الفهلويّ أو قَلق البساطة المركّبة

محمّد صلاح راجح في مجموعته القصصيّة المجموعة القصصيّة "يبقى وحيدًا"

قلق الكتابة

“في حضرة الكتابة لا يمكن أبدًا أن أجعل معها أندادًا من الفنون الأخرى، أو حتّى الحواس، فلا أستمع إلى موسيقى، أو أرى أحدًا، أو أشرد عنها، يكون الواقع باهتًا جدًّا أو غير موجود، تتملّكني العصبيّة، حتّى يجيء اللّيل ويفرد عباءة صمته على كوني، فأذوب تمامًا لأتوارى خلف الإصغاءات، وليس هذا بالأمر السّهل أبدًا، خالقًا عليه أن يكون كلّ خلائقه! أكون الجميع، أكون الشّوارع واللاّفتات، أكون الأرصفة، أكون الحواس ذاتها، أكون هي وهو وهذا وهذه وتلك وذاك، القدر والمقدور عليهم والمقدَّر لهم. عندها أعرف أنّني سأنجح”.

هكذا يلخّص الرّوائيّ والقاصّ والسّيناريست المصريّ محمّد صلاح راجح، صاحب رواية “مرسال”، مفهومه للكتابة ويقدّم نصوصه القصصيّة الموسومة بـ”يبقى وحيدًا” (الصّادرة عن دار أبييدي، 2019)، بصفتها رحلةً بين البساطة والتّركيب أو البساطة المركّبة الّتي تقع بين “الخلق والاندثار” ليعود هذا المفهوم حول الكتابة بصفتها وجودًا يؤسطر وجود الكاتب ويخلّد صوته وهويّته فيها حتّى النّهاية كي تبقى الكتابة، وتبقيه معها، على حدّ قول راجح.

من هنا أنطلقُ لأؤكّد أنّنا لسنَا أمامَ مجموعةٍ من النّصوص المتشابكة الّتي تسيرُ في نفسٍ واحدٍ تخوض في موضوعاتٍ اجتماعيّة وسياسيّة ونفسيّة، بِقدر ما هي بابوشكا هويّات وأصوات يتوارى خلفها السّارد، ثمّ يتوارى خلفهما الكاتب، مؤسّسًا هويّته وتعريفًا للكتابة بوصفها تخليدًا لصاحبها من جهة، وانفتاحًا على قلق متأصّل في فعلِ الكتابة كردّ فعلٍ دفاعي في وجه المَوت والوحدة وخطر التّلاشي والاندثار تحت أنقاضِ كلماتٍ قد لا تقولُ شيئًا.

هذا القلق حيال الكتابة، بين بساطتها وتركيبها، يظهر حتّى في تكرار لا ينقطع لكلمة “كتابة” على طول المجموعة: “ويد كاتب اليسار لا تتوقّف عن الكتابة، حين عرفتُ ما أريده وسلكتُ طريق الكتابة، كان الأديب يتكلّم عن ارتكاب فعل الكتابة، الكتابة كالجنس عن حبّ، انقباض وانبساط، وطء ونشوة وارتعاشة، وبرغم أنَّ ارتكاب فعل الكتابة هو العذاب بعينه، لا يمكنني التّوقف عنه..”، لنصل في القسم الثّاني إلى هذا الغزل القلِق الواضح الّذي يمارسه الكاتب تجاه الكتابة في النّصّ القصير التّالي الموسوم بـ “فعل الكتابة”:

“زمان، كان لأخي صديق واغترب، كنت أجالسهما مرّات قبل سفره، وبعدها تصادف أنّني كنت مع أخي وأصدقاء آخرين يكتبون للمغترب خطابًا، وبحكم الجلسة أعطوني القلم لأكتب له بدوري، كتبتُ عن أماكن وشوارع وطقس وذكريات، كلّها لم تحدث. كنت فقط أمارس فعل الكتابة”.

