أصل الحياة وتطوّرها (ج5)

دراسة في دراما نشأة التّركيبات البيولوجيّة وتطوّرها

دلائل الأصل المشترك بين الكائنات الحيّة

لقد أكّدت نظريّة التّطور على فكرة هامّة هي فكرة الرّباط العضوي بين الكائنات الحيّة، حيث ارتكزت على ثلاث نقاط أساسيّة:

  1. إنّنا البشر وكافّة أنواع الحيوانات ممّا دون الإسفنج، وما يعلو عليها من الحشرات، والأسماك، والثّعابين، والطّيور، والسّباع، والبهائم، نشترك في أصل واحد. وبيننا وبين هذه الحيوانات قرابة من نوع مّا، تختلف في قربها وبعدها تبع لقربنا وبعدنا من نوع حيواني معيّن.
  2. إنّنا نحن البشر بشكل خاصّ، ننتمي إلى أسرة متعدّدة الأنواع كالطرسيوس، والليمور، والقردة، وهذه تكون الأسرة الكبرى. أمّا العائلة الصّغرى، الّتي ننتمي إليها، فهي مجموعة القردة العليا الّتي نجتمع وإيّاها بقرابة وثيقة قي سلف واحد مشترك.
  3. إنّ التّطور لم ينقطع أو يقف، ذلك أنّ جميع الأحياء حيواناً كان أم نباتاً، لا يزال في تغير جيلاً بعد جيل، والتّغير يتراكم حتّى يتحوّل، حيث ينقلب الكمّ إلى كيف فيصير تطوّراً.

من تلك المنطلقات يمكننا التّحدث عن مجموعة كبيرة من الدّلائل الّتي تؤكّد الأصل المشترك لجميع أشكال الحياة على كوكب الأرض.

أوّلاً: الدّليل الجيولوجي: لقد قدمت لنا البحوث الجيولوجيّة وثائق هامّة لمعرفة التّتابع الزّمني للتّطوّر البيولوجي للأنواع، فمن المعروف أنّ القشرة الأرضيّة مؤلّفة من مجموعة من الطّبقات الّتي يزداد زمنها بازدياد عمقها، وفي هذه الطّبقات نجد متحجرات للنباتات والحيوانات مختلفة كماً ونوعاً باختلاف الطّبقات بشكل يلائم الموكب التّطوري. وإذا ما رتبنا هذه الطّبقات من الأقدم إلى الأحدث، واستقرأنا أحياءها الّتي تعيش في كلّ طبقة على حده، نجد أنّها تبلغ ثلاث عشرة طبقة تكوّنت في خمسة دهور يلائم كلّ منها مستوى التّطور والتّخصّص لدى الكائن الحيّ وفق التّالي:

  1. الدّهر القديم: وفيه ظهرت الحياة الأولى المؤلّفة من خليّة واحدة مثل (الألجة) وهي طحلب بحري لا ورق، ولا جذع، ولا جذر له، كما ظهرت الخليّة الحيوانيّة الأولى، وقد كشف عالم البدائيات “ويليام” عن حفريات مجهريّة تعود إلى 3،46 مليار سنة في أستراليا، وهذا أقدم كائن حي أكتشف حتّى الآن، أمّا عمق طبقات هذا الدّهر فتبلغ 70 ألف قدم.
  2. الدّهر الأوّل: له 3 طبقات ثخانتها 42 ألف، قدم وفيها نرى عدة متحجّرات للإسفنج، والمحار، والمرجان، والقشريات (كالجمبري والسّرطان)، والسّمك، كما نجد حيوانا صدفياً ذا خليّة واحدة لا بدّ أنّه كان استمراراً للدّهر السّابق.
  3. الدّهر الثّانوي: له 5 طبقات ثخانتها 15 ألف قدم، وفيها نجد الصّنوبر، والنّخيل، والزّواحف، والطّيور، والحيوانات الكيسيّة أو الجرابيات كالكنغر.
  4. الدّهر الثّلاثي: له 3 طبقات ثخانتها 3 آلاف قدم، ونجد فيها متحجّرات للثّعابين، والقياطس، والقردة، والأشجار الموجودة الآن.
  5. الدّهر الرّباعي: نجد فيه الطّبقة الأخيرة الّتي سماكتها 600 قدم، ونجد فيها متحجّرات للماموث، وذوات الأربع الصوفيّة، والإنسان البدائي.

