كوفيد التاسع عشر.. أو الوباء العادي / عارف حمزة

يصلح وصف “الوباء العادي” على وباء كورونا المستجد، أو ما يُعرف بكوفيد 19. إذ يبدو وكأنّه وباء مصطنع. أو فيروس هارب من المختبرات، مثل الإشعاعات التي تسرّبت من مفاعلات نووية، أو نفط من ناقلات نفط عملاقة، وتسببت بكوارث بيئية وإنسانية.
يبدو اسم كوفيد 19 اسمًا مثيرًا، لدرجة أن كثيرين وجدوه لقبًا ملكيًّا؛ كأن نقول: كوفيد التاسع عشر. ولكن تسبيق ذلك الاسم بكلمة “وباء” أو “جائحة” أعطى ذلك الملك اسمًا مرعبًا للرعيّة، أو من أجل أن يكون مرعبًا. وربّما اسمًا مضنيًا للملك نفسُه.
الموت الأسود
مجرّد كورونا أو كوفيد لن يُسبب الرعب كما سبّبته أسماء الأوبئة التي سبقته في الحكم على مصير جزء كبير من البشرية. هو لا يُشبه اسم “الطاعون” مثلًا. الطاعون بحدّ ذاته يبدو اسمًا مرعبًا؛ بغض النظر عن الأوصاف التي تعلّقت بهذا الاسم، وانتشرت معه في قتل ثلث سكان أوروبا بين عامي 1347 و1352.
وصفوا الطاعون بالموت الأسود، وكذلك بالموت العظيم. وفترة الست سنوات لا تعني بطء الوباء، وهو يبطش بالناس التي ما عادت تعرف كيف تنجو منه، بقدر ما يعني ثقل بطشه خلال تلك المدة الطويلة. ست سنوات من الذعر والابتهالات والفقدان المتوالي وقلّة الحيلة، وجمع الجثث في أكوام وحرقها من دون صلوات ولا وداع.
ذلك الطاعون قالوا بأنه بدأ في آسيا الوسطى أيضًا، وسلك طريق الحرير مع التجار إلى أوروبا، ليحمل منجله الأسود ويبدأ بقطع الرؤوس والأنفاس. أميركا نجت في ذلك الوقت لأنها لم تكن مُكتشفة بعد. نجت لأنّ لا سفن حملت تاجرًا أو عاملًا مصابًا إلى هناك، لكي يعمل الموت الأسود هناك عمله بإتقانه المعتاد.
وفي الوقت الذي لم يتجاوز عدد وفيات كورونا، حتى لحظة كتابة هذه المقالة، أربعمئة ألف شخص في كل أنحاء العالم خلال الخمسة أشهر الماضية، فقد فتك وباء الكوليرا الأول (1816 – 1826) بخمسة عشر مليون شخص في الهند وحدها.
كانوا يطلقون على وباء الكوليرا اسم “الهواء الأصفر”، وهذه دلالة مرعبة تذهب إلى أن حتى الهواء يتغير لونه وصار بالإمكان رؤيته، وهي دلالة على إمكانية رؤية الموت من خلال إمكانية رؤية الهواء.

البقاء في البيت
ما يُخفف الذعر من وباء مثل وباء كورونا هو أن الوقاية منه متوفّرة ومجانية وسهل الحصول عليها؛ وهي البقاء في البيت، وعدم الاحتكاك مع الآخرين من خلال ترك مسافة لا تقلّ عن المتر ونصف المتر.
هذه الوقاية السهلة تدلّ على عاديّته. وبوجود الناس في بيوتها ظنّت أن الأمر عبارة عن شيء آخر يُحاك في الجوار. كما كان يحدث في الأنظمة الفاسدة؛ التي كان أحد مسؤوليها يعلن حظرًا للتجوّل لكي تتحرّك سيارات التهريب الخاصة به بأمان.
عادية هذا المرض تظهر عندما نرى الكبار في السن يخرجون كل يوم، ويتسوقون ويتنزهون، بينما صغار السن يُلزمون أنفسهم البقاء في البيوت! لدرجة أن أحدنا يظن بأن قاتل كبار السن ليس الوباء، بل أولئك الشبان الطائشون الذين قد يخرجون فجأة من البيوت.
على الطرف الآخر، انتشرت فيديوهات بشكل سريع عن أناس تنتفض أجسادهم في شوارع ووهان أو طهران، ويموتون وهم يسعلون ويبصقون الدم. وهذا كلّه لكي تعرف الناس أنه ليس وباء عاديًا.
بعض الناس فكرت بأن مريض كورونا، قبل أن يلقى حتفه، تجتاحه حمى لأربعة أيام على الأقل، ولا يستطيع الحركة ثم لا يستطيع التنفس، فيضطرون لوضعه على جهاز التنفس، فكيف نزل أولئك المصابون، رغم الحمى والهذيان وعدم القدرة على الحركة والتنفس، ليموتوا هكذا في الشارع؟
ثم ظهرت فيديوهات من إيطاليا وفرنسا، وكذلك لأطباء عرب في بلدان أجنبية، يؤكدون “جدّية” هذا الوباء وقسوته وفتكه بالناس، خاصة الكبار منهم في السن والذين يُعانون من أمراض في الرئتين أو القلب، وكأنّهم يُحاولون القول بأن هذا الكورونا هو وباء قاتل، وليس مرضًا عاديًا معديًا.
نظريات مؤامرة
كذلك وصلتنا رسائل إلكترونية متوالية تتحدّث عن هذه الوباء ضمن فكرة المؤامرة. إحدى الرسائل تتحدث عن لعبة من القيادة الصينية لشراء أسهم الشركات الأجنبية العاملة في الصين، لأن المساهمين الأجانب سيبيعون أسهمهم، التي نال من أسعارها الوباء، وسيفرّون من الصين، رغم أن الوباء لم يكن في العاصمة بكين ولا في مدنها الإقتصادية الكبرى.
نظرية أخرى تتحدث عن عمل مشترك، وليس عن خطأ مشترك، لعلماء أميركيين وفرنسيين يعملون في المختبر الصيني الموجود في ووهان. وصاحب الفيديو يُظهر للناس وثائق كثيرة لا يُمكن لأحدنا التأكد من صحتها. وكل ذلك لكي تتخلص الدول من عجائزها الذين يُكلفون خزينة الدول مليارات الدولارات.
وينسى صاحب الفيديو بأن كبار السن يدفعون لشركات التأمين الصحي جزءًا شهريًا من رواتبهم، وبأن شركات التأمين وصندوق التقاعد هما من يدفعان الجزء الأكبر من تلك المصاريف، وليست خزينة الدولة.