هذه مجموعة قصصيّة قاعدتها قلق تجاه الكتابة: ماذا نكتب، لماذا نكتب، وعمّا وعمّن نكتب. وهي أسئلة تطرحها حتّى الحبكات الطّويلة والقصيرة، البسيطة والمعقّدة في هذا الكتاب. هذه البساطة المركّبة المكتوبة بخفّة يد وبثقلٍ في آنٍ واحد، تعيدنا إلى مفهوم أورويل الطّافح بالقلق تجاه الكتابة وهو يروي علاقتها بها:

“تأليف كتاب هو صراع مرهق رهيب، مثل نوبة طويلة لمرض مؤلم. لا يمكن للمرء أبدا أن يقدم على شيء من هذا القبيل إذا لم يحرّكه شيطان مّا لا يمكنه مقاومته أو فهمه. يعرف المرء أنّ الشّيطان هو الغريزة نفسها الّتي تجعل صرخة طفل مثيرة للاهتمام. مع ذلك فإنّه صحيح أيضًا أنّ المرء يمكنه أن يكتب ما هو غير قابل للقراءة إلّا إذا جاهدَ باستمرار بهدف طمس شخصيته. النّثر الجيّد مثل زجاج النّافذة. لا أستطيع أن أقول بيقين أيًا من دوافعي هي الأقوى، ولكن أعرف أيّها يستحقّ المتابعة. بالنّظر إلى الوراء عبر أعمالي، أرى أنّها كانت ثابتة لا تتغيّر حيثما افتقرت إلى الهدف السّياسيّ، وأنّي ألّفتُ كتبًا ميّتة وانخدعتُ بالفقرات الأرجوانيّة، والجمل الخاوية من المعنى، والأوصاف البهرجيّة، والهراء بوجهٍ عامّ” (أورويل، لماذا أكتب؟).

والنّثر الجيّد الّذي يظهر في هذه المجموعة، هو أيضًا نثرٌ بعيدٌ عن خواء المعنى، بل حفرٌ في المعنى: ما الغياب؟ ما السّعادة المؤجّلة؟ ما الغضب؟ ما الحبّ؟ ما الوحدة؟ ما الأنا؟ ما الآخرون؟ ما الإنسان؟. يبدو أنّ هذا هو قدر الكتابة الحقيقيّة مهما اختلفَ زمانها ومهما اختلفَت تيّاراتها واتّجاهاتها، أن تظلّ تضعُ تحت مبضعها الأسئلة الكُبرى الّتي تدورُ رحاها حول الحضور والغياب والوجود والعدم والسّعادة والشّقاء والوحدة والأنا في مواجهة الذّات والعالَم. إنّها الكتابة المنفتحة على سؤال الحريّة والإنسان وعلاقاته المتعدّدة مع ذاته والّتي تتنوّع وتتلوّن متراوحةً بين الغريزيّ الحيوانيّ، والسّلطويّ الشّرير، والخيّر الجبان، والإيثاريّ المهادن، والنّرجسيّ الملحد، والعقلانيّ الهشّ، والوحيد السّعيد. وفي هذه المجموعة القصصيّة، ثمّة تناول وجوديّ فظّ للأسئلة الوجوديّة الّتي تنطلقُ من الإنسان البسيط الهلاميّ، الّذي يتّضح لنا أنّه على قدر من التّعقيد الدّائم في مستويات الأنا الهو والأنا الأعلى.

-قلق البناء

يفتتح راجح المجموعة بعتبة مكوّنة من ثلاثة اقتباسات تشكّل مفاتيح عالمه الرّوائيّ: دوستويفسكي في الرّواية، بيسوا في الشّعر، ووودي الن في السّينما. في الاقتباس الأوّل، يستدعي راجح فكرة دوستويفسكي حول تناقضاته المقلقة والوجوديّة حيال البشر والبشريّة  “كلّما ازددتُ كُرْهًا للبشر أفرادًا؛ ازدادتْ حرارة حبّي للإنسانيّة جملةً”. وفي اقتباسه الثّاني ينتقل إلى فرناندو بيسوا وانكساره اللّامتناهي: “لأجل ماذا تتطلّع أنت إلى المدينة البعيدة؟ روحك هي المدينة البعيدة”. ليغلق هذه العتبة الهامّة بوودي الن: “أتعلمين؟ لا توجد إجابة متفائلة حول قسوة هذه الحياة”.

حبّ الانسانيّة بقدر كراهيّتها، الذّات البعيدة في روحها عن الآخرين، وقسوة الحياة، تلك قواعد تشكّل مقولةً واحدة توحّد هذه النّصوص الّتي غالبًا ما يكون راويها كاتبًا، أو فنانا، أو شخصًا يحملُ قيمةَ مضافةً أخرى لوجوده على الشّخصيات الأخرى، غالبا ما تكون الكتابة أو الفنّ محورها.

