العلم في خدمة المجتمع من خلال قراءة في كتاب: نحن والعلم، لعلي مصطفى مشرفة

 

يعالج كتاب العالم المصريّ المرحوم علي مصطفى مشرفة[1] موضوع “نحن والعلم” الّذي تمّ إعادة طبعه وإصداره من طرف مؤسسة الهنداوي للتّعليم والثّقافة، 2014، القاهرة، جمهوريّة مصر العربيّة،  في حدود 53 صفحة موزّعة على مقدمة الكتاب وخمسة فصول صغيرة الحجم وهي:

المقدّمة: (في حدود 5 صفحات)

الفصل الأوّل: التّأليف العلمي والثّقافة العلميّة وما يجب نحوها (في حدود 5 صفحات)

الفصل الثّاني: توجيه الرّأي العام توجيهاً علمياً ( في حدود 4 صفحات)

الفصل الثّالث: العلم في خدمة المجتمع (في حدود 10 صفحات)

الفصل الرّابع: البحث العلمي وتنظيمه (في حدود 10 صفحات)

الفصل الخامس: كيف يوجّه العلم والعلماء لتحقيق تعاون عالمي (في حدود 10 صفحات)

يستهلّ علي مصطفى مشرفة كتابه هذا بتحديد دلالة العلم الّذي يعتبره من وجهة نظره “في الأصل مصدر علم، وعلم الشّيء أي عرفه.. وبهذا يكون علماً كلّ ما دخل في علم البشر”[2]، فدائرة الاصطلاح في عصرنا ضيّقت من هذا المعنى الواسع للعلم الّذي أصبح معها مجموعة من الدّراسات لها غرض ثابت ومنهاج واضح ودائرة محدّدة[3]، فما غرض العلم وما منهاجه؟ وما دائرته وفق هذه الدّلالة الاصطلاحيّة؟

حسب المؤلّف يتحدّد غرض هذا العلم، ووفق هذه الدّلالة الاصطلاحيّة السّائدة في الوصول إلى المعرفة، أمّا المنهاج فإنّ العلم يستخدم في بحثه نتائج الخبرة المباشرة عن طريق الحواس كما يستخدم التّفكير المنطقي المنظم[4]، أمّا الدّائرة فالمقصود بها في هذا السّياق، وحسب هذه الدّلالة هي: “دائرة العلم فهذه هي الطّبيعة أو هي كلّ ما يمكن أن يشاهد بطريقة مباشرة أو غير مباشرة”[5]، وهذه المحدّدات الثّلاثة اّلتي تختصّ العلم وهي الّتي كثيرا ما تغييب عن بال من يتعرّضون للكلام عن العلم والعلماء في عصرنا.

تتعدّد العلوم بتعدّد موضوعاتها حسب العالم علي مصطفى مشرفة، فعلم الفلك مثلا فهو ذلك الّذي يتحدّد موضوعه في دراسة الأجرام السّماويّة وحركاتها في الفضاء وصفاتها الطّبيعة، أمّا علم الكيمياء فموضوعه المركّبات والعناصر وطرائق تألّفها وتفرّقها، وأيضا علم النّبات الّذي يعدّ موضوعه “النّبات”، وعلم الحيوان الّذي موضوعه علم الحيوان[6]. وهذه العلوم الّتي تحدّث عنها علي مصطفى مشرفة هي العلوم البحتة والّتي يميّزها عن العلوم التّطبيقيّة والتّكنولوجيّة، حيث تكمن هذه العلاقة بين هذين العلمين كعلاقة “العلم بالعمل” بمعنى أنّ العلوم التّطبيقيّة هي العلوم الّتي تطبق فيها العلوم البحتة وهي ليست علوماً بالمعنى الصّحيح وإنّما هي صناعات أو فنون، أو هي كما يسمّيها الإفرنج تكنولوجيا[7].