ومن جهة أخرى، بات من المتّفق عليه تقريباً، منذ القرن التّاسع عشر، أنّ صخور الأرض وما تحتويه من حفريات يمكن تقسيمها نوعياً إلى أنواع مختلفة: فثمّة صخور لا تحوي فيما يبدو على أيّة حفريات، ويشار إليها عادة بالصّخور النّاريّة أو القاعديّة الّتي تبدو خاليّة من الحياة ويزيد عمرها الزّمني عن 3500 مليون سنة. وفوق هذه الصّخور القاعديّة، تقع سلسلة من أربعة أنواع من الصّخور تعبّر عن أربعة عصور للأرض. كان يطلق عليها خلال جزء كبير من القرن التّاسع عشر أسماء (الأولى، والثّانية، والثّالثة، والرّابعة) وهي تمثل فعلياً العصر الأوّل، والثّاني، والثّالث، والرّابع.

لقد سمّيت الصّخور الّتي احتوت على آثار كائنات قديمة صدفيّة وبسيطة التّكوين تشبه الأسماك: بالصّخور الأولى، وهي تعرف الآن بحقب الحياة القديمة، الّتي تشير فعلياً إلى الحياة القديمة على سطح الأرض، أو العصر “الباليوزي”: وتمتدّ بين حوالي 600 – 250 مليون عام.

وفوق صخور الحياة القديمة، توجد سلسلة من الصّخور الّتي احتوت على خليط من أصداف وأسماك وعظائيات بريّة (تضمّ البرمائيات والزّواحف)، وقد سمّيت بالصّخور الثّانية، وتعرف حالياً بحقب الحياة الوسطى، أو العصر “الميزوسي”: وهي تمتدّ بين 250 و65 مليون عام.

وفوقها نجد صخور تحتوي على كائنات أقرب في شكلها إلى الكائنات الّتي تعيش في عصرنا الحالي (الثّديات والطّيور) ويطلق عليها الصّخور الثّالثة، وحديثاً أطلق عليها حقبة الحياة الحديثة، أو العصر “السينوزي”: وهي تمتدّ في الفترة بين 65 و10 مليون عامّ.

أخيراً، هناك الصّخور الرّابعة (العصر الحديث) الّتي وثّقت ظهور النّباتات والحيوانات المتعارف عليها حديثاً، وتأثير العصور الجليديّة الكبرى، وظهر فيها أسلاف البشر منذ حوالي 5 مليون عامّ.

من ذلك التّرتيب نستنتج، أنّ التّنوع الإحيائي يزداد مع الطّبقات الأحدث، فلا نجد الإنسان إلاّ في الطّبقة الأحدث مع أنّنا نجد الإسفنج في جميع الطّبقات، ونجد أنّ الزّواحف قد سبقت الطّيور واللبونات، كما نجد أنّ أوّل ما يظهر من الأحياء في الطّبقات العميقة هي في الواقع الأحياء الأبسط تركيباً والأقلّ تعقيداً. كما أنّ المتحجّر من الحيوان يدلّنا على الصّلة التّي تصل بينه وبين ما قبله، فمثلاً: متحجّرات الطّيور نجد لها أسناناً مثل الزّواحف، ومتحجّرات الفرس نجد لها أصابع في قدميها بدل الحافر.

ثانياً: الدّليل الجغرافي: حيث أنماط التّطور في الماضي موجود في التّوزع الجغرافيّ الطّبيعي للأنواع ذات الصّلة، ذلك أنّه من الواضح أنّ مساحات من الأراضي المعزولة الكبرى، ومجموعات الجزر طورت في كثير من الأحيان مجتمعاتها النّباتيّة والحيوانيّة المتميزة الخاصّة بها. فمثلاً: قبل وصول البشر إلى أستراليا ما بين 60 – 40 ألف سنة مضت، كانت تضمّ أكثر من 100 نوع من الكنغر، والكوالا، والجرابيات الأخرى، لكن لم يكن فيها أيّاً من الثّديات المشيميّة الأكثر تطوّراً، كالكلاب والقطط والدّببة والخيول. وكانت الثّديات البريّة غائبة كلياً في جزر هاواي ونيوزيلندا الأكثر عزلة، ولكن كانت هذه الأماكن تضمّ عدداً كبيراً من الأنواع النّباتيّة، والحشرات، والطّيور الّتي لم تكن موجودة في أي مكان في العالم، الأمر الّذي يؤكّد أنّ التّطور في هذه الجزر المعزولة كان منفصلاً عن باقي بقع العالم الجغرافيّة المتّصلة.