يأتي راجح من هذه العوالم، من فنّ كتابة القصّة والرّواية برصانتهما كما يبدو في القسم الأوّل من هذه المجموعة، من فنّ النّفحات الشّعريّة الخالصة الّتي تتجلّى في القسم الثّاني من المجموعة، ومن فنّ كتابة السّيناريو الّذي يبدو واضحًا في هذه المجموعة من خلال منطقيّة ضمنيّة في صياغة الحوار، منطقيّة لها بلاغتها وأسلوبها الّذي يتوزّع بين المكابريّة والعبثيّة والواقعيّة والبنتاريسكيّة الّتي تعمّق الإحساس بفقدان الأمان وفقدان السّيطرة على الواقع. يركن الكاتب إلى هذا النّوع من المنطقيّة حتّى في المقدّمات في قسم كبير من نصوصه، المقدّمات المنطقيّة الّتي تُعيدنا إلى النّفس السّينمائيّ وإلى المُشاهد عوض القارىء، كما لو أنّ تبادلَ الأدوار هنا يضفي قيمةً أخرى على العمل الأدبيّ، أعطي هنا مثالين، على سبيل المثال لا الحصر:

-“حين جنَّ اللّيل، تصاعدتْ أنفاس زوجتي، أحسستُ بحركتها تتلوَّى وتستمني، سمعتها في الظّلام تهمس باسم حبيبها، حين نامت، قَبَّلْتُ قدميها، آسفًا لما سأفعله”.

-“كانت تدلي لنا أحلامنا من نافذتها، كلّ غروب، كنّا نصطف في الحديقة، أمام البناية الّتي تسكنها، سبعة لا يدرك أيّنا، لمن فينا، تلقي تلك العيون السّاطعة بنورها، لمن تشرق ابتسامتها، كنّا سبعة وكان الغروب، وهي شمسنا”.

هذه المقدّمات تُدخلنا في عالم الأفكار، أكثر من عالم اللّغة، وفي متعة السّرد الصّوريّ أكثر من السّرد الوصفيّ، يحرّرنا من ثقل ورعونة السّرد ما عد الحداثي الغارق في أحيان كثيرة في فذلكات لغويّة ومونوتونيّة الصّور النّرجسيّة الّتي تتحرّك في رحى ذاتها وذات الرّاوي لا غير. وهذا ما يضخّ دمًا في شرايين المبنى الحكائيّ ويعيدنا إلى مهارات قديمة يحتاجها كلّ روائيّ كي يكتب.

