الدّرس الفلسفي بين النّمطيّة والإبداع

قراءة في كتاب "روح التّفلسف" للأستاذ حمو النّقاري

ينطلق الطّاهر واعزيز في كتابه “المناهج الفلسفيّة ” من مقدّمة مفادها أنّ أغلب الدّراسات الّتي تناولت تاريخ الفلسفة أو تلك الّتي اهتمّت بهاجس التّمهيد للقراءة الفلسفيّة (الكتب المتداولة كمداخل للفلسفة) تخطئ عندما تعتقد أنّها قد كشفت عن كنه التّفكير الفلسفيّ، لأنّها” لا تكشف لنا عمّا هو جوهري، وهو كيف نتفلسف؟ لا أن نردّد أفكار الفلاسفة بألفاظ وعبارات ليست بأدقّ ولا بأبلغ ممّا صاغها فيه أصحابها”.) ص7)

إنّ الرّهان الأساسي للتّفكير الفلسفيّ عموما وللدّرس الفلسفيّ على وجه الخصوص هو تربية فعل التّفكير وتعليم القدرة على التّفلسف وتعويد المتعلّمين على ممارسة آليات التّفكير النّقدي (النّقد. التّساؤل. التّحليل. التّركيب. المحاجة. تقويم الأفكار…) بدل شحن أذهانهم بأفكار وأنساق فلسفيّة؛ إذ عادة ما يقتصر على تلقينها دون ربطها بالمبرّرات الّتي حكمت الفلاسفة وجعلتهم يبلغونها. الرّهان نفسه نلفيه حاضرا في كتاب “روح التّفلسف” الصّادر عن المؤسّسة العربيّة للفكر والإبداع سنة 2017 للأستاذ حمو النّقاري، الّذي يحاجج فيه على صلاحيّة الدّعوى القائلة بضرورة الاهتمام بالآليات المنهجيّة الّتي وظفها الفلاسفة في بناء نظرياتهم والدّعوة إلى ممارستها وهذا ما يتطابق في نظره مع روح التّفلسف ممّا يجعله ينتصر للضّرورة البيداغوجيّة والدّيداكتيكيّة لمادة الفلسفة بما يتلاءم وخصوصياتها، ويقترح لذلك نموذجا لا يستهان به ولا يقلّ أهميّة عن تلك الأدبيات الدّيداكتيكيّة الّتي تستند إليها مناهجنا التّعليميّة (مقاربة ميشيل طوزي وآخرون…) فبفضله نستطيع تجاوز بعض الصّعوبات والإكراهات الّتي تُحيل بيننا وبين العمل على ترسيخ مقوّمات التّفكير الفلسفي، بل وتفرغه من جوهره ليصبح درسا تلقينيا يعتمد بيداغوجيا على شحن المتلقي بمعارف غير منقودة، معارف تعتمد على الإخبار والنّقل من رأس مملوءة يفترض فيها الإلمام بتاريخ الفلسفة إلى رأس المتعلم الفارغة دون إقحامه في عمليّة تعلمه ومساهمته في بناء معارفه فالنّموذج الوارد في كتاب “روح التّفلسف ” ينقلنا من تعليم الأفكار إلى تعليم كيفيّة التّفكير ومن تلقين المعارف إلى اكتساب آليات بناء المعارف.

هكذا يبدو واضحا أنّ الخلفيات الثّاوية وراء قراءة هذا المؤلّف هي خلفيات معرفيّة تعلميّة تجعلنا نرى إمكانيّة استفادة مدرسي مادّة الفلسفة من العُدة المنهجيّة المقترحة فيه دون إغفال أيّ عنصر من عناصره الخمسة لنستدلّ بها على كيفيّة إنجاز الدّرس الفلسفيّ. إنّ تغييب هذا الحسّ في برامجنا التّعليميّة عامة ودرس الفلسفة خاصّة يجعلنا نرتاب في مدى قدرة مادة الفلسفة على القيام بأدوارها، ويصل الأمر إلى حدّ الاندهاش بإقصاء مثل هذه الإسهامات الغنيّة في بناء مناهجنا التّعليميّة.