إنّ الإنسان مند القدم كان له طموح بلوغ الحقيقة والّتي لم يجد لها سبيلاً إلّا عن طريق العلم في بوادره الأولى، وإذا ما رجعنا إلى العصر الأمويّ فإنّنا سنجد أن العلماء كانت لديهم مكانة مرموقة ومتميّزة في المجتمع وهذا هو انعكس إيجابا عن تطوّر الدّولة الأمويّة، و نفس الأمر سيحضر في عصر الإفرنج حيث سيولون أهميّة كبيرة للعلم والعلماء لكونهم كانوا يدركون إدراكاً مطلقاً أنّ نهضة المجتمع في جزء كبير منها تقوم على مكانة العلم والعلماء داخل هذا المجتمع نفسه، لهذا نجد علي مصطفى مشرفة، يقول:”وإنّنا إذا فكّرنا مليّا واستعرضنا الأمم المتحضّرة على تفاوت حظوظها من الحضارة، وتباين أقساطها من التّقدم الإنسانيّ؛ ألفينا أعظمها نصيبا من المدنيّة أكثرها اهتماما بالعلوم، وأدناها حظّا من التّقدم والسّؤدد البشريّ أقلّها اكتراثا بالعلم والعلماء، وذلك بأنّ الحياة الحديثة والحضارة الحديثة والتّقدم الحديث هي جميعا وليدة العلم لا تحيا إلاّ به ولا تقوم إلاّ عليه؛ فلا غرابة إذن في أن تكون العناية به معياراً لها ودليلا عليها”[8]، وفي هذا السّياق، نجد العالم علي مصطفى مشرفة، يتساءل بناء على ما سبق، في العلاقة مع بلده الأمّ مصر، أين مكاننا بين هذه الأمم؟ وما مبلغ ما وصلنا إليه من العناية بأمر العلم؟ وإلى أيّ حدّ يمكن أن نزعم أنّ حياتنا الحديثة مدعمة على أسس علميّة صحيحة؟..ألخ

لا شكّ أنّ الجواب عن هذه الأسئلة حسب العالم علي مصطفى مشرفة لا يمكن أن ينفصل إطلاقا عن اهتمام بلده الأمّ وكلّ الأمم الأخرى المتخلّفة بالعلم والعلماء، وفي هذا الصّدد نجده يقول: “أنّنا إذا أردنا أن يكون لنا مكان معلوم بين أمم الأرض المتحضّرة وأن تتبوّأ  البيئة اللاّئقة بما بين الممالك والشّعوب، وجب علينا أن نضاعف اهتمامنا بالعلوم الحديثة وأن نجعل منها أسسا ثابتة نبني عليها صرح حياتنا القوميّة”[9]، لأنّ العلم حسب العالم علي مصطفى مشرفة هو الأساس الّذي ينبني عليه تقدّم فنّي وصناعي منذ القرون الوسطى، وإهمال شأنه إنّما يعوق سير مصر في سبيلها نحو النّور والقوّة ونحو الرّفاهيّة والمجد والتّطور[10].

أوّلا: التّأليف العلمي والثّقافة العلميّة  وما يجب نحوها  

يقصد العالم علي مصطفى مشرفة  بالتّأليف العلمي “تدوين العلوم باللّغة العربيّة بحيث تصبح لغتنا غنيّة بمؤلّفاتها في مختلف العلوم”[11]، فهذا الأمر من وجهة نظرنا نحن في غاية الأهميّة، لأنّ إشاعة ثقافة العلم في مجتمع غير متحضّر لا يمكن أن تقوم لها قائمة من دون تدوين جميع فروع العلم باللّغة العربيّة حتّى تصبح متاحة للجميع، فتصبح معه للعلم قيمة اجتماعيّة، إنّنا حسب علي مصطفى مشرفة اليوم في أمسّ الحاجة إلى كتب عربيّة في كلّ فرع من فروع العلم والمعرفة، يقول علي مصطفى مشرفة “ففي حين نجد كلّ لغة  من اللّغات الحيّة غنيّة بكتبها ومؤلّفاتها العلميّة تنفرد اللّغة العربيّة بفقرها المدقع في المؤلّفات العلميّة، ولا أظنّني أعدو إذ قلت الحقيقة أنّه لا يكاد يوجد كتاب واحد في أي فرع من فروع العلم يمكن اعتباره مرجعا ً أو حجّة، والكتب الّتي تظهر يكون مستواها عادة منخفضا لا يزيد على مستوى التّعليم الثّانويّ أو المرحلة الأولى من التّعليم العالي”[12]، إنّ شرط تحضّر مصر والأمم العربيّة غير المتحضّرة رهين حسب العالم علي مصطفى مشرفة ينقل العلوم إلى لغتنا العربيّة؛ فإذا لم ننقلها أو ندوّنها بقينا عالة على غيرنا من الأمم وبقيت معه دائرة العلم محصورة في مصر ومحدودة بفروعها وإنتاجها، إنّ العرب في القديم  أدركوا إدراكاً تاماً أهميّة النّقل والتّدوين، “إذ تنبهوا إلى ضرورة نقل علوم الإغريق إلى اللّغة العربيّة، فقام الخلفاء والأمراء بتشجيع العلماء على الانقطاع إلى النّقل والتّأليف”[13]، حيث كانت هناك مكتبة كبرى في أيّام الخليفة المأمون التّي كانت تعرف بخزانة الحكمة وأنّ كثيرا من علماء ذلك العصر يأتون إليها من كلّ فج عميق، وقد كان من نتيجة هذا التّطور في النّقل والتّدوين أن صارت اللّغة العربيّة لغة العلم والتّأليف، وبقيت محتفظة بسيادتها العلميّة على لغات الأرض جميعا عدّة قرون”[14].