يجمع الكاتب بالذّات بين العوالم الثّلاثة البسيطة المركّبة فنّ الرّواية، فنّ الشّعر وفنّ السّيناريو، كلّ منها يشدّ أزر الآخر بإيقاعاته الصّاخبة والسّكونيّ والصّوريّة، ويحيلنا إلى نوع آخر من القلق، هو قلق البناء القصصيّ، القلق الضّروري المفتوح على سؤال استقلاليّة الذّات المبدعة عن أصوات من سبقوها، واجتراح مكان لها وسط حضور الآخرين. في كلّ ركنٍ يُحال آليًا ولا شعوريًا إلى عوالم دويستويوفسكي البوليفونيّة، إدريس ومحفوظ، لا من حيث اللّغة وشعريّة خطابها السّرديّ، المشيّد لديه ببراعة التّغليق والإغراب، بقدر ما هي انتماء إلى الإنسان وأسئلته الوجوديّة الطّافحة بالحركة من جهة، وإلى عوالم فرناندو بيسوا الطّافحة بالسّكونيّة، الشّاعر الهائم الّذي أسرَته الوحدة وأخذته الكلمات إلى الخلود وإلى المَوت في نفس الآن. وهذا يتناغم مع تقسيم المجموعة إلى قسمين وخاتمة. في القسم الأوّل تعجّ النّصوص بالحركة والأصوات ويقف الرّاوي على تصوير شخصيّاته المتعدّدة المتحاورة المكتظّة بالأحداث والأقوال والمواقف عالمٌ غنيّ جدًّا بالمشهديّة السّينمائيّة، والحوارات الغزيرة بفلسفة الرّؤى، ورواة يروون من الخارج، من الدّاخل، وعلى خطّ التّماس بينهما. هذه البوليفونيّة الغائرة في أصواتها وفي وعيها لذاتها وذات الآخرين، تشتبك بقوّة مع الواقع ثمّ تسحبه إلى ثقوب سوداء ظلاميّة تعمّق أفكار البؤس الاجتماعيّ والقمع المتجذّر عميقًا في علاقة الانسان مع محيطه، وإجهاض الأحلام المتواصل على الدّوام: الحبّ المجهض، السّعادة الّتي لا تأتي بكاملها، الجريمة الّتي لا يكتمل التّحقيق فيها، الإعدام الغروتسكيّ الّذي لا تبرّره جريمة نسيان “اسم الرّيّس”، والقسوة الّتي يعبرُ من خلالها الأبطال إلى عالم التّشاؤم كدفيئة الحياة بطبيعتها. هذا كلّه يمكن أن نختصره  في القصّة الأولى “اسم الرّيّس” الّتي يضعُ فيه الكاتب سرّ صنعة كتابة القصّة وهي تتأرجح على حبال الفهلوة السّرديّة، التّضمين السّردي، الانتقال السّلس بين دوائر الحكايات، الفكرة الأساسيّة الّتي يفقد فيها الرّاوي قدرته على تذكّر اسم الرّئيس لتبدأ رحلة العذاب والهلوسات الدونكيشوتيّة والهروب من العقاب، والانخراط في صدامات مع وعي الذّات ولا وعي الآخرين، خطر الحشود، خطر أن تكون موصومًا بخطيئة ليست خطيئة تماما، لينتهي المطاف، وبعد صعودٍ وهبوط، ومدّ وجزر يقعُ العقاب المؤجّل من البداية، عقاب نسيان اسم الرّئيس الّذي لا اسم له في الحقيقة خارج صفاته “جلالته، سيادته، فخامته، معاليه، السّيد الرّئيس، فقط، هذا كلّ شيء”. والقفلة تشتبكُ مع فكرة الواقع الظّلاميّ الّذي لا حول للفرد ولا قوّة فيه مهما اجتهد في الدّفاع وفي الهجوم:

“متهالكًا، تَمَّ جَرِّي إلى حائط في ساحة مكشوفة، شعرتُ ببردٍ ينخرُ عظامي، لم أقو حتّى على التّأوه، أخيرًا قيدوني إلى جدار، وبقوّة القيد وحده بقيتُ واقفًا، أمامي اصطفَّ عدد من الجنود، هؤلاء كتيبة إعدامي! حتّى الآن لا أصدق أنَّ هذا يحدث لي أنا بالذّات، حتّى وأنا أرقب الضّابط يتأكّد من أنَّ كلّ شيء مُعَدٌّ لإعدامي، حتّى وهو يبدأ العد التّنازلي، حتىّ حين يرفع الجنود أسلحتهم في وجهي، وأسمع الصّوت الرّهيب لشدِّ الأجزاء، حتّى وهو يعطي الإشارة، حتّى وهم يطلقون طلقاتهم نحوي. في هذه اللّحظة تحديدًا، تذكرتُ اسم الرّئيس”.

وفي القسم الثّاني، يطيرُ راجح باتّجاه روح بيسوا، الرّوح الكسيرة الشّاعرة، تلك الّتي تظلّ وحيدةً، مقدّمًا لنا 28 نصًّا قصيرا أشبه بخلاصة شعريّة أغلبها قادم في هيئة ومضاتٍ سرديّة غائرة في ذاتيّتها وطافحة بشجنِ الشّعر القريب من الإدهاش، من حكمة الشّاعر، البعيدة عن تعقيد السّرد والبنى الحكائيّ. هذه النّصوص في أغلبها، نصوص نثريّة استعاريّة رؤية شعريّة تحرّر الكلام من تركيب القصّة ومعماريّتها، وتنطلقُ حرّة باتّجاه الافصاح عن حقيقة الذّات واختلافها، في وضعها الحميميّ، هذا الوضع الّذي أقرب ما يكون الإفصاح عنه عبر الشّعر، وهنا أضع أمثلة على سبيل المثال لا الحصر مرّة أخرى:

(أبقى مُشَرَّدًا)

أبقى مُشَرَّدًا مهما سكنتُ قصورًا، وبيني وبين باب قلبك دهر وجسور… وظهرًا أدرتيه، وشعيرات تتطاير لا ترسو على وجهي، وقلم… أبى أن تلتقطه حواسي، وعصى أناملي، فبقيتُ منزويًا.

