سيرورة “دين الإنسان” من افتراضات الكهف إلى احتمالات الكوانتم

قراءة في كتاب "دين الإنسان" للمُفكّر "فراس السّوَّاح"

 

سيرورة دين الإنسان، الّتي أبَتْ أن تحدَّها صيرورة نهائيّة، عبر تاريخ الإنسان العاقل؛ هي الوجه التّأويلي للبحث عن الحقيقة. والحقيقة تبعا لـ “وِل ديورانت”: ” تُغيّر أثوابها دائما، مثل كلّ سيّدة، ولكنّها وراء العادة الجديدة، تبقى دائما كما هي”[1] تُغيّر أثوابها، ولكنّها لا تتعرّى لأحد، وتبقى مُستترة بذاتها، عصيّة على عيون الفهم. فإذا حاول الإنسان الإمساك بها ليمتلكها وليطفئ نار رغبته ويستكين، تراها تُفلِت من بين أصابعه، تاركة له مجرّد ثوب؛ مُتمايز عن جوهرها، “نسبي” في خامته، ولسوف تبلى الخامة لاحقا، بفعل عامل الجدل. ثمّ ليعاود الإنسان البحث عن الحقيقة، إلى أن يعثر لها على ثوب جديد. حتّى صار هناك من يقتني الثّوب، زاعما بامتلاكه، امتلاك الحقيقة نفسها؛ ذلك هو تاريخ مُعتقد الكائنات العاقلة.

ماهيّة ذلك المُعتقد عبر التّاريخ، هو ما يتناوله المُفكّر السّوري “فراس السّوَّاح” بين دفتي كتاب واحد. وعادة ثمّة هاجس يراودنا، عندما نختار كتابا مّا لقراءته؛ ماذا يعني أن نقرأ؟ أو لماذا نقرأ؟ لا شكّ بأنّ فعل القراءة يجب أن يمنحنا على الأقلّ، أحد أمرين؛ المُتعة أو الفائدة. لا بل حبذا لو تحقّق كلا الأمرين في كتاب واحد، وبذلك يكون القارئ قد جنى المعرفة والمتعة في آن، وهذا ما يجتهد المجتهدون من الكتَّاب لتحقيقه، ومن القرَّاء لتحصيله وقراءته. أمّا أن يقرأ المرء كتابا، لا يكتفي بتحقيق هذين الشّرطين فحسب، بل يتعدّاهما لأن يأخذ القارئ إلى فضاء من الدّهشة، فذلك ما لا يمكن توفّره إلّا في النّدرة من الكتب.

كتاب (دين الإنسان؛ بحث في ماهيّة الدّين ومنشأ الدّافع الدّيني) للمُفكّر السّوريّ “فراس السّوَّاح” الصّادر في طبعته الأولى منذ تسعينات القرن الماضي، والمتوفّر بين أيدينا في طبعته الثّامنة (2017) هو نموذج للكتب “العربيّة” النّادرة، الّتي تذهب بالقارئ إلى أبعد مّما كان يحتسب، وتمنحه أكثر ممّا كان يتوقّع من مجرّد قراءة كتاب واحد؛ إذ ينحو بالقارئ إلى منحى، يبدأ بمجرّد المتعة والتّشويق، ليستمرّ بعد ذلك في رحلة معرفيّة سخيّة، تمتدّ ما بين رهبة لقاء الإنسان البدائيّ، بتفاصيل كهفه وتفاصيل القبور الّتي يدفن فيها موتاه، عندما كان قد بدأ يُرَّتب أبجديته الرّوحيّة الأولى، كمحاولة لتهجئة مفهوم الإله غير المُشخَص. وصولا إلى “ميكانيك الكمّ” حيث يُترَك القارئ هناك وحيدا، في مواجهة مع رهبة العلم، وهو يفتح نافذة تأويليّة، تُطِل على الميتافيزيقا. وفي “محنة الكوانتم” يميل العلم والدّين والفلسفة إلى التّآخي، بشكل افتراضي؛ وذلك من مبدأ احترام “الحقيقة”. ثمّ يبدؤون بالتّهامس والتّحاور، كمحاولة للوصول إلى مفهوم توافقي، حول مفهوم “الحقيقة”؛ تلك “الحقيقة” الّتي كان الإنسان القديم يبحث عنها بتجرّد، ثمّ جاء من شخَّصها، وادّعى بأنّه امتلكها، لتأتي الفيزياء الحديثة بعد ذلك، وتضع مفهوم الحقيقة في ورطة، ولتبدأ بإعادتها إلى مفهومها التّجريديّ، الّذي كان الإنسان البدائي قد حاول تهجأته؛ بمعنى القوّة السّارية في الكون والُمتغلغلة في كلّ شيء… وبهذا تكتمل الدّائرة.