فإذا أرادت الأمّة العربيّة عامّة ومصر خاصّة حسب العالم علي مصطفى مشرفة أن تعيد إلى لغتنا مجدها العلمي، فعليها لا محالة أن تشجع على التّأليف والتّدوين والنّقل وأن تصرف الأموال من أجل إنجاحه، وأن تعهد للقادرين من العلماء في كلّ فرع من فروع العلم بنقل الكتب ونشرها، ولا بدّ من تضافر العلماء وتعاونهم في هذا السّبيل فكلّ كتاب ينقل أو يؤلّف يجب أن تقوم عليه لجنة تجمع خيرة من تخصّصوا في موضوع الكتاب، كما يجب أن تعنى بتمجيد السّلف من علمائنا وباحثينا، فيكون لنا في ذلك حافز للاقتداء بهم وتتبّع خطاهم، وقد بذلت بعض الجهود في هذا السّبيل في السّنين الأخيرة، فأقيم حفل لتخليد ذكرى ابن الهيثم ونشر كتاب الخوارزمي في الجبر والمقابلة، وعلينا في السّنين الآتية أن نزيد في هذه الحركة وأن ننظّمها[15]..إلخ.

ثانيا: توجيه الرّأي توجيهاً علمياً

إنّ البلدان المتقدّمة حسب العالم علي مصطفى مشرفة هي البلدان الّتي “يوجّه فيها الرّأي العامّ توجيهاً علمياً بطرائق مختلفة”[16] فما مقصود هذا الكلام؟

إنّ ما أراد أن يقصده العالم علي مصطفى مشرفة من هذا الكلام هو إذا أردنا أن نوجّه الرّأي العامّ توجيهاً علمياً بطرائق مختلفة فيجب أن “توجد صحافة علميّة فنيّة موضوعها هو العلم ذاته، وتوجد أيضا إلى جانبها الصّحافة العلميّة الّتي تتّصل بالشّؤون العامّة للمجتمع”[17]،  ففي البلدان المتقدّمة والمتحضّرة تلعب الصّحافة أيضا دورها الحقيقي في توجيه الرّأي توجيهاً علمياً، حيث نجد الصّحافة اليوميّة والأسبوعيّة العاديّة منها تعنى عناية كبيرة بشؤون العلم “فتخصّص كلّ جريدة وكلّ مجلّة قسطا من صفحاتها قوّة لا يستهان بها في توجيه الرّأي العام”[18]، كما يوجّه الرّأي العامّ توجيهاً علمياً في البلدان المتقدّمة أيضا عن طريق الإذاعة اللاّسلكيّة؛ “إذ شمل برامج الإذاعة في كلّ يوم أحاديث تقرب العلم إلى الجمهور وتعوده على معالجة شؤونه اليوميّة بالرّوح العلميّة”[19]، وتوجد أيضا في البلدان المتحضّرة والمتقدّمة حرص بالغ أيضا على الاجتماعات والمؤتمرات تعقد من آن لآخر لغرض المذاكرة والمحادثة والمناظرة فيما يهتمّ له النّاس من أمور العلم، “فإذا انعقدت هذه الاجتماعات كان لانعقادها دوي في المحافل والمجتمعات، وخرجت الصّحف والجرائد بأخبارها، وتحدّث المذيعون بالرّاديو فشرحوا للجمهور  أغراضها ونتائجها”[20]،  هذا بالإضافة إلى ظهور مجموعة من الجمعيات العلميّة الّتي ترعى العلم وفروعه كالجمعيّة البريطانيّة لتقدم العلوم، والجمعيّة الأمريكيّة لتقدم العلوم، فهذان الجمعيتان على سبيل المثال لا الحصر، تجتمع كلّ سنة لتقديم العلوم في بلد من هذين البلدين حيث يلقي العلماء أبحاثهم وآرائهم، فتهتمّ الصحافة بها ويتحرّك الرّأي العام وتهتزّ أمواج الأثير بأخبار الاجتماع..