نظرية أخرى تستفسر عن كيفية وصول الوباء إلى أوروبا وأميركا قبل وصوله للعاصمة بكين؟ وهذا يعني من الباطن أن الصين تكتّمت على الموضوع لمدة جيدة. وقبل الإفصاح عن الوباء كانت قد أرسلت قنابلها البشرية المحمّلة بالفيروس إلى أنحاء المعمورة!!
ولكن الذعر الذي انتشر من مختبر صينيّ مختص بالأوبئة، على حد قول عالم فرنسي حائز على جائزة نوبل، أدخل الذعر الآن في نفوس الصينيين؛ إذ يبدو أن الدول العظمى، بشكل خاص، قد حوّلت الوباء من أمر مرضي إلى تصفية حسابات سياسية.
الولايات المتحدة الأميركية لا تريد خسارة شيء، بل تريد استرداد خسائرها، وتحقيق الربح كذلك على حساب تكتّم الصين على “تصنيع” الوباء، وتسفير سفرائها حاملي المرض إلى كلّ أصقاع المعمورة!
وفق نظرية المؤامرة هذه أخرجت كل من أميركا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، وسيتبعها الكثير من الدول، فواتيرها التي ستطالب الصين بدفعها. وهذا يبدو كأقسى ردّ على أولئك الذين أفشوا نظرية أن الصين فعلت ذلك لكي تشتري أسهم الشركات الأجنبية على أراضيها بثمن بخس.
عالم أفضل أم أسوأ
هذه الأصوات خلخلت تلك النظرية التي تأملت “التضامن العالمي”، والتي تسرّعت بالقول بأنّ الدول ستنسى أنانيّتها، وستمدّ يد العون لبعضها البعض، وبأن “الإنسان” أهم من الإقتصاد والشركات والأرباح. وبأن العالم ذاهب، لا محالة، لعالم إنسانيّ أفضل.
هذه الأصوات سرعان ما تركت مكانها لأصوات صار تخاف من التضييق على الحريات وحقوق الإنسان. وهذا ما دفع الفيلسوفة الألمانية كارولين إيمكه للقول “إن مجتمعاتنا ستدفع أثمانا باهظة بسبب فيروس كورونا، ومنها الحدّ من حريتنا في التنقل. ولكن ينبغي علينا أن نطالب حكوماتنا بأن يتم اتخاذ القرارات الصحية بطريقة شفافة وشرح أسسها، وأن نتأكد من أن القيود مؤقتة حتى لا يتحول الأمر إلى ذريعة للمراقبة والقمع”. وبأن الوباء يُغري بمزيد من الاستبداد والقمع والمراقبة باستخدام الأدوات الإلكترونية.
هذا الذعر من تقييد الحريات، والذي قد يُبشّر بعالم أسوأ، نبّه إليه كذلك الفيلسوف الألماني الشهير يورغن هابرماس؛ إذ وجد أن تقييد عدد كبير من حقوق الحرية المهمة يجب أن يظل مرتبًا لمدة محدودة جدًا، ولكنه إجراء مطلوب كأولوية للوصول للحق الأساسي في الحياة والسلامة الجسدية، وإن كان البعض قد يستغله لغايات سياسية.
بينما ظهر الفيلسوف الفرنسي ميشيل أونفري عنيفًا برؤيته للعجز الذي تعانيه أوروبا والعالم المتقدم، فرأى أن الوحدة الأوروبية ذاهبة للإنهيار، وبأن أوروبا أصبحت “العالم الثالث الجديد”!
بعيدًا عن تحويل الوباء إلى “وباء سياسي” ووباء مصطنع في المختبرات، ظهرت أمور جانبيّة تمّ التكتم عليها سريعًا، وهي أصوات شبابيّة قليلة رأت أن الفيروس سيخلصهم من كبار السن، و”أخيرًا سنسكن في بيوتهم الكبيرة والفارغة”، كما حدث في هولندا.
أدباء ومثقفون وفلاسفة يكتبون يومياتهم خلال الحجر الصحيّ، وتأملاتهم للعالم الجديد بعد التخلص من الوباء، يتمنون عالمًا إنسانيًا أفضل، ويحذرون من قدوم عالم أسوأ.. بينما السياسيون يكتبون فواتيرهم التي ستذهب بالعالم إلى الأسوأ لا محالة. والجمهور الذي تطبق عليه الإجراءات الجبريّة لا بدّ أن يتظاهر ضد فقد الحريّات.

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This