تبدأ “حكاية” دين الإنسان بثلاث تجارب روحيّة مُجرّدة من الطقّوس، كان الكاتب قد عايشها في طفولته وشبابه؛ وذلك عبر سرد، هو أشبه بالحبكة الرّوائيّة المُشَّوِقة، الّتي تُذكّرنا بطريقة الرّوائيين الكبار في السّرد، أمثال “ڤيكتور هوغو” الّذي يبرع بخفّة في تشويق القارئ؛ عبر إشغاله بملامح غامضة لشخصيّة محوريّة في الرّواية، ولكنّ الشّخصيّة تغيب لوهلة، ثمّ تعود لتطفو فجأة على السّطح بتفاصيلها الجليّة، في موقع لاحق من النّص، ممّا يُسبغ على الحكاية بُعدا تشويقيا، يُحَفّز الخيال ويُطلقه في فضاء من الإثارة. ومن هنا يلج الكاتب عتبة بحثه، ليطرح سؤالا حول تلك التّجارب الرّوحيّة الثّلاث الّتي عايشها؛ هل كانت فعلا تجارب دينيّة؟ ولكن إذا لم تكن كذلك، فماذا تكون؟ وإن كانت كذلك، فما هو الدّين؟ لينتقل فيما بعد، لإشراك فاهمة القارئ، في محاولته لإيجاد تعريف للدّين، عبر الاستشهاد بما اجتهد به العديد من الفلاسفة والمفكّرين لتعريف الدّين. وهنا يبدأ القارئ بالتّنبه إلى الغزارة المعرفيّة الّتي يتحلّى بها الكاتب، وإلى الجهد الدّؤوب والرّصين الّذي يتمّ بذله، للإحاطة بالفكرة المُتناولة من كافّة جوانبها، بكلّ صرامة وموضوعيّة، وذلك ما يستمرّ حتّى آخر صفحة في الكتاب، بحيث يأبى الكاتب أن يتناول موضوعا دون استنهاض جميع أبعاده الكامنة، واستنطاقه من كافّة جوانبه، وصولا إلى سبر أغواره والنّفاذ إلى ماهيته العميقة.