إنّ الخلاصة الّتي يريد العالم علي مصطفى مشرفة من هذا الفصل هو أن يؤكّد أنّه إذا كنّا نريد لمجتمعنا قوّة وتقدّما، فإنّ أوّل واجب علينا هو توجيه الرّأي العامّ توجيهاً صحيحاً، إذ اهتمام الرّأي العامّ بالعلم وفهمه له فهماً صحيحاً ورغبته الصّادقة في تطبيق الطّرق العلميّة، كلّ هذه الأمور ضروريّة إذا شئنا لمجتمعنا قوّةً وتقدماً حقيقيين، فإذا غاب التّوجيه الحقيقي العلمي للرّأي العامّ فإنّه يحضر مكانه المظاهر الكاذبة الّتي هي أبعد ما تكون عن الذّوق السّليم؛ معنياً بالتّرهات والأباطيل بعيداً عن الاتّصال بحقائق الحياة.. إنّ غياب الفكر العلميّ داخل المجتمع يحضر محلّه سيادة الفكر الرّجعيّ والخرافيّ الّذي يصبح معه كلّ تقدّم علمي شيئا غريبا ومحظورا اجتماعيا، إنّ المجتمع الّذي لا يقدّر العلم والعلماء هو المجتمع الّذي ينتصر عادة للخرافة والأباطيل وكلّ المظاهر الكاذبة، ومن هنا “فعلى الصّحافة وعلى رجال القلم والعلم، عليهم جميعاً إزاء ذلك واجب مقدّس، بل إنّ عليهم مسؤوليّة كبرى أمام الضّمير البشريّ وأمام المجتمع”[21].

ثالثّا: العلم في خدمة المجتمع

في هذا الفصل يجيب العالم علي مصطفى مشرفة على سؤالين رئيسين وهما: ما الّذي يطلبه من المجتمع؟ وما الّذي يطلبه المجتمع من العلم؟ جواباً عن السّؤال الأوّل، نجد العالم علي مصطفى مشرفة يقول بأنّ ما يطلبه العلم من المجتمع في الحقيقة هو “المعرفة وأنّ رجال العلم إنّما هم طلاّب حقيقة”[22]، ممّا يترتّب عنه بزوغ ذلك الموقف التّقليدي للعلم إزاء المجتمع الّذي يقول بأنّ “العلم ينحصر في صوامعه، وأنّ العلماء يبنون لأنفسهم بروجاً عاجيّة ينصرفون وراءها إلى عملهم وينكبّون على أبحاثهم لا يطلبون من المجتمع إلاّ أن يتركهم وشأنهم”[23] هذا هو الموقف التّقليدي للعلم إزاء المجتمع،  وهو في الحقيقة من وجهة نظرنا موقف “انعزالي توحّدي” وهو موقف الجامعات والهيئات العلميّة في القرون الوسطى وما بعدها أواخر القرن التّاسع عشر، فالعلماء وفق هذا التّصور، منعزلون في بروجهم العاجيّة معتمدون على المساعدات الماليّة الّتي يقدّمها لهم أولو الفضل من الملوك والأمراء والمحسنين الّذين كان يدفعهم حبّهم للعلم وشغفهم إلى وقف أموالهم على العلم والعلماء[24]، في الحقيقة هذا التّصور كان منتشراً بشكل كبير في الماضي، أمّا اليوم فقد تغيّر تغيّراً تامّاً “فالدّولة الحديثة قد صارت تعتمد على العلم في كلّ مرافقها، بل إنّها لتعتمد عليه في الدّفاع عن كيانها ووجودها، ولم يعد يكفي أن يبقى العلم معزولاً عن المجتمع كما أنّه لم يعد من المعقول أن تدبّر الجامعات والهيئات العلميّة أموالها من الهبات والصّدقات”[25]، بمعنى أنّ المجتمع الحديث اليوم قد صار لزاماً عليه أن يحمي العلم وينفق عليه، إذ الجامعات يجب أن يرصد لها في ميزانيّة الدّولة ما يسمح لها بالنّهوض بمهمّتها والمضيّ إلى تحقيق رسالتها العلميّة النّبيلة، وبالإضافة إلى هذه المعونة الماديّة، فقد أضحت في الجامعات والمعاهد العلميّة شيء أهمّ وهو “استقلاليّة الفكر”[26]، حيث لم “يعد العلم يخضع لأي اعتبار من الاعتبارات مهما عظم خطره إلاّ اعتبارا واحدا وهو طلب الحقيقة”[27]، فلقد أصبحت الجامعات والمعاهد العلميّة حرّة مستقلّة لا تخضع لسلطان السّياسة ولا لسلطان الجاه ولا لسلطان المال، فهي أصبحت تحقّق أغراضها بنفسها دون أيّ تدخّل خارجي، رهانها الأساسي طلب الحقيقة لذاتها.