ثالثاً: الدّليل البيولوجي الكيميائي: الأمر هنا يكاد أن يكون متطابقاً تماماً مع النّظريّة التّطوريّة، إذ تشترك جميع الأحياء في نظم البيولوجيا الجزيئيّة، فلديها جميعها 20 حمض أميني يدخل في تركيب البروتينات الّتي تحتوي على 50 – 55 % كربون، و 25 – 30 % أوكسجين، و 15 – 19 % آزوت، و 7 % هيدرجين، و 0،5 – 2.5 % كبريت. وهناك نيكلوتيدات أربعة تفيد في تجميع الحموض الأمينيّة تختلف الأجناس باختلاف تعاقبها، وقد يطرأ تعديلات على بعض التّعاقبات تؤدّي إلى تغيرات مورفولوجيّة المتعضيّة أو فيزيولوجيتها، كما تشترك الكائنات في تطابق آليات التّركيب لهذه الجزيئات وفي تكاثرها. يقول الباحث الفرنسي (جاك نينو): إنّ الشّغل الشّاغل الآن هو مقارنة بنى الجزيئات، لنأخذ على سبيل المثال الهيموغلوبين، وهو البروتين الّذي يؤمن نقل الأوكسجين إلى الخلايا. يتطابق هذا البروتين عند البشر والغوريلا، باختلاف حمض واحد من الحموض المائة والخمسين الّتي يتألّف منها، وبالتّالي يكون الغوريلا أقرب إلى الإنسان من القرد البندر، بهذه الطّريقة يمكننا أن نقارن الإنسان بأنواع أكثر بعداً، كما يمكننا ملاحظة التّماثلات في تعاقبات البروتين المأخوذة من الأنواع الأكثر بعداً. وعليه يمكن الاستنتاج بأنّ سائر أنواع الكائنات الحيّة هم أولاد عمومة، وإذا كان لنوعين هيموغلوبين متشابهين يجب أن نعتبر بأنّهما افترقا منذ فترة قصيرة منطلقين من سلف مشترك.

كذلك نجد أنّ الإنزيم المسمّى  “سيتوكروم سي”، وهو إنزيم تنفسي يتوسّط لانتقال الأكسجين الّذي يحمله الدّم إلى الخليّة، يتألّف عند جميع الكائنات الحيّة من 104 حلقات، وممّا يثير الفضول أنّ عمليّة داخل الخليّة لدى كلّ الكائنات الحيّة من الإنسان حتّى خميرة الخبز، تتمّ بتحريض من الإنزيم نفسه، هذا الأمر لا ينطبق على ذلك الإنزيم وحسب، وإنّما على جميع الإنزيمات الأخرى. وممّا يستدعي الانتباه أنّ الفروق في صفوف الحموض الأمينيّة بالنّسبة لهذا الإنزيم تتزايد تبع بعد القرابة بين الأنواع من الأعلى للأسفل، فيختلف إنزيم “سيتوكروم سي” لدى الإنسان عنه لدى القرد الهنديّ بحمض أميني واحد، ويرتفع العدد إلى 11 حمض أميني بين الإنسان والكلب، وهكذا يزداد الاختلاف تبع ابتعاد القرابة، وهذا بالطّبع يؤكّد المفهوم التّطوري للأنواع النّاتج عن جذر واحد.

