وجبةُ كورونا السَّاخنة: جَرَسُ يقظة

لا أريدُ لهذا الحَجْر أن ينتهي. لا أحتاجُ إلى شيء. أشتاقُ إليّ كلّ لحظة. رُبّما عِشتُ ما يكفي في عُزلة عن النّاس – ومع النّاس – وعندما جاء الحَجْر الصِّحي لم يكن غريباً عن طقوسي اليوميّة. أنا لستُ اِنطوائيّة ولستُ اِنبساطيّة. أنا بينهما. اكتشفتُ متأخّرةً أنَّ الحُلمَ بعدَ أن يتحقّق قد يصبحُ شوكةً في الخاصِرة ولذا أفضّلُ الحَجْر على دفعِ حَجَرِ سيزيف الّذي سيهبطُ إلى أسفل كلَّ مرَّة. نعم أفضّلُ الحَجْر إلى أن أخرجَ مِن هذه القوقعة …

وبعدَ الخروج ماذا؟ لا أريدُ أن أتعِبَ نفسي وأتعبكم بالأسئلة الميتافيزيقيّة الّتي لا جدوى منها. هُنا الحَجْر وكفى.

أفضّلُ الحَجْر على الزّحف وراء لقمةِ العيش المَمزوجة بالذلّ واليأس وشعوري بالقرَف من هذا الوجود البشريّ على سطح هذا الكوكب الجميل.

أفضّلُ الحَجْر فتكرمُني الذّاكرة بشتّى أنواعِ الصّور لكلّ مَن سكنَ الكهوف واِلتحفَ أعالي الجبال من نُسّاك ورُهبان ومُتسوّلين ودراويش. هل هي خُدَعٌ قديمةٌ لمُخَدّرات ذهنيّة نلوكُها كُلّما انقطعتْ عنّا سُبلُ الحياة؟ رُبّما.

يقولون يجبُ أن تعودَ الحياةُ إلى طبيعتها. وهنا أسألكم ما هي هذه الطّبيعة؟ هل تكمنُ بتحقيق أحلامنا ببناء أسرَة؟ بالحصولِ على منزل أو فيلا أو شهادة جامعيّة أو بالسّفر إلى الخارج أو بالعمل أو بتكديس الأموال في حسابٍ مَصرفي؟ تطولُ قائمةُ التّصّورات الذّهنيّة والخُدَع البَصريّة الّتي تُحرّضَ الحُلم على الخروج من سُباته. نتركُ لها البابَ مفتوحاً لتلهو بنا ونلهو بها. وبعدَ أن تتحقّق نضعها مثل عملة نقديّة في حَصّالة وجودنا الطّفوليّة بفخرٍ، بكثيرٍ من الفخر، وندمِنُ اللّعب ونتلذّذ بنشوتها الزّائفة. نرسمُ مساراتها لكنّها في الحقيقة هي اّلتي ترسمُ مساراتنا. أرقامٌ شهيّة تُضافُ باحتراف أو بقلّة احتراف إلى رصيدنا مِن المَجهول.

أريدُ لهذا الحَجْر أن يستمرّ فالهواءُ أصبحَ أنقى والرَّبيعُ أشهى بينما يستمرُّ البشرُ بالإقتتال لأجل السّلطة. تخيّلوا أنّهم في زمن الوباء يجدونَ وقتاً لحروبهم السّخيفة الرّعناء للقتل لسفكِ الدّماء. أعودُ إلى الهواء النّقيّ الّذي أخذ يملأ رئتيّ بفضل هذا الحَجْر وأمطار اليوم الّتي غسلتْ أرضَ مدينتي وقدَمَيّ وأردّدُ في نفسي … يا ليتَ هذه المواصلات العامّة تتوقّف عن العمل إلى الأبد! ولكن كيف لبلدٍ دمّرته الحرب على مدى تسع سنوات أن يخرجَ بخطّةٍ للحفاظِ على البيئة أو إنقاذها؟ ترَف فكري بالطّبع.

نعم أحسدُ أهالي الجبال على السّكينة في صومعاتهم وأديرتهم النّائية البعيدة.

هل اختلفتْ حياتي قبل الحَجْر وبعده؟ نعم ولا. أصبحتُ أكثر تنظيماً وهدوءاً. أمتلكُ الكثيرَ من الوقت لأفعلَ ما أشاء وقت أشاء. هل قيمة الإنسان بالعمل؟ ماذا إذا كان هذا العمل لا يساوي شيئاً؟

بطبيعة الحال – حال العُزلة والتّأمّل والتّنفّس الواعي – دخلتُ كلَّ يومٍ إلى الصَّمت العميق حيث لا أسئلة ولا أجوبة. لكن كما ترون ها هي الأسئلة تعودُ من جديد ربّما لأنّي أشعرُ باقتراب خروجنا من الحَجْر وما سينتجُ عنه من التزامات سخيفة وأحكام وتصوّرات وقلق من الغد القريب والبعيد.