ووفق هذا التّصور الحديث للعلم، تصبح الإجابة عن سؤال ما الّذي يطلبه العلم من المجتمع؟ ليس هو المعرفة كما كان في التّصور التّقليديّ وإنّما “هي أن يطلب أن توفّر له وسائل البحث وأن يترك حرّاً مستقلاًّ في عمله”[28]، لأنّ كلّ تقدّم في العلم أساسه استقلال الفكر وابتعاد الباحث عن كلّ مؤثّر سياسي خارجي وحَصره الجهد فقط في طلب الحقيقة، “لأنّ الاستقلال جزء من طبيعة العلم يقتضيه ناموس تطوّره، به يحيا وبغيره يضمحل ويموت”[29]. فمؤكّدا أنّه في مصر وفي الفترة الّتي جاء فيها العالم مصطفى علي مشرفة لا تزال مصر بعيدة عن تقدير العلم تقديراً صحيحاً وإحلاله المكان الّذي يحلّه في الأمم المتحضّرة؛ لأنّ العالم علي مصطفى مشرفة يفترض أنّه في مصر ليس للعلم مقام معلوم في ذاته، بل أنّه يكتسب قيمته في المجتمع بطريق عرضي غير مباشر، وبذلك تشبه الحال في مصر من هذه النّاحية ما كانت عليه في أوروبا في القرون الوسطى[30].

أمّا بخصوص السّؤال ما الّذي يطلبه المجتمع من العلم؟ نجد العالم علي مصطفى مشرفة يجيب عنه من خلال اعتبار أنّ العلم يحضر داخل المجتمع من خلال تطبيقاته العمليّة الّتي لا يمكن للأفراد المجتمع أن ينكروها، والعلم حسب علي مصطفى مشرفة يطبّق في “سائر المرافق الاجتماعيّة والعمرانيّة بحيث لا يكاد يخلو مرفق من المرافق من آثار العلم وثمراته”[31]، إلّا أّنه قد كان المجتمع في الماضي يترك أمر تطبيق العلم للاجتهاد الفرديّ، حيث نشأت طائفة من العلماء والمخترعين الّذين كان همّهم الاستفادة من التّقدم العلميّ لخدمة أغراض معيّنة في المجتمع، على سبيل المثال المخترع الأمريكي “أديسون” صاحب النّور الكهربائي والمخترع الإيطاليّ “ماركوني” صاحب الإذاعة اللّاسلكيّة وغيرهم كثير.. الّذي كانوا غرضهم اختراع أو تصميم آليّة معيّنة تحقّق غرضاً بشرياً معيّناً، وكان الحافز وراء هذه الاختراعات هو نيل الشّهرة وتحصيل الرّبح الماديّ.. إلاّ أنّ هذا التّصور المبني على الاجتهاد الفرديّ قبيل الحرب العالميّة وخصوصا في الدّول المتقدّمة لم تعد تهتمّ بهذا التّصور بل أصبحت هذه الدّول نفسها هي المسؤّولة أيضا عن المرافق العامة، مسؤولة عن الصّحة وعن الزّراعة، وعن الصّناعة، مسؤولة عن توفير الغداء والكساء للّشعب..مسؤولة عن كلّ شيء.

رابعا: البحث العلمي وتنظميه

في هذا الفصل يحاول العالم علي مصطفى مشرفة أن يجيب عن سؤال رئيسي داخل الفكر العلميّ وهو: كيف يمكن تنظيم البحث العلميّ؟ وقد استهلّ هذا الفصل بالحديث عن السّؤال الّذي طرح عن السّير إيزاك نيوتن والّذي مفاده كيف اهتدى إلى الكشف عن قوانين الجاذبيّة؟ فقد أجاب نيوتن عن هذا السّؤال “بإعمال الفكر”[32] بمعنى أنّ نيوتن الّذي وصل إلى معرفة قواميس حركات الكواكب ووجد قوانين الحركة بين الأجرام الأرضيّة والأجرام السّماويّة يعزو عمله إلى الفكر، فما معنى هذا الكلام؟

معناه أنّه عن طريق التّفكير والبحث ينمو العلم ويتقدّم وهذا التّفكير العلمي حسب علي مصطفى مشرفة لا يمكن أن ننسبه فقط للفرد وإنّما للجماعة، فعلى سبيل المثال لولا الكشوف الّتي سبقت داروين في علم الحيوان وفي علم النّبات لما قال داروين بالتّطور[33]، بل لولا ما كان يحيط بداروين من تفكير منظّم في عصره لما عمل ما عمله وأضاف ما أضافه إلى التّفكير العلميّ البشريّ[34]. لكن كيف يمكن أن يحصل هذا التّنظيم في الفكر العلميّ؟