المُفكّر “فراس السّوَّاح” يُقدّم الإنسان على أنّه “كائن مُتديّن” حتّى أنّه يربط ابتداء الحضارة الإنسانيّة، بظهور الدّين إلى جانب التّكنولوجيا، ويُرجِع سبب كلّ ارتقاء فكري وروحي للإنسان، إلى البوادر الدّينيّة الأولى؛ وذلك عندما كان الدّين أشبه بطفل بريء، يحاول مُقايضة معارفه البدائيّة عن الطّبيعة، بِرِضى ما وراء الطّبيعة، حيث لم يكن قد رُكِن “هناك في البعيد” أي وثن بعد. والكاتب هنا لا يقَّدِم حقائق جاهزة، أو نتائج لتأملات ذاتيّة، بل يطرح على القارئ مجرّد فرضيات، ثمّ يأخذه من يده في رحلة “أركيولوجيّة” للتّجوال والمعاينة، ولرؤية “ظلال الميتافيزيقا” في مدافن الإنسان البدائيّ، وما يُرافقها من طقوس وأدوات، ويأخذه إلى عمق الكهوف القديمة، وإلى ساحات المعابد، لمعاينة ما فيها من تماثيل ورسوم ورموز، ومن معانٍ كامنة يُمكن استنباطها، بتجرّد وموضوعيّة. ثمّ ليسير معه بعد ذلك بالتّوازي مع عتبات تطوّر الإدراك البشري لمفهوم الإله، وليُظهر له المطبّات والانتكاسات والوثبات الّتي مرَّ بها وعي الإنسان، على عتبات ذلك التّطور، بدءا من ولادة الظّاهرة الدّينيّة لدى الإنسان العاقل، منذ غابر الأزمان، مرورا بديانة العصر الحجريّ القديم (الباليوليتي) والعصر الحجري الحديث (النيوليتي) وظاهرة السّحر لدى الإنسان البدائيّ، ثمّ ليسوق أمثلة عن دياناتٍ من إفريقيا والشّرق الأوسط والشّرق الأقصى والهند وقبائل الأستراليين القدماء والهنود الحمر وشعوب شمال أوروبا، من دون أن يفوته التّنويه “لنظريات في منشأ الدّين”؛ كالآليّة النّفسيّة والذّهنيّة مثلا، الّتي تمّ من خلالها تحويل مظاهر الطّبيعة إلى آلهة. ومن دون أن يَشّحّ على القارئ بمختارات من الأساطير الشّيّقة المُثيرة، والّتي تأتي دائما في سياقها؛ كقصّة زواج إله الخصب السّومري “تموز” من الآلهة “إنانا” حيث أنّ “سعادة الإله لا تدوم طويلا، ولا يلبث أن يموت في الصّيف وتجرّه العفاريت إلى العالم الأسفل، فتُقام عليه المناحات في طول البلاد وعرضها”. وكذلك قصّة الآلهة “هيل” الّتي كانت تُدير شؤون العالم السّفليّ في معتقدات شعوب الشّمال قديما، وكيف أنّ كبير الآلهة “أودين” قد أخذ منه الموتُ ابنَه نحو العالم السّفلي، فأبت “هيل” إعادته إلى عالم الأحياء، إلى أن يبكيه كلّ من في الأرض، ثمّ كان لها ما أرادت، فقامت مناحة في طول الأرض وعرضها لاسترداد ابن كبير الآلهة، باستثناء عجوز كانت تأوي إلى مغارة، أبت أن تبكي عليه، ليخسر الإله الفتى فرصته الوحيدة للخلاص من العالم الأسفل، ثمّ ليتّضح بعد ذلك، بأنّ تلك العجوز، لم تكن سوى “هيل” نفسها.

يُنَّوه الكاتب منذ البداية، بأنّه سينهج النهج الفينومينولوجي (الظاهراتي) في بحثه عن ماهيّة الدّين؛ بمعنى الطّريقة الوصفيّة في البحث الّتي تشغّل مكان الوسط بين الفلسفة والتّاريخ، من دون فرض الأحكام أو القيم، ومع تجنّب الانزلاق في الإرجاعيّة / السّيكولوجيّة، الّتي انتهجها “سيغموند فرويد” مثلا، والّذي اعتبر الدّين بأنّه يُمَّثل حالة طفولة الجنس البشريّ، حتّى أنّه ذهب بعيدا، لدرجة اعتبار الدّين ظاهرة عُصابيّة. بينما نجد أنّ الكاتب أقرب إلى نهج “كارل غوستاڤ يونغ” الّذي يؤكّد على أهميّة الوظيفة النّفسيّة الكبيرة لما ما يُمكن أن نُسمّيه “دين العامّة” المُترافق مع المعتقد والطّقوس، المُنظّمة تنظيما مكينا، كبديل عن تعريض النّاس، لخطورة التّجربة المباشرة في مواجهة المُقدّس. وتحديدا لأنّ الدّين، كما يعتبره الكاتب، سمة متأصّلة في الفكر الإنسانيّ، وليس مُجرّد مرحلة منقضية من تاريخه. وهذا ما يُجدّد التّأكيد، على أنّ فراس السّوَّاح، صاحب الخلفيّة الرّوحيّة الثّريّة، والّذي عرفناه منذ “مغامرة العقل الأولى” لم يكن يحارب الدّين، وإنّما كان يحارب الوثنيّة في الدّين؛ فالدّين من منظور كاتبنا ليس وهما، والمؤمن ليس واهما في إحساسه بوجود قوّة أعظم منه تضمّ الوجود إلى وحدة متكاملة، وبما أنّ الكاتب يعتمد مفهوم “الحدّ الأدنى للظّاهرة الدّينيّة” بمعنى أنّ الحدّ الأدنى الاعتقادي هو واحد، وموجود في جذور الأديان جميعا، في كلّ زمان ومكان، فهذا يعني بأنّ جميع الدّيانات تقف على قدم المساواة في خامتها الأصيلة، حيث لا وجود لأديان حقيقيّة وأخرى زائفة، أو لأديان راقية وأخرى مُنحطّة.