ولئن كانت التّوجيهات التّربويّة والبرامج الخاصّة بتدريس مادّة الفلسفة بسلك الثّانوي التّأهيلي (نونبر 2007) قد حدّدت غاية تعلّم الفلسفة بالثّانوي التّأهيلي في “تنميّة الوعي النّقدي والتّفكير الحرّ والمستقلّ. وحثَّتْ على التّحرّر من مختلف أشكال الفكر السّلبيّ (الدّوغمائيّة، التّبعيّة الفكريّة، التّلقي السّلبي للمعارف…..”(ص 4)، وإن اعتمدت على تصوّر منهجيّ يلائم الاختيارات والتّوجهات التّربويّة الجديدة يسعى إلى اكساب التّلاميذ القدرات الفلسفيّة الرّئيسيّة وهي (البناء الإشكالي، البناء المفاهيمي، الحجاج الفلسفي)، )ص9)، لذا اقترحت لهذا الغرض أنشطة تعليميّة تعلميّة تجعل من المتعلّم محور العمليّة التّربويّة ويتعلّق الأمر بأنشطة القراءة وأنشطة الكتابة (ص 11). فإنّه ممّا يعاب عليها هو سيادة طابع العموميّة وغياب خطوات وآليات عمليّة كفيلة بأجرأة قدرات التّفكير الفلسفيّ وأنشطته التّعليميّة. من هنا يكتسي كتاب “روح التّفلسف” أهميّته العمليّة والإجرائيّة إذ يقدّم توصيفا دقيقا لهذه القدرات والأنشطة؛ وقد قسم الكاتب مؤلّفه إلى خمسة فصول:

  • الفصل الأوّل: التّفلسف كـــ ” فعل “؛
  • الفصل الثّاني: التّفلسف كــ ” تجرؤ نظري ومستشكل وفاحص “؛
  • الفصل الثّالثّ: التّفلسف كــ ” بناء للمفاهيم ونسق بينها “؛
  • الفصل الرّابع: التّفلسف كــ ” قراءة وإنتاج؛
  • الفصل الخامس: التّفلسف كــ ” احتجاج وحجاج “؛

يستهلّ الأستاذ حمو النّقاري مؤلّفه بالتّمييز داخل التّفكير الفلسفي بين ” النّظريات الفلسفيّة ” و” الآليات النّظريّة “الّتي استعملها الفلاسفة في بناء خطابهم وتقريره، ويعلن انتصاره للطّرف الثّاني بدل الأوّل معتبرا إيّاه منبعَ حيويّة الخطاب الفلسفيّ وتلك الرّوح المتجسّدة فيه. فالكاتب يحُثّ، أوّلا، على التّعرف على بعض هذه الآليات حتّى نتمكّن ونقدر على ممارسة تفلسفيّة قوامها الآليات المقترحة ثانيا، ويمكننا تشخيص نموذج ممارسة التّفلسف وفق الخطاطة الآتيّة:

 

إذا كان المؤلّف قد جعل من ” الاستدلال بالتّحليل اللّغويّ والاشتقاقيّ” أوّل تجلّيات الاستدلال الفلسفي والّذي يفيد “الوقوف على” المعنى اللّغوي “للفظ من الألفاظ والنّظر في “الأصل” الّذي اشتقّ منه وفي “مادّته اللّغويّة “الّتي نحت منها وفي ” شبكته الدّلاليّة ” وفي “حقله الدّلاليّ” اللّذين يرتبط داخلهما ذلك اللّفظ دون غيره من الألفاظ الموافقة أو المخالفة” (ص 83)، فإنّنا نجده أشدَّ حرصا وانسجاما مع هذا الأمر إذ عمل على طول مؤلّفه على التّأثيل اللّغوي الدّقيق للمفاهيم والوقوف على أصولها ودلالتها المعجميّة (الفرنسيّة واللاّتينيّة).
بأيّة وسائل وآليات نتفلسف؟ (التّفلسف تناظر وتحاجج)؛
ما هي هيئة وصورة فعل التّفلسف؟ (التّفلسف قراءة وكتابة)؛
ما موضوع التّفلسف؟ (التّفلسف بناء للمفاهيم)؛
ما الدّافع إلى التّفلسف؟ (التّفلسف استشكال وفحص)؛
يتألّف نموذج فعل التّفلسف كما يقترحه حمو النّقاري من خمسة عناصر:

1/ التّفلسف: تجرؤ بالاعتداد بالنّفي في الاستشكال والفحص

يذهب المؤلّف إلى أنّ الأصل والمنطلق في فعل التّفلسف هو أن يكون المتفلسف “ناظرا متوحّدا وجريئا “؛ حيث يمتلك من الجرأة والشّجاعة ما يؤهّله للتّحرر من قبضة الوصاية فيخضع المسلمات والبديهيات والأحكام والآراء وكلّ ما كان يعتقده لمحكّ الشّك والفحص لتبيان التّباسها وغموضها من خلال جملة من العمليات: السّبر، الاستدلال، الاستنباط، الاعتبار، الاستنباء، الاجتهاد، البحث المجرّد (ص 23).