يجب أوّلاً تنظيم البحث العلميّ الصّرف ويجب أن يقوم بذلك رجال الجامعات والمعاهد العلميّة المختلفة، إذ الأساتذة والمدرّسون وغيرهم من أعضاء هيئة التّدريس في الجامعات والمعاهد العلميّة يقوم كلّ منهم ببحوثه الخاصّة متعاوناً في ذلك مع غيره من المشتغلين في فرعه، والأستاذ في الجامعة يجب أن يستشعر أنّه من واجبه متابعة البحث العلميّ يضع هذا الواجب فوق واجباته الأخرى كإعداد المحاضرات والدّروس واللّقاءات العلميّة[35] وهذه الأمور يجب حسب العالم علي مصطفى مشرفة أن نستفيد منها في حياتنا العلميّة وفي دولنا أيضا.

كما يجب من جهة ثانية تنظيم البحوث الصّناعيّة عبر صياغة ما نسمّيه بالمعايير العلميّة الصّناعيّة، ففي الدّول المتقدّمة توجد معايير متّفق عليها لقياس الصّفات والخواص الرّئيسيّة للمصنوعات والعمليات الصّناعيّة[36]، إذ نجد في كلّ دولة متحضّرة معايير صناعيّة محدّدة “ومن هذه المعايير ما هو أساسي وبسيط كمقياس الطّول ومكاييل الحجم، ومنها ما هو معقّد كقياس قدرة آلة ذات محرك داخلي أو كتقدير قدرة إنارة مصباح”[37].

ومن هنا، فإنّ البحث الصّناعي أساسه البحث العلمي أو هما وجهان لعملة واحدة، وعليه، نجد علي مصطفى مشرفة يتحدّث عن تجربة كان قد بادر بها في مصر وهي إنشاؤه لمعهد فؤاد الأوّل للبحوث العلميّة والصّناعيّة وكان الغرض منه حسب عالمنا هو تحقيق لهذا التّعاون وهذه “الصّلة الّتي نرجو وننشد، فالفكرة الرّئيسيّة في إنشاء هذا المعهد أن يكون همزة وصل بين العلم والصّناعة”[38].

خامسا: كيف يوجه العلم والعلماء لتحقيق تعاون عالمي؟

يناقش العالم علي مصطفى مشرفة في هذا الفصل موضوع كيف يوجّه العلم والعلماء لتحقيق تعاون عالمي؟ إذ التّعاون بين العلماء حسب عالمنا هو قائم منذ سنين، “فالعلماء في مشارق الأرض ومغاربها يكونون أسرة واحدة، تربطهم روابط لا انفصام لها، فالعالم الأمريكي في معمله يتمّ بحثاً وينشره في مجلّة أمريكيّة باللّغة الإنجليزيّة، وبعد مدّة وجيزة تكون هذه المجلّة في أيدي علماء أوروبا وآسيا وإفريقيا وأستراليا”[39]، إنّ هذا التّعاون العالمي هو قائم بين العلماء منذ سنين، وقد نشأ عن تنظيمه والعناية به في أواخر القرن الحالي ازدياد عظيم في تقدّم العلم ووفرة في الإنتاج العالميّ، عبر تبادل المجلّات العلميّة، وعقد المؤتمرات، وتبادل الأساتذة بين الجامعات، وإرسال البعثات العلميّة، وإنتاج أعضاء أجانب ومراسلين في المجامع العلميّة وغير ذلك من وسائل التّعاضد والتّساند[40]، فقد أصبح وفق هذا التّصور علماء الأرض في مشارقها ومغاربها يشكلّون أسرة واحدة، حيث للجميع غاية مشتركة تتحدّد في الأساس “في رعاية شجرة المعرفة وإنماؤها وإحلال نور العلم محلّ ظلام الجهالة”[41].

إنّ هذا التّعاون بين العلماء حقيقته واقعة، إلاّ أنّه محدود المدى حسب العالم علي مصطفى مشرفة، إذ العلماء يشتغلون في معاملهم ومكتباتهم وجامعاتهم ويحضرون اجتماعات جمعياتهم العلميّة ويطالعون نتائج أبحاث زملائهم من العلماء..وهم في هذا كلّه بعيدون عن مشاكل السّياسيّة والحرب والاجتماع لا يعنون بأمرها إلّا بقدر ما يعني الفرد العادي أو دون ذلك[42]، هذا ما يرجع موقف العلماء هذا موقفاً تقليدياً أيضا كما تحدّد في القرون الوسطى، بل تحدّد في العصر الإغريقيّ والعصر الإسلاميّ، وفي هذا السّياق يتحدّث علي مصطفى مشرفة عن “تلك الحكاية الّتي تروي عن أقليدس إذ دخل عليه رجل فوجده يرسم دوائر ومثلّثات ويمعن النّظر في أشكالها الهندسيّة، فسأله: ما الفائدة من هذا كلّه؟ فكان ردّ أقليدس أن صفق بيده، فحضر خادمه فقال أقليدس للخادم: أعط هذا الرّجل ديناراً !!”[43].