أعودُ إلى أنفاسي … أُمنّي النّفْسَ بأنّ الحَجْرَ لم ينتهِ بعد وابتسم. نشرةُ الطّقس الّتي كنتُ أرقبها كلّ يوم لم تعد تعني لي شيئاً ولا حتّى السّاعة ولا التّاريخ. ما الفائدة الآن من مُستحضرات التّجميل والعطورات وصبغات الشَّعر الّتي لم أعد استخدمها في الحَجْر؟ ليس هذا وحسب بل تركتُ الشَّعر يفترشُ بشرتي البيضاء ويغزوني بمستعمراته المُتفرّقة هنا وهناك. هذا الشَّعر كان يذكّرني كلّ يوم بحظرِ التّنقل وانعدام إمكانيّة رؤية الحبيب. كانت أحذيةُ الكعب العالي الّتي اعتدتُ ارتداءها للإثارة تأنُّ من الوحدة. دُفعةً واحدة سقطتْ جميعُ الأقنعة ولم أعد أبالي بشيء. خرجتُ من سيناريوهاتهم وتصوّراتهم عن الأنوثة والموضة ودخلتُ في نصّي ورحتُ أرسمُ بريشتي لوحتي “الجديدة”. وجدتُ أخيراً أنّ أظافري دون مانيكير (طلاء الأظافر) أجمل وأقوى وأنّ الجسد لا يحتاجُ إلى زينة وثياب مُثيرة لإيقاظ الشّهوة وأنّ بإمكاني احتمالُ مُستعمراتِ الشَّعر هذه لفترة أطول.

مُتّسعٌ من الوقت للقراءة والكتابة ومُمارسة اليوغا. مُتّسعٌ من الوقت لفعل أشياء مفيدة وأشياء أخرى سخيفة دون قلق وتأنيب ضمير. (هذا لا يعني أنّي لم أكن أقوم بأشياء سخيفة قبل الحَجْر. بلى فعلتُ الكثير من السّخافات ولم تخزني سوى إبرةُ الجّراح.) مُتّسعٌ من الوقت لأرشفَ فنجانَ الشّاي أو القهوة على مَهل. مُتّسعٌ من الوقت لأكون أنا الشّاي والقهوة. وداعاً، وداعاً لكلّ شيء بنيناه قبل الحَجْر وأهلاً بمحارم ورق التواليت. يا لها من بداية مُثيرة بالفعل (لنظام عالمي جديد؟). كم نحنُ مُضحكون ومُثيرون للشّفقة!

“الأسعار ترتفع كلّ يوم.” كانت هذه العبارة الوحيدة الّتي تذكّرني بالواقع وأريدُ أن أنساها هي الأخرى – الجّوعُ أشدُّ إيلاماً من عِزرائيل بالنّسبة لعامّة النّاس – ليس لأنّ الكيك متوفّرٌ عندي بدلاً من الخُبز. كلّا. “البندورة بتسعمئة ليرة سوريّة.” هكذا كانت المانترات الّتي ردّدها ويردّدها السّوريون هنا كلّ يوم. “الجوع كافر.الجوع قاتل.” نشراتُ كورونا من الوفيّات الّتي لا تختلف عن غيرها من النّشرات أصبحتْ أمراً اعتياديّاً. انتظرناها كلّ صباح مثل وجبة الإفطار وبعدها كنتُ أشعرُ بالشّبع. تُخمةُ ما بعد المُشاهدة. هل حدث ذلكَ معكَ من قبل؟ جرّاء مشاهدتك لنشرات الأخبار السّاخنة؟ انقطاع الشّهيّة من التّعبئة بطاقة اليأس وفقدان الأمل وانعدام الجدوى من حدوث تغيير ما لهذه البشريّة. هذه بضعُ ذبذباتٍ تخترقُ أبداننا وأذهاننا كلّ يوم ولهذا ما الفائدة من التّواصل والاتّصال؟ هل هذه الحقيقة الّتي نودُّ بالفعل العودة إليها بعد الحَجْر؟ لا تنسى الحرب فطبولها تُقرع باستمرار ونتوالدُ مُصطلحاتها وتتوالدنا. نجترّها كلّ يوم في مَراعينا المَحروقة وبيوتنا المُهدّمة ومُدننا المَسروقة ونفوسنا المُحطّمة. يريدونَ العَودة إلى حياتِهم الطّبيعيّة أمّا أنا فأريدُ الإنفصال. عن أيّ حياةٍ طبيعية يتكلّمون؟ أعطي نفسي الحقَّ في تطليق نفسي كلّ يوم لأعودَ لها. تحيطُ بنا مانترات من كلِّ حدبٍ وصوب ولنا أن نختار على أيّ توليفةٍ نشدو نشيدَ وجودنا على هذا الكوكب. أردّدُ دونَ وعيٍ منّي “ليس بالخبزِ وحدَه يحيى الإنسان” رُبّما في مُحاولةٍ لإيجاد مركزي من جديد. ثمّ تخرجُ من أعماقي مانترا قديمة أخرى تقول “أعطِنا خبزنا كفافَ يومنا” وثالثة “لا تهتمّوا للغد لأنّ الغدَ يهتمُّ بما لنفسه.” وهكذا تتوالى المانترات. أتذكّرُ فجأة أنّي جائعة. لا تعرف كيفَ تُخرجُ نفسكَ من كلّ هذا التّشويش الّذي تزدادُ وتيرته كلّ يوم. تضعُ رأسكَ في البرّاد وتَخرجُ بطبقٍ من الطّعام. أطفىءُ التّلفاز لأخرجَ من دائرة الأوبئة والحروب الّتي لا تنتهي. أعزّي النّفسَ بالطّلاق وأبتعدُ عن وسائل التّواصل الاجتماعيّ لأنّي لا أريدُ لهذا الجّوع أن يستمرّ.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. مريم

    كل الشكر والتقدير وتمنياتي لك دوام التوفيق على كتاباتك المتألقة.

أضف تعليق

Share This