يُمايز الكاتب في بحثه، ما بين الدّين الفرديّ والدّين الجمعيّ والمؤسّسة الدّينيّة. فأمّا “الدّين الفردي”؛ فهو الّذي ينتج عن الخبرة الدّينيّة الفرديّة، الّتي تتأتّى عبر الاستبطان والمعايشة الذّاتيّة، من دون أن تخضع لأيّ موقف عقلاني أو منطقي أو رؤية مسبقة، كالّتي عايشها الأنبياء والمتصوفة والشامان. وأمّا “الدّين الجمعي”؛ فهو ذلك الّذي يتأتى عندما يتمّ تعميم التّجربة الفرديّة بعد البوح بها للجماعة، أو عند إسقاط التّجربة الذّاتيّة على المحيط، لتتجلّى على هيئة موضوع، بعد أن تعجز الذّات الفرديّة عن الكتمان، لفرط غزارة ما عايشته. وأمّا “المؤسّسة الدّينيّة”؛ فهي بنيّة اجتماعيّة حديثة نسبيا في تاريخ الحضارة الإنسانيّة، حيث أنّها تزامنت مع حضارة المدينة وارتبطت بنشوء مؤسّساتها، تبعا للكاتب.

أمّا بنية الدّين؛ فيقَّسمها الكاتب إلى مُكوّنات أساسيّة، ومُكوّنات ثانويّة. والمُكوّنات الأساسيّة؛ هي أشبه بالأوكسجين الّذي كان الدّين يحتاجه، لكي تُكتب له الاستمراريّة، ولكي ينشأ ويتجذّر في وجدان النّاس؛ كالمُعتقَد والطّقس والأسطورة. وأمّا المُكوّنات الثّانويّة؛ فهي الأخلاق والشّرائع. وهنا يسوق الكاتب أمثلة (من منطلق الواقع التّاريخي للدّين) عن ديانات لا تنسب الأخلاق للسّماء، أو عن ديانات أخرى لا تسمح لـ “اللاّهوت” بالتّدخل في شرائعها الأرضيّة. ليسير بنا بعد ذلك نحو الدّيانات الشّموليّة، حيث يُفَّرق ما بينها وما بين “ديانة القوم” الّتي تعتمد النّسبيّة في فهم المُقدّس، وتقوم على التّعايش مع معتقدات الآخر، لدرجة أنّ النّاس قد يعبدون آلهة جيرانهم، حتّى ولو أتوهم غزاة. أمّا الدّيانة الشّموليّة؛ فتلك الّتي لا تستطيع التّعايش مع معتقدات الآخرين دائما، كونها ديانة تُقّدم نفسها على أنّها المُعتقد الصّحيح حصرا، والّذي يمتلك الحقيقة المُطلقة، وعادة ما تنبثق تلك الدّيانة من تجربة دينيّة لشخص بعينه، وهذا ما كان قد أسماه الكاتب بالدّين الفرديّ، الّذي يتمّ تعميمه ليُحدِث بعد ذلك ما يُشبه الثّورة على المفاهيم السّابقة.

قبل أن يختتم الكتاب، يكمل الكاتب جولته مع قرَّائه، ولكن في هذه المرّة، يأخذهم في رحلة ليست قصيرة، إلى العالم “ما دون الذرَّي” يَعِدهم ببعض العناء ويطلب منهم الصّبر، ثمّ يَبْسطُ أمامهم “النّظريّة الكوانتيّة” ككتاب مقروء، من دون أن يبخل عليهم بالمراجع العلميّة والرّسوم والأشكال التّوضيحيّة، الّتي تُبَّسط للقارئ آليّة سلوك جزيئات المادّة وكيفيّة حركتها، إلى درجة تجعل القارئ يتساءل في البداية، عن المعنى من وجود فصل كامل يتحدّث عن قوانين نيوتن ونسبيّة أينشتاين وإنجازات الفيزياء الحديثة، في كتاب مُعَنوَن باسم “دين الإنسان”. ولكنّه سرعان ما يدرك، بأنّ “الحكاية” واحدة، وبأنّ الكوانتم هو فصل أساسي من فصولها، حيث تحضر الفلسفة من وراء السّتار، لتُشرف على إدارة مشهد في غاية الإثارة، يدخل فيه الدّين “الرّوحاني” والعلم في حالة تكامل لا تفاضل؛ فالوجود مُتعدّد في مظاهره، ولكنّه “واحد” في جوهره وفي كليّة عناصره، وهو في ماهيته الأساسيّة والعميقة، أشبه بنسيج مُحكم من حوادث مترابطة متداخلة، كقوّة كلانيّة واعية. بمعنى أنّ ثمّة “وعي” يتغلغل في الوجود، بكافة موجوداته؛ فجزيئات المادّة تتّسم بالوعي والقدرة على التّواصل وتبادل المعلومات فيما بينها، بشكل آني يخرق المطلق الوحيد في عالم الفيزياء، والّذي هو سرعة الضّوء، تبعا لما رصدته فيزياء الكمّ… أمّا بعد، فإنّ العلم لا يستطيع أن يذهب أبعد من ذلك، فيصل إلى حافة الصّمت، لتُحال القضية بعد ذلك إلى فضاء التّأويل.