2/ التّفلسف نظر في بناء المفاهيم والتّنسيق بينها

يشترط صاحب الكتاب لقيام فعل التّفلسف أن تكون له “مواضيع” يخضعها للنّظر والفحص، وتشير لفظة المواضيع إلى المفاهيم والصّلة الّتي تربط بين فعل التّفلسف من جهة وموضوعه من جهة أخرى وهي “التّمثل ” بكونه الأداة الّتي يشتغل بها المتفلسف أثناء فحصه لمواضيعه فيجعلها حاضرة وماثلة أمامه، بفعل عمليات التّجريد والعزل والفصل فيصبح المفهوم إمّا:

  • : Idéeويقصد بها مجموع صفات المحمولات الثّابتة الّتي لا تتبدّل ولا تتغيّر بتبدّل وتغيّر أحوال الموضوع.
  • : Notionيشير إلى ذلك التّمثل الأوليّ الّذي يكونه المتفلسف حول مواضيعه دون إخضاعه لفحص مقدي، الأمر الّذي يقتضي الانتقال إلى العمليّة الثّالثة.
  • Concept: تمثّل محكم للموضوع وعاقل يميزه عن غيره من المواضيع من خلال مقارنته بها من جهة ووضع تعريف وتحديد له من جهة أخرى ثانية وجعله دليلا على مدلول ما من جهة ثالثة ” (ص 34).
  • علاوة على ذلك يرى حمو النّقاري أنّ عمل المتفلسف أثناء تحديده لدلالة المفاهيم هو في جوهره عمل بنائي يتمّ بموجبه إنشاء وصناعة المفاهيم من جهة وعمل تنسيقي تركيبي بين المفاهيم من جهة أخرى.

3/ التّفلسف قراءة وإنتاجا

1- يقدم المؤلّف وصفا دقيقا لفعل القراءة؛ فهي، في نظره، لا يكتفى فيها بالإلقاء فقط بل ينظر إليها كنشاط نظري يستدعي جملة من الأفعال تنطلق من الاختيار والتّفضيل وما يقتضيه ذلك من إهمال وانتقاء، وهذه العمليّة الذّهنيّة لابدّ للمتفلسف عند قيامه بها أن يكون أيضا محبا لمقروئه الّذي ينبغي أن يكون مؤثّرا ومعتبرا ومستعلما ومستبينا ومحصّلا (ص 45)، إنّ هذا التّحديد نلفيه في الدّلالة الغربيّة للقراءة أمّا من ناحية دلالتها في المجال التّداولي العربي، فإنّها تدلّ على مجموعة من الأفعال: “الجمع، الضّم والدّنو، القصد، التّتبع، الاستقراء، الإلحاح، الجبي، التّفقه، الدّرس، الاستبلاغ، الاستيلاء، الاستنباط، الاستنجاب.

بعد هذا التّدقيق بين تفاوت الاستعمالات للفظة القراءة في ثقافتين ولغتين مختلفتين يسحبا الكاتب إلى كيف تتّخذ القراءة الفلسفيّة من النّص الفلسفي موضوعا لها، وإذا كام هذا الأخير يتشكّل من ثلاثة مكوّنات هي: المفهوم والتّعريف والاستدلال، فإنّ قراءته تتخذ أصناف ثلاثة: قراءة المفهوم التّفلسفيّة، وقراءة التّعريف التّفلسفيّة قراءة الاستدلال التّفلسفيّة (ص 61). بعد أن يعرض لنا هذه المفاهيم موضوع الدّراسة على محكّ دقيق يحدّثنا عن أحوال ذات القارئ المتفلسف؛ فهو قارئ ذو “تقاليد” و”متسائل ” و”مستنبط ” و”معتبر ” و”مفهوم ” و”متمثّل” و “منسّق ” وكلّ هذه التّحديدات هي بمثابة معيار للتمييز والمفاضلة بين القرّاء من حيث مدى استيفائهم أو عدم استيفائهم لها.

2- لا يستقيم الحديث عن فعل التّفلسف باعتباره قراءة دون ربطه بالتّفلسف باعتباره إنتاجا وكتابة تفلسفيّة، وإذ يحدّد المؤلّف معايير دقيقة للقراءة عموما وللقراءة التّفلسفيّة على وجه الخصوص، فإنّه يشترط تحقّق عدّة شروط وأفعال في الانتاج الفلسفيّ الّذي ينبغي أن يكون:

  • “سليم التّركيب “؛
  • “مبينا “؛
  • ” معبّرا ” عمّا استشكله المتفلسف من مسائل (ص 72).