(يبقى وحيدًا)

’’يومًا مّا سأموت وحيدًا، متدثِّرًا بأوراقي وأعقاب سجائري. أصابعي منقبضة على قلمي تأبى الانفراج. ظهري مرتكن إلى لا شيء، إلى لا أحد. ستخبرهم رائحتي عني‘‘.

– هذا ما وجدوه مكتوبًا جوار الجثّة، هل تأذن سعادتك بالانصراف لأنَّ الرّائحة فظيعة؟!

متاهاتُ الشّعر ودهاليز الكلام الموجز يعيدنا مرّةً أخرى إلى ذلك الحديث عن قلق الكتابة، وعن تلك الرّوح البعيدة الّتي كان يصبو إليها بيسوا، وهي نفسها متاهاتُ القلق الّتي يعيشها الكاتب وهو يتحرّر من سطوته كمؤلّف، ويتنصّل من دور بيجماليون الّذي لعبه في القسم الأوّل، لابسًا دور بروميثيوس في القسم الثّاني من هذه المجموعة.

-قلق الوحدة

يفعلُ راجح ما يفعله في فضاء الكتابة منطلقا من قاعدة وجوديّة صلبة: القلق، القادم في هيئة عناوين النّصوص وبداياتها ونهاياتها، الّذي يتجلّى بداية وبكامل بهائه في عنوان المجموعة “يبقى وحيدًا” والّذي يشتغل فيه الكاتب على ضرورة الوحدة واستمراريّتها كشرط من وجود “الغائب”. فالبقاء، أي الدّيمومة، أي الانوجاد داخل الوجود، أي لا موت الذّات، الحركة، مشروط بصيغته الحاضرة وبحسم أمر الوحدة بصفتها مكمّلا لا بدّ منه لهذا الانوجاد. الوحدة، أي الغياب، الجمود، السّكون ووسواس الموت والسّقوط في فراغات دائريّة لمفهوم الوحدة. في هذا الجَمع بين المونوفوبيا وديمومة التّواجد  في الوجود، يتفجّر القلق والتّوتر من عالمين عدوّين: أن تكون وأن لا تكون، وأن تقف على الحديّة الفاصلة أو الجامعة بينهما. هذه الحديّة في ذاتها هي نقطة الارتكاز ومنطلق الكاتب الّتي يعبّر من خلالها عن الظّرف الإنسانيّ الّذي نعيشُ فيه جميعًا، الحديّة الّتي تعيشها البشريّة بين الامتلاء بالوجود وأشيائه، وبين الاضطراب من مونوفوبيا نعيشها كحالة يوميّة.

من هنا، نجد الاحتماء من القلق بحَشد الحركات، وحشد الأصوات، وحشد الأفعال والأحداث. هذا الحشد الّذي يضيّع ظاهريًا الإحساس بالقلق من الوحدة ورهابها، لكنّه يؤكّد لنا حضورها في كلّ كلمة وكلّ فعل.

واغتراب البطل في هذه النّصوص ليس اغترابًا استلابيًا، وليس اغترابًا انفصاليًا عن البنيّة الاجتماعيّة يؤدّي إلى خراب الرّوح وتأزيم الوحدة، هو الاغتراب الّذي تلتذّ به الشّخصيّة ويلتذّ به القارىء، لأنّه يجنّب البطل مواجهات وصدامات مع الآخر الفرديّ والجمعيّ، ويتحوّل إلى “عادة” لذيذة تجعله يواصلُ العمل والتّفكير والانوجاد داخل محيطه محافظًا على مساحة واعية وكاذبة أيًضا بين الشّخص ومحيطه في نفس الآن. أو بمعنى أصحّ، اغترابٌ يجعلُ منه مميّزًا عن محيطه ويطهّرُ عند القارء الإحساس برهاب الاغتراب، بظلّه الّذي لا يفارقه، فلا يعود الاغتراب عدوّ الشّخص، بقَدرِ ما هو النّقيضُ المكمّل للإنسان، كما هو الحال في النّهاية الّتي يرسمها الكاتب لبطل قصّة “اسم الرّيّس”، ولبطل قصّة “شطرنج”، وقصّة “ما تركوه لنا ونزلوا لأسفل” وغيرها من النّصوص الّتي تطفح بمسوخات الاغتراب وتشعّباته وأشكاله المختلفة الّتي لا تأتي بالضّرورة في هيئة اغتراب عن المكان وحسب.