وبناء على الإنزيم المذكور ودراسة خواصه عند كلّ كائن، توصل العلماء عبر حسابات معقّدة مدّة الفواصل الزّمنيّة الّتي جمعت الإنسان بالأنواع الحيوانيّة الأخرى الأقرب فالأبعد، وقد بينت الحواسيب الإلكترونيّة أنّه كان لنا نحن البشر والدّجاجة قبل 280 مليون سنة سلف واحد مشترك، وأنّ 490 مليون سنة انقضت عن انفصالنا عن البرمائيات والأسماك، وأنّه وجد على الأرض قبل 750 مليون سنة كائن لم يكن الجدّ المشترك للفقاريات وحسب، ولكن للحشرات أيضاً. هكذا تمّ وضع شجرة أنساب الأحياء بحيث يمكننا القول أنه وفي كل مرة نقارن فيها بين جزيئات، نجد مخطط تسلسل الأنواع ذاته الذي تم استنتاجه بالتّشريح المقارن. ومن جهة أخرى، يلاحظ أن الجهاز العصبي المركزي في الفقاريات والانسان، ينقسم إلى المخ والحبل الشوكي، وكلما ارتقى الحيوان الفقري في تطوره، كلما كان مخه أكبر وأكثر تعقيداً، فوزن مخ الضفدعة والسمكة أقل من وزن الحبل الشوكي لديهما، أما في القرود الشبيهة بالانسان، نجد أن وزن المخ عندها يساوي 16 مرة وزن الحبل الشوكي، وبالنّسبة لمخ الانسان، فإنه يزيد عن وزن الحبل الشوكي ب 50 مرة.

رابعاً : الدليل البالنّتولوجي (الإحفوري): حيث تم اكتشاف وجود الأشكال الوسيطة بين نموذج تطوري وآخر ضمن النّوع الواحد، وهذا بالطبع أمر يدعم نظريّة الأصل الواحد للحيوانات، إذ نستطيع في الوقت الحاضر التّكلم عن الأشكال العضويّة ومجموعاتها الفرديّة، وقد أصبح هذا ممكناً بعد العثور على بقايا أعداد كبيرة من أنواع الحفريات الوسيطة للنباتات والحيوانات التّي عاشت في العصور والفترات الجيولوجيّة المختلفة التّي تبين أنها على اتصال بالمجموعات المختلفة للكائنات الحيّة التّي كان يعتقد أنها منفصلة عنها.

وممّا يشهد مثلاً، على وحدة المنشأ النّباتي الحيواني هي كائن (اليوجلينا) وغيرها من السوطيات الخضراء الأخرى، كما تشير الوقائع إلى نشوء الكائنات متعددة الخلايا من الكائنات وحيدات الخلايا، وتعتبر الجلكيات الدنيئة مثل النّصفحبليات، والمغلفيات، والحيوانات عديمة العلبة المخيّة “البدائيات”، أشكالاً وسيطة بين الفقاريات واللافقاريات. كما أدى تطور الحيوانات المائيّة إلى تكوين الحيوانات الفقاريّة الأرضيّة مثل الحيوانات الغضروفيّة، والحيوانات ذات الخياشيم، والرئات، وتعتبر البرمائيات المنقرضة “سيتجوتسيفال” شكلاً وسيطاً بين الأسماك من جهة، والبرمائيات من جهة أخرى، حيث نشأ هذا الحيوان من أسماك مسمّاة “كروسوبترايجي” فهو شديد الشبه بها في هيكله الخارجي، لكنه يختلف عنها بأن له أطرافاً من النّوع الخماسي بدلاً من الزّعانف. كذلك أصبح من المعروف وجود شكل وسطي بين البرمائيات والزّواحف يدعى “الديمترادونن” وهو كائن عاش في العصر البرمي.

وبالنّسبة للثدييات، نجد العديد من الدلائل على وجود الأشكال الوسيطة، لنأخذ الحصان على سبيل المثال: لقد عاش في أميركا في النّصف الأول من العصر الثلاثي، أقدم سلف للحصان العصري يسمى”الأيوجيبوس”، وهو حيوان في حجم الثعلب ارتفاعه 30 سم، وكان يمشي على أطراف أماميّة رباعيّة الأصابع، وأطراف خلفيّة ثلاثيّة الأصابع، كما كانت أضراسه درنيّة ويعيش في الغابات، ومع بدء التّغير المناخيّ وسيادة الدّفء وتحوّل الغابات تدريجياً إلى سهول، تطوّرت أجياله اللّاحقة إلى (الميزوجيبوس ـ ميوجيبوس ـ براجيبوس ـ ميروجيبوس ـ بليوجيبوس ـ جيباريون ـ حصان بريجفال ـ الحصان الحالي) حيث تمّ اختزال عدد الأصابع الجانبيّة نحو الإصبع الثّالث، وتحوّلت الأضراس من الدرنيّة إلى المروحيّة التّجعيد.