4/ التّفلسف احتجاجا وحجاجا

لا يصبح بمقدور المتفلسف أن ينتج قولا فلسفيا ” تبينيا ” و”تدليليا” إلاّ حينما ينظر في مواضعه (المفاهيم) لاستشكالها وتفحصها وذلك بالاسترشاد بفعل القراءة (سواء كان المقروء نصّا ينتمي إلى مجاله التّداولي اللّغوي أو ينتمي إلى مجال تداولي مغاير له)، هكذا يستطيع المتفلسف أن يتمثّل الخصائص الّتي تقوم عليها المفاهيم والموضوعات، بهدف إقناع المخاطب بصلاحيّة أطروحته لأجل تعديل رأيه أو سلوكه، ولبلوغ هذا المسعى لا يكتفي المتفلسف بعرض إنتاجه بشكل مجرّد وإنّما يلجأ إلى وسائل وآليات منطقيّة ولغويّة أو ما يصطلح عليه داخل الأدبيات الديداكتيكيّة الخاصّة بتدريس مادة الفلسفة بالقدرة على المحاجة كعلاقة تداوليّة بين طرفين أحدهما مدعي وهو من نصب نفسه للدّفاع عن دعوى أو أطروحة ما والآخر معترض (لمحتجّ له) وهو من نصب نفسه لمساءلة وفحص أطروحة المدّعي؛ ومعنى ذلك أنّ التّحاجج هو متوالية من القضايا ترتبط فيما بينها بحيث يعد البعض منها ادّعاءات (مقدّمات – الدّليل المنتقل منه) يراد بها التّدليل على قضيّة أخرى هي النّتيجة (الدّليل المنتقل إليه – الدّعوى – الأطروحة) إمّا إثباتا أو نفيا وقد تأخذ هذه النّقلة طابعا غير استدلالي (“الحدس “) كما يمكن أن تأخذ طابعا استدلاليا عبر جملة من التّقنيات أهمّها:

  • الاستدلال بالتّحليل اللّغويّ الاشتقاقيّ؛
  • الاستدلال بقول الثّقة؛
  • الاستدلال بالتّقابل؛
  • الاستدلال بالتّمثيل؛
  • الاستدلال بالاستقراء؛
  • الاستدلال بالخلف أو الرّد إلى المحال.
  • الاستدلال بالاستنباط.

هكذا لا يخرج الحجاج الفلسفي عن هذا النّطاق فقد يتّخذ صورة:

  • ” معارضة “: بعرض دليل على نقيض أطروحة المدّعي كما قد يتّخذ صورة ” الحجاج التّفلسفي الاعتراضيّ” فيلجا المتفلسف إلى محاججة “البنيّة النّظريّة الانتقاليّة” إمّا “منعا”عندما تفتقر الأطروحة لدليل يسندها (الإسناد المعرفي) فيعترّض المتسائل على مقدّمة من مقدّمات الدّليل المنتقل إليه.
  • الاعتراض على قواعد وأصول النّقلة: لضمان سلامة ومصداقيّة احتجاج فلسفي لا يتطلّب الأمر التوفّر على دليل صادق فقط على الرّغم من أهميّته بل يتطلّب كذلك أن تكون “القاعدة ” (ما يبرّر الانتقال من الدّليل إلى الادّعاء) “مشروعة” وأن يكون الأصل المؤسّس للقاعدة مسلّما به (ص 102).

تأسيسا على ما سبق ذكره يمكننا القول إنّ القيمة النّظريّة والمنهجيّة لكتاب “روح التّفلسف ” تكمن في اقتراح كاتبه عُدّةً منهجيّة متّسقة وتصوّرا فكريا منسجما؛ يقترح من خلاله حزمة متحرّكة من الآليات النّظريّة والإجرائيّة الكفيلة بإنقاذ تدريس مادّة الفلسفة وتحريرها من قبضة التّسطيح والنّمطيّة وتخليصها من تقديم الوجبات الجاهزة للمتلقين وفكِّها من جمود المنهج وإنقاذها من الاعتماد على النّقل.. وكلّ هذا لا يليق مع روح الفلسفة وجوهرها، أو لنَقُل إنّ الفلسفة جاءت لتحرّر تفكير النّاس من هذه المحن الّتي تجعل المتلقي لا يُعمل عقله في أبسط ظواهر الحياة، هكذا أراد النّقاري أن نقفز بالدّرس الفلسفيّ من ضيق درس قائم على بيداغوجيا الإلقاء والتّخزين وشحن أذهان المتعلّمين بالأفكار إلى درس رحب وواسع يتأسّس على تربية تفلسفيّة تكسب للمتعلّم أدوات التّفكير النّقديّ.

******

المراجع:

  • حمو النّقاري : ” روح التّفلسف “، المؤسّسة العربيّة للفكر والإبداع، بيروت، الطّبعة الأولى ،2017.
  • الطّاهر واعزيز: ” المناهج الفلسفيّة “، المركز الثّقافي العربي ، الطّبعة الأولى، 1990.
  • التّوجيهات التّربويّة والبرامج الخاصّة بتدريس مادّة الفلسفة بسلك الثّانوي التّأهيلي (نوفبر 2007)

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This