إنّ العلم والعلماء يجب أن يبتعدوا عن ذلك التّصور التّقليديّ الانعزاليّ عن المجتمع، بل يجب عليهم أن يهتمّوا اهتماماً بالغاً بالواقع الّذي يعيشون فيه، وأن يحدّدوا ما ينبغي أن يكون عليهم المجتمع والعلم، وأن يوجّهوا مجهوداتهم في هذا السّبيل توجيهاً يكفل للعلم النّماء ويؤدّي بالبشر إلى الرّخاء[44]، ويجب على العلم أن يرمي إلى المعرفة ولا يمكن أن يتّهم بالتّخريب. وعليه، يجب أن يوجّه العلم والعلماء نحو تعاون عالمي يحقّق السّلام والطّمأنينة بين الأمم والشّعوب.

على سبيل الختام:

لم يكن العالم المصري المرحوم علي مصطفى مشرفة عالماً يعيش في برجه العاجيّ كما كان يعيش العديد من علماء عصره، كما لم يكن منعزلاً إطلاقاً عن مشاكل مجتمعه وعصره، بل أدرك إدراكاً مبكّراً بأنّ”العلم الّذي لا يقدّم إضافةً نوعيّة للمجتمع هو علم لا جدوى منه”؛ فالعلم الّذي هو على وجه التّحقيق حسب عالمنا هنا هو العلم الّذي يخدم المجتمع وينخرط في الإجابة عن أبرز إشكالاته الرّئيسيّة، ولعلّ هذا هو سبيل العالم علي مصطفى مشرفة الّذي كان يؤمن بأنّنا إذا أردنا أن نلتحق بركب الأمم المتقدّمة والمتحضّرة في مجموعة من مجالات الحياة الإنسانيّة لا بدّ من إعادة الاعتبار لمنزلة العلم والعلماء وإعطائها القيمة الّتي تستحقها، فهذا هو ما يجعل مجتمعاتنا أكثر قوّةً وتقدّماً، عبر الاهتمام بالعلم وفهمنا له فهماً صحيحاً ورغبتا الصّادقة أيضاً في تطبيق الطّرق العلميّة، كلّ هذه الأمور ضروريّة إذا شئنا لمجتمعنا قوّةً وتقدّماً حقيقيين، فأمّا إذا غاب التّفكير العلمي داخل مجتمعاتنا فإنّه سيحضر مكانه ما يسمّيه علي مصطفى مشرفة بالمظاهر الكاذبة اّلي هي أبعد ما تكون عن الذّوق السّليم؛ والقريبة كلّ القرب من التّرهات والأباطيل والبعيدة كلّ البعد عن غاية العلم الحقيقيّة الّتي هي الاتّصال بحقائق الحياة..

فمن وجهة نظرنا، وكما بيّنا سالفاً، إنّ غياب التّفكير العلميّ داخل المجتمع يحضر محلّه سيادة الفكر الرّجعيّ والخرافيّ الّذي يصبح معه كلّ تقدّم علمي شيئا غريبا ومحظورا داخل المجتمع، إنّ المجتمع الّذي لا يقدّر العلم والعلماء هو المجتمع الّذي ينتصر عادة للخرافة والأباطيل وكلّ المظاهر الكاذبة والخدّاعة..ومن هنا، فلا بديل لنا كما لا اختيار لنا عن “التّفكير العلميّ”؛  إذ يصبح وفق هذا التّصور الّذي حدّدناه للتّفكير العلميّ: “ضرورة  لكلّ المجتمعات الغير المتحضّرة وليس اختياراً”..

******

المرجع المعتمد للقراءة:

  • علي مصطفى مشرفة، نحن والعلم، مؤسّسة الهنداوي للتّعليم والثّقافة، 2014، القاهرة، مصر.