أمّا نحن، فيبدو أنّنا ذوات مُبدعة أكثر ممّا نعتقد؛ إذ أنّنا لسنا مجرّد ممثلين عابرين على مسرح مُكتمل الصّفات والتّكوين، لأنّ وجود المسرح مُعّلَق أصلا في فضاء من الاحتمالات، وإدراكنا له هو “ضرورة” تجعله يقفز إلى عتبة الوجود، فالطّبيعة تُولَد من رحم إدراكنا لها، لتتجلّى. ولكنّ إدراكنا مشروط بِمَيل الطّبيعة إلى الوجود؛ فالذّات والموضوع في عالم الكوانتم، متداخلان متعالقان، والوعي والمادّة متلاحمان في عالم تشاركي، لا غنى فيه لأحدهما عن الآخر، فإذا غابت الذّات تلاشى الموضوع، وإذا غاب الموضوع، تلاشى إدراك الذّات. وهكذا فإنّ الوجود “ينحو” لأن يكون موجودا، وإدراكنا هو الّذي يحسم الجدل، ويمنحه المصادقة لكي يوجد، لا بل أنّ “الوجود غير موجود” تماما، دون وجود ذات مُدرِكة له، والحكاية كلّها مجرّد سيرورة احتمالات، صيرورتها محكومة بتأويل الإدراك، وما عدا ذلك، فإنّ الأشياء ليس لها وجود حقيقي بذاتها، وليس هناك جوهر مادي أصلا، ليعتصم الوجود المادي به، وما الأشياء سوى ظلال في ظلال و”النّاس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا”[2]

في كتاب “دين الإنسان” يلجّ السّوَّاح بحثا معرفيا مترامي الأطراف، ولكنّه يعرف جيّدا متاهات الطّريق؛ فلا يَتوه ولا يُتيه، يسلك أقرب الطّرق نحو البعيد، من دون إكراه للوقائع التّاريخيّة، ومن دون مماحكات مجانيّة مع أي من الحقائق الّتي يمُرّ بها. هو يُخرِج الحقائق من مكامنها التّاريخيّة بكلّ تؤدة وصبر، ثمّ يَبْسطها بكلّ أمانة وتجرّد. يطلّ عادة من وراء السّطور بكلّ أناقة، لينَّبه القارئ إلى مغزى الحكاية، ولكنّه لا يُجادل أحدا في دينه ولا يُسّفِه أي مُعتقد. كلّ هذا ينساب ضمن شموليّة  في الرّصد وموضوعيّة صارمة في البحث، والأهمّ من كلّ هذا؛ عمق في التّناول، ممّا يجعل من كتاب “دين الإنسان” لوحة تثير الدّهشة في تناغمها، وكسبا معرفيا هامّا، ليس للمكتبة العربيّة فحسب، وإنّما للإنسانيّة كذلك.

******

[1] وِل ديورانت: قصة الفلسفة من أفلاطون إلى جون ديوي، ترجمة: د. فتح الله محمد المشعشع، مكتبة المعارف، بيروت، الطبعة الأولى 2004 ص 42.

[2] ثمّة خلاف حول مرجع تلك العبارة، فهناك من يعتبرها حديثا نبويا، وهناك من ينسبها إلى الإمام علي بن طالب.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This