خامساً: الدّليل المورفولوجي: لتوضيح الأمر هنا لا بدّ أن نميّز في علم المورفولوجيا بين الأعضاء المتشابهة الوظيفة، والأعضاء المتشابهة التّركيب.

يطلق لفظ الأعضاء المتشابهة الوظيفة، على الأعضاء المتشابهة المنشأ، وإذا اختلفت أمثال هذه الأعضاء، فإنّ تركيبها أيضاً يختلف في مجرى العمليّة التّطوريّة، هذا الاختلاف قد يكون شديداً أحياناً. فعلى سبيل المثال: يمكننا أن نأخذ أجنحة الفراشات، والطّيور المتكيّفة للطيران، إذ قد نجد أنّ لها  تركيب متشابه من حيث الخطوط الأساسيّة، إلاّ أنّه في الوقت الّذي تكون فيه أجنحة الفراشات عبارة عن انثناء في الجلد في الأجزاء العليا من الحلقات الصدريّة الثّانية والثّالثة، فإنّ أجنحة الطّيور عبارة عن تحوّر في الأطراف الأماميّة. وبالتّالي، عند تطبيق أساليب التّشريح التّقليديّة، وفحص جزيئات البروتين، وأخيراً مقارنة بنيّة الحمض النّووي على المزيد من الكائنات في شجرة الحياة، يصبح واضحاً أن أنواع الحيوانات المتشابهة في تشريحها، لديها أيضاً جزيئات وتعليمات وراثيّة متشابهة. وقد أوضح الباحثون أنّه على الرّغم من أنّ جناح الحشرة وذراع الحيوان من الرّئيسيات يبدوان مختلفين تماماً، فإنّ التّعليمات الأساسيّة نفسها تُستخدم في أثناء تكوينهما. إنّ التّفسير الوحيد لهذا التّرابط الّذي أثبته الفحص العلمي، هو التّطور. والآليّة الوحيدة للتّطور الّتي أثبتها الفحص العلمي، هي الانتقاء الطّبيعي.

أمّا الأعضاء متشابهة التّركيب، فيمكننا أن نتحدّث عن مثال الأطراف الأماميّة للحيوانات الفقاريّة، كأيدي الضّفدعة، السّحالي، وزعانف الثّدييات المائيّة، وأيدي الخلد الأوروبي، وأيدي الإنسان. إذ نجد أن كلّ هذه الأطراف لها تركيب عام متشابه، إلاّ أنّها وفي أعقاب قيامها بوظائف مختلفة، فقد اختلفت فيما بينها. وقد لاحظ داروين هذا الأمر عندما قال: من الغريب أنّ الإنسان مشيد على نفس الطّراز أو النّمط العام مثل الحيوانات الثّديّة الأخرى. ذلك أنّ العظام الموجودة في هيكله العظمي من الممكن مقارنتها مع العظام المناظرة الموجودة في أي قرد أو خفّاش أو فقمة.

وبنفس السّياق، نلاحظ التّشابه العجيب بين الخلايا النّباتيّة فيما بينها، والخلايا الحيوانيّة فيما بينها، فمن المسلم به مثلاً أنّ خلايا العضلات في الإنسان مختلفة تماماً عن الخلايا العصبيّة لديه، الّتي تختلف بدورها عن خلايا الكبد، وهكذا. بيد أنّ الخلايا العصبيّة لدى أيّ نوع من الأنواع الحيوانيّة مماثلة تماماً للخلايا العصبيّة لدى الإنسان، والأمر نفسه يصدق على الأشكال الأخرى من الخلايا، حتّى عندما تكون الكائنات الحيّة محتلفة تماماً في المظهر وتنتمي إلى شعب مختلفة، تكون خلاياها متشابهة في الحجم والمظهر والبنيّة والتّركيب الكيميائي. إنّ تشابه الخلايا في كلّ الشّعب الحيوانيّة دليل بحدّ ذاته، على أنّ لتلك الشّعب سلسلة نسب مشتركة. وعند فترة جنينيّة متأخّرة، من الممكن أن نلاحظ بعضاً من التّماثلات الملفتة للنّظر بين الإنسان والحيوانات الأدنى، فالتّلافيف الخاصّة بالمخّ الموجودة في الجنين الانساني عند نهاية الشّهر السّابع، تصل إلى نفس المرحلة من التّكوين الموجود في قردة البابون المكتملة النّمو، كما أنّ أصبع القدم الأكبر الّذي يشكّل نقطة الارتكاز عند الوقوف أو المشي، يبلغ في الجنين بوصة واحدة وهو يبرز أوّلاً من جانب القدم بشكل متطابق مع رباعيات الأيدي.