******

[1]  علي مصطفى مشرفة عالم فيزياء مصري لقّب بـ”أينشتاين العرب” لنبوغه في الفيزياء النّوويّة، ولد في الحادي عشر من يوليو عام 1898 في مدينة دمياط، منح لقب الأستاذ من جامعة القاهرة وهو دون الثّلاثين من عمره، تتلمذ على يده مجموعة من أشهر علماء مصر، من بينهم: سميرة موسى.  تلقىّ دروسه الأولى على يد والده ثمّ في مدرسة “أحمد الكتبي”، إلتحق مشرفة بمدرسة العباسيّة الثّانويّة بالإسكندريّة، ثمّ بمدرسة السّعيديّة بالقاهرة حتّى تخرّج فيها عام 1914م، كما تخرّج عام 1917 في جامعة نوتجهام الانجليزيّة، ثمّ حصل على دكتوراه العلوم من جامعة لندن؛ وهي أعلى درجة علميّة في العالم لم يتمكّن من الحصول عليها سوى 11 عالما في ذلك الوقت، ثمّ عيّن أستاذا للرّياضيات في مدرسة المعلّمين العليا، ثمّ للرّياضيات التّطبيقيّة في كلّيّة العلوم بالقاهرة سنة 1926، من أهمّ كتاباته: “الميكانيكا العلميّة والنّظريّة”، و “الهندسىة الوصفيّة”، و”مطالعات علميّة”، و “الهندسة المستويّة والفراغيّة”، و”حساب المثلثات المستويّة”، و”الذّرة والقنابل”، و”العلم والحياة”، و”نحن والعلم”، و”النّظريّة النّسبيّة الخاصّة”، توفّي في 10 يناير سنة 1950. (نقلا عن موقع مؤسسة الهنداوي للتّعليم والثّقافة وبتصرف منّا).

[2]  علي مصطفى مشرفة، نحن والعلم، مؤسّسة الهنداوي للتّعليم والثّقافة، 2014، القاهرة، مصر، ص: 9

[3]  علي مصطفى مشرفة، نحن والعلم، مؤسّسة الهنداوي للتّعليم والثّقافة، 2014، القاهرة، مصر، ص: 9

[4]  المرجع نفسه، ص: 9

[5]  المرجع نفسه، ص: 9

[6]  المرجع نفسه، ص: 9

[7]  المرجع نفسه، ص: 9

[8]  علي مصطفى مشرفة، نحن والعلم، مؤسسة الهنداوي للتعليم والثّقافة، 2014، القاهرة، مصر، ص: 12/13

[9]  المرجع نفسه، ص: 13

[10]  المرجع نفسه، ص: 15

[11]  علي مصطفى مشرفة، نحن والعلم، مؤسّسة الهنداوي للتّعليم والثّقافة، 2014، القاهرة، مصر، ص: 17

[12]  المرجع نفسه، ص: 17

[13]  المرجع نفسه، ص: 17

[14]  المرجع نفسه، ص: 17

[15] علي مصطفى مشرفة، نحن والعلم، مؤسّسة الهنداوي للتّعليم والثّقافة، 2014، القاهرة، مصر، ص: 19

[16]  المرجع نفسه، ص: 21

[17]  المرجع نفسه، ص: 21

[18]  المرجع نفسه، ص: 21

[19]  المرجع نفسه، ص: 21

[20]  علي مصطفى مشرفة، نحن والعلم، مؤسّسة الهنداوي للتّعليم والثّقافة، 2014، القاهرة، مصر، ص: 23

[21]  المرجع نفسه، ص:21

[22]  المرجع نفسه، ص:25

[23]  المرجع نفس، ص: 25

[24]  المرجع نفسه، ص: 25

[25]  المرجع نفسه، ص: 25

[26]  المرجع نفسه، ص: 25

[27]  المرجع نفسه، ص: 26/25

[28]  المرجع نفسه، ص: 26

[29]  المرجع نفسه، ص: 26

[30]  المرجع نفسه، ص: 26

[31]  المرجع نفسه، ص: 27

[32]  علي مصطفى مشرفة، نحن والعلم، مؤسّسة الهنداوي للتّعليم والثّقافة، 2014، القاهرة، مصر، ص:35

[33]  المرجع نفسه، ص: 35

[34]  المرجع نفسه، ص: 35 (بتصرف)

[35]  المرجع نفسه، ص:37

[36]  المرجع نفسه، ص: 42

[37]  المرجع نفسه، ص: 42

[38]  المرجع نفسه، ص: 42

[39]  المرجع نفسه، ص: 46

[40]  المرجع نفسه، ص: 46

[41]  المرجع نفسه، ص: 46

[42]  المرجع نفسه، ص: 46

[43]  المرجع نفسه، ص: 47

[44]  المرجع نفسه، ص: 47

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This