اللّسان والإنسان وقت الشّدائد

في أثر الفيروس في اللّغة والمصطلح والتّرجمة

أوّلا -في الفيروس والوباء

وحطّ الفيروس الخبيث رحاله في أوطان الأرض، غير عابئ بحدود ولا ثقافات ولا لغات، فالنّاس عنده سواسية، لا فرق عنده بين أعجمي أو عربي، ولا بين فقير أو وزير، إلاّ بالتّنائي والوقاية. دخل بلدان المعمورة كافّة إلّا ما رحم ربّي وزرع الخوف والرّعب في أرضي الحضر والمدر والوبر وأهليها جميعا. أصاب ما يربو على أربعة ملايين وثلاثمائة ألف من البشر وأودى بحياة ثلاثمائة ألف شخص أو يزيد، وأخضع مليارات من البشر إلى نظام حجر صحي هو أقرب ما يكون إلى نظام الإقامة الجبريّة، نظام قبله النّاس طواعية، أو هكذا تقول المعلومات الرّسميّة إلى حدود وقت كتابة هذا المقال، والأرقام ما نطقت إلّا نصحا لتوقظ الوعي فينا أو افتراء لتزيد من خوفنا رعبا أو تخفي واقعا مرعبا. دخل علينا الطّاعون من بلاد الصّين ليُحكم وثاقه على حركة الاقتصاد ويصيبها بشلل ما بعده شلل، وليكمّم الأفواه تكميما بألثمة الوقاية الصّحيّة وغيرها من ألثمة الكلام المعنويّة، لتتعطّل لغة الكلام وينعقد لسان التّرجمة والتّواصل، ولتُفرض على النّاس كرها لغة الحرب والمقاومة.

ثانيا -في الفيروس والمصطلح

في الحادي عشر من فبراير 2020 نطق المدير العام لمنظّمة الصّحة العالميّة السّيد أدهانوم غيبريسوس معلنا عن اسم هذا الفيروس قائلا “سأتهجّى الاسم (ك و ف ي د  واحد تسعة)، لقد كانت ولادة الاسم سهلة سريعة على التّلعثم بها، إلّا أنّ أثار المسمّى كاسحة شنيعة على التّفاوت في آثارها. لم يمض شهر واحد على ولادته حتّى وجد نفسه يتربّع على عرش قاموس Merriam-Webster في أسرع رحلة يقطعها مصطلح بين الولادة والاعتