيلَ الجديد، لقاء قامة ورمز من رموز الثقافة العربية الغربية، إلّا أنّ القدر أرادنا أن نتأخّر عن ذاك اللقاء، فغابت الفرصة عنّا، غدره الموت وغدرتنا المواعيد.
“السلم، ألتمسه من الذين يقدرون على منحه/ كما لو كان ملكًا لهم وتابعًا/ وما هو بحمامة أو ترغلة تفتننا/ بل شيء بسيط لأسوياء القلوب/ كلمات مشتركة يتقاسمها البشر/ كقول الجوع، العطش، الخبز، الشعر/ المطر في نظرة المتحابين والشمس”.
يكتب صلاح ستيتية هذه الكلمات باللغة الفرنسية، وقد ترجمت إلى اللغة العربية، معبّرًا عن الحب الحقيقي والقلوب النقيّة الصادقة، وهو الذي عاش في عالم من التساؤلات باحثًا عن
“ليس غريبًا علينا أن نقرأ في ثنايا قصائد معظم الشعراء صراعهم الطويل مع الزمن، وصولًا إلى الصراع مع فكرة الموت في حدّ ذاتها”المشترك بين البشر، وإذا به يؤكّد على أنّ الشعر، بالإضافة إلى أنّه عمليّة خلق وإبداع، هو ضرورة وجوديّة كما يقول أدونيس، وقد أصبح أيضًا حاجة للبشر، كما الخبز والمحبّة.
كتب ستيتية للإنسان وللحياة، واتّخذ صورة نبيّ في حديثه المسبق عن الموت. وليس غريبًا علينا أن نقرأ في ثنايا قصائد معظم الشعراء صراعهم الطويل مع الزمن، وصولًا إلى الصراع مع فكرة الموت في حدّ ذاتها.
الشاعر والناقد الفني والدبلوماسي، صلاح ستيتية، هو من القامات العظيمة التي تركت بصمة كبيرة في عالم الأدب، وخصوصًا في عالم الشعر المعاصر.
وفي لمحة سريعة عن أبرز محطات حياته، ولد صلاح ستيتية في بيروت عام 1929، في مرحلة الانتداب الفرنسي على لبنان. والده شاعر كتب الشعر العربي، أمّا هو فقد كتب الشعر باللغة الفرنسية.
واستطاع الشاعر اللبناني الفرنسي أن يعيش لحظة الكتابة وسط انشغاله وشغفه بالشعر وقضاياه، تاركًا آثارًا تشكّل ثراء للمكتبتين العربية والفرنسية، بل لمكتبات العالم أجمع.
التحق ستيتية بمدارس بيروت الأجنبية، ثمّ بجامعة السوربون في فرنسا، وهناك التقى بالشعراء الفرنسيين الكبار الذين بحثوا عميقًا في القصيدة، وطبعوا آثارهم فيها.
في مسيرته، كان ستيتية سفيرًا للبنان في دول عدَّة، ومندوبًا في منظمة الأمم المتحدة، وقد ترك الشاعر ما يقارب مئة وخمسين من الكتابات والمخطوطات واللوحات.
نال ستيتية جوائز تقديرية عدّة، بما فيها الجائزة الكبرى للفرانكوفونية من الأكاديمية الفرنسية عام 1995. وفي عام 2017، سمّيت إحدى قاعات متحف الشاعر، بول فاليري، على اسمه، تقديرًا له.
من مؤلفاته نذكر: الماء البارد المحفوظ – شذرات- انعكاس الشجرة والصمت – الكائن الدمية  – ليل المعنى- القنديل المعتم – حملة النار- حمّى الأيقونة وشقاؤها- قراءة امرأة، وغيرها من الدواوين، بالإضافة إلى مجموعة مذكّرات خاصّة به، وقد قام بترجمة أعمال جبران، وأدونيس، وبدر شاكر السياب، إلى اللغة الفرنسية.
في رحيله كتبت الشاعرة د. ربى سابا حبيب:
“نفسي حزينة حتى الموت
رحل صلاح ستيتية
مات صديقي
رحل شاعر لبنان الأكبر باللغة الفرنسية
رحل شاعر العسل وباقات الضوء
إنه أبي في حقول اللغة
وأخي في محبة اللغة الفرنسية والكتابة في معانيها
وصديقي الغالي في إضاءة ليل المعنى
شاعر وسفير لبنان كم ناديتك أحلى الشعراء
كم كنت تؤمن بي حين قلت أمام الملأ لا تتركوا امرأة تجاهد مثل ربى
نفسي حزينة حتى الموت.. سأغنيك في رحيلك كما فعلت في حياتك أمام الفرنسيين كي أزهو وأتجذر….”.

ومن التغريدات اللافتة للمديرة العامة لليونسكو، أودري أزولاي، عبر تويتر “نفقد صديقًا عزيزًا عمل من أجل السلام والحوار بين الثقافات انطلاقًا من ثقافته العربية”.
وقال جاك لانغ، مدير المعهد العربي في باريس عن الشاعر ستيتية، إنه “شغوف بالعالم ورسول سلام وشعر وثقافة فعلي وسفير الكلمة الذي كان يفتح آفاقًا فنية ودبلوماسية جديدة”.
أمّا رئيس الجمهورية اللبنانية، ميشال عون، فقد نعى الشاعر، ومنحه وسام الاستحقاق الوطني

المذهب تقديرًا لعطاءاته.
كذلك كانت هناك كلمة للشاعر شربل داغر، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بعنوان “في افتقاد صلاح ستيتية..”:
“غياب صلاح ستيتية… منتظر، بكل أسف، منذ سنوات، في معتكفه الباريسي الحزين. لم أنجح حتى في التحادث معه، وفي بلوغ صوتي إليه، قبل سنتين. ميتة مؤسفة لشاعر كريم النفس، ومتوقد. خصوصًا وأنه شاعر زمن مضى، حاملٍ لتطلعات عليا للقصيدة، في سوية شعراء الفرنسية الكبار بين نهايات التاسع عشر، ومطالع القرن العشرين. الثقافة اللبنانية بالفرنسية افتقدته، بعد شارل القرم، وجورج شحادة، ونادية تويني، وغيرهم، فيما لا زالت تتعزز بأسماء غيره بعده.
أنا حزين لفقدانه، ولا تكفيني ذكرياتي العديدة معه، في مكتبه في اليونسكو، وفي مقاهٍ، وفي رحلات مشتركة…
لا تكفيني ذكريات الكتابة عنه، ولا مقالته عن شعري المترجم إلى الفرنسية في مجلة “أوروبا”، ولا الطعم اللذيذ لصحن “الكبة” الطيبة في بيته…
لا تكفيني، لا هي، ولا كتاباته المتوهجة والعميقة (لا سيما في جمالية الفن الإسلامي)، فهو ممن يرافقون العمر في امتداده، وعذوبته، وحزنه.
محبتك ترافقني، ومحبتي تتفقدك في حزنها”.
يبقى من الحقّ أن نقول: ليس هناك ما يعوّض رحيل الشاعر الكبير صلاح ستيتية الذي على الرغم من ابتعاده عن وطنه، وتأسيسه حياة في باريس، إلّا أنّه ظلّ صلة الوصل بين الثقافتين والحضارتين اللبنانيّة والفرنسيّة.. ومهما قلنا ومهما كتبنا يبقى الكلام قليلًا في حقّه.

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This