هذه الكتابة تندرجُ تحت مسمّى الحداثة الجديدة Neomodernism الّتي تجاوزت ما بعد الحداثة وارتباطها بالتّعقيد والتّشظية وفقدان المعنى، وذهبت في اتّجاه الخطاب السّرديّ البعيد عن السّرد التّقنيّ إذا جاز التّعبير، أو المركّب المزخرف الفائق في الزّينة اللّغويّة والسّرديّة والتّناصيّة الشّفّافة والّذي أفقدَ الأشياء حدودها وكسر الجدار الفاصل بين الدّاخل والخارج حتّى صارَ الجميع يشبه الجميع في الكتابة تحت سقف واحد بتصميم سرديّ ما بعد حداثيّ شبه موحّد.

-عودة إلى قلق الكتابة

محمّد هو ابن العالَم الرّوائيّ الرّصين، الباذخ، المؤسّس على عمدان الرّواية الحداثيّة العالميّة والعربيّة (المصريّة تحديدًا) الّتي تربّينا عليها. وبقدر دنوّه من هذه العوالم وامتدادها في مشروعه، إلاّ أنّه ينزاح أيضًا نحو أسلوبه، الرّشيق، المترنّح بين الخطيّ الواضح، والمناور “العريض”، منتقيًا عناوينه بدقّة، وعتبات النّصوص الّتي تميّز صوته كقاصّ وروائيّ وكاتب سيناريو، وربّما أيضًا كشاعر مُضمر، يمتلك قدرةً على تشبيك الصّوت النّفسيّ الكابوسيّ بالصّوت الواقعيّ الكابوسيّ السّورياليّ، ويعرفُ كيف يصوغُ الحديّة بين التّراجيديّ والكوميديّ ومتى يجمعُ بينهما دون ابتذال. هذا إلى جانب ولع كتابة الحوار كمن يكتب سيناريو فيلم سينمائيّ أو عملا دراميا، يعتمد المونتاج واللّقطات الخاطفة والتّصوير البطيء إلى جانب رسم البدايات الدّائريّة والسّينمائيّة والمناورة والميتانصيّة، وانتهاءً بمساحة النّهايات المفتوحة على الممكن والمحتمل والمستحيل..
ألعابٌ سرديّة تركيبيّة ترغمك على مواصلة القراءة والتّلقي، تماما مثل لعبة ليغو، أحيانا كلّ شيء فيها يتمّ تأجيله للنّهاية، وأحيانا أخرى نقع في قلب نظام كامل ملؤه الفجوات وعليكَ كقارىء أن تسدّها بنفسك.
في نمط الكتابة هذا، الّذي لم يعد قائما بهذه الدّقة وهذا البناء السّرديّ الفنّي المفتوح على أصوات الآخرين، ثمّة طاقة وقدرة على حَمل واحتمال أكثر من نوع أدبيّ، من أدب الجريمة إلى الأدب الفانتاستيكيّ إلى الواقعيّة السّحريّة، والكتابة المقطعيّة، والسّيناروايّة..
ليس من السّهل أن تكونَ كاتبَ قصّة وكاتب رواية وكاتب مسرحيّة وسيناريست، وتنجح في جميعها. لكنّ هذا التّحدّي الكبير الّذي يواجه الكاتب الشّاب، يجعله صوتًا متميّزًا له خصوصيّة ستقول نفسها مستقبلا. الفهلوة الجميلة في الكتابة، هي نفسها تعبيرٌ عن القلق تجاه الكتابة، ذلك الأسلوب الجديد-القديم الّذي يفتحنا على متعة قراءة البسيط المركّب، الشّفاف الغائر في عمق الواقع وسوداويّته.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This