سادساً: الدّليل الباثولوجي (علم الأمراض): نجد هنا أيضاً دلائل هامّة حول الأصل المشترك، فمن المعروف أنّه لكلّ نوع من الأنواع الحيوانيّة أو النّباتيّة أمراضه وطفيلياته الخاصّة به، وكلّما ارتبطت الأنواع أكثر كلّما اشتركت في سلسلة المراض الطفيليّة الّتي من الممكن أن تعاني منها، فعلى سبيل المثال، ما يثبت قرابة الإنسان من القرود، هي وجود أمراض عامّة مشتركة بينهما، فقد دُرست طبيعة أمراض الإنسان على قرود الأنثروبيد، إذ قام عالم روسي بعزل الميكروب المسبّب لمرض كوليرا الأطفال من أمعاء أطفال مصابين، وقام بخلط هذا الميكروب مع الغذاء الّذي أطعمت به صغار قرود الأنثروبيد، فأدّى ذلك إلى إصابتهم وظهور أعراض مشابهة لأعراض المصابين من أطفال البشر. كما أجريت في نهاية القرن التّاسع عشر عدّة تجارب نقل دم الإنسان إلى الحمام، ودم الكلب إلى القرود، والدّجاجة إلى الأرنب، وقد ماتت جميع الحيوانات الّتي نقل إليها الدّم. وفي تجارب أخرى تمّ نقل الدّم بين حيوانات تمّت بصلة قرابة فنقل دمّ الحصان إلى دمّ الحمار، كما نقل دمّ الأرنب إلى الأرنب الجبليّ، فلم تمت هذه الحيوانات ولم تظهر عليها أي أعراض مرضيّة، ما يؤكّد إنحدارهما من أصل واحد.

سابعاً: الدّليل الوراثي: إذ نجد أنّ نظام شيفرة الحمض النّووي ليس وقفاً على الإنسان وحده، وإنّما هو عامل مشترك لدى جميع الكائنات الحيّة على كوكبنا، فالأخطبوط لا يشبه الفأر على الإطلاق، وكلاهما يختلفان بشكل تامّ عن شجرة السّنديان، لكنّ هذه الآلات الحيويّة الثّلاث تتميّز بتركيبة كيميائيّة أساسيّة موحّدة، وتتكوّن الجينات الّتي تحملها من النّوع نفسه من الجزيئات الّتي تتوفّر داخلنا جميعاً، وذلك يشمل كلّ أنواع الكائنات الحيّة من البكتريا حتّى الفيلة. إنّ نفس الكودونات تشفر لنفس الأحماض الأمينيّة في البشر، والكلاب، والبراغيث، وحتّى البكتريا. بالإضافة إلى ذلك، نحن نشترك في العديد من الجينات مع غيرنا من الكائنات الحيّة، مثلاً: هناك 90% من الجينات البشريّة مماثلة لتلك الموجودة في الفئران. ولعلّ الأكثر إثارة للدّهشة هو حقيقة أنّنا نشترك بأكثر من ثلث جيناتنا مع مجموعة بدائيّة من أنواع الدّود تعرف باسم الدّيدان الخيطيّة. كما أنّ دم الإنسان يقترب في صفاته البيولوجيّة والكيميائيّة الحيويّة من صفات دم قرود الشّمبانزي كما أنّ للشمبانزي نفس مجموعات الدّم الّتي لدى الإنسان. والفارق العضوي لبنيّة الغوريلا عن بنيّة الانسان، أقلّ بكثير عن الفارق العضوي بين بنيّة الغوريلا والقردة الدنيا.

إنّ الطّبيعة العالميّة للشّيفرة الوراثيّة، هي دليل دامغ على تطوّر جميع الكائنات عن نفس الأشكال الأولى للحياة. وبطبيعة الحال، تبيّن المقارنة بين سلاسل الحمض النّووي للأنواع الحيّة من الرّئيسيات، أنّ البشر يرتبطون ارتباطاً وثيقاً بالقرود الإفريقيّة العليا. وبعدها يأتي بحسب التّرتيب التّنازلي للقرابة الجينيّة، القرود العليا الآسيويّة، وقرود العالم القديم العاديّة، وقرود العالم الجديد (الأميركتين) العاديّة، وسعالي التّارسير البدائيّة، وأخيراً سعالي الليمور واللوريس البدائيّة. هذه المقارنة الجينيّة تتوافق بالضّبط مع المقارنة بين السّمات الجسديّة للرّئيسيات، وهي تتطابق أيضاً بشكل جيّد مع ما هو معروف حتّى الآن من السّجل الأحفوري الّذي يؤكّد أنّ السّعالي البدائيّة نشأت أولاً، ثمّ تلتها القرود العاديّة، ومن ثمّ القرود العليا، وأخيراً البشر.

ومن خصائص الجينات الّتي تنقل عبرها كلّ المعلومات الوراثيّة الخاصّة بتكون الكائن الحيّ، هو أنّها لا تهرم. فاحتمالات وفاتها وهي في عمر المليون، لا تفوق احتمالات وفاتها وهي في عمر المائة، إنّ الجينة تقفز من جسد إلى آخر عبر الأجيال، وتتلاعب بالجسد تلو الآخر على طريقتها ولأغراضها الخاصّة، فتغادر سلسلة من الأجساد الفانيّة المتعاقبة قبل أن تغرق هذه الأخيرة في مستنقع الشّيخوخة والموت، لتنتقل إلى الجيل التّالي. إنّ الجينات وفق تعبير العالم البيولوجيّ الكبير (ريتشارد دوكنز) خالدة، لا تتلاشى بفضل العبور التّبادلي، بل إنّها بالكاد تستبدل شركائها وتمضي قدماً. هي بالطّبع تمضي قدماً لأنّ هذه وظيفتها. فهي المتضاعفات ونحن آلات البقاء. وعندما نحقق الغاية منّا، نُلقى جانباً. لكنّ الجينات تسكن الزّمن الجيولوجي، وهي تعيش إلى الأبد لا سيّما وأنّها تبرع (الجينات الجيّدة) بتأمين ما يلزم للنّجاح ضمن الاصطفاء الطّبيعيّ، أي تبرع في بناء آلات البقاء، فيكون لهذه الجينات الجيّدة تأثيرها على النّمو الجنيني لكلّ جسد توجد فيه، بحيث أنّ احتمالات بقاء هذا الجسد وتوالده تفوق بعض الشّيء ما يمكن أن تكون عليه الجينة المعاكسة لها، مثلاً: يمكن للجينة الجيّدة أن تضمن بقاءها عبر وهب الأجساد المتعاقبة الّتي تحلّ فيها قوائم طويلة تمكّنها من الهرب من الحيوانات المفترسة، وهكذا …..

هناك إذاً تجانس مدهش في الشّفرة الوراثيّة لدى كلّ الكائنات الحيّة من البكتريا إلى النّباتات إلى الحيوانات. إنّ القاموس الوراثي لديه 64 كلمة من كلمات الDNA كلّ منها من ثلاثة أحرف. وكلّ كلمة من هذه الكلمات لها ترجمة دقيقة في لغة البروتين (إمّا حامض أميني معيّن أو علامة ترقيم) وبالتّالي فإنّ كلّ كائن حيّ، مهما كان درجة اختلافه عن غيره من الكائنات الأخرى الحيّة، إلاّ أنّه على مستوى الجينات يتكلّم بما يكاد يكون نفس اللّغة الوراثيّة بالضّبط. إنّ الشّفرة الجينيّة عامّة، كونها منحدرة من جدّ مشترك واحد، وربّما كانت هناك ذات مرّة كائنات حيّة أخرى استخدمت لغة وراثيّة مختلفة، ولكنّها لم تعد موجودة معنا ضمن آليّة الاصطفاء الطّبيعي، وكلّ الكائنات الحيّة الباقية قد انحدرت من جدّ واحد قد ورثت منه ثاموساً وراثياً، وهو وإن كان تعسفياً إلّا أنّه يكاد يكون متطابقاً بمحدّدات الكلمات الـ 64 للـ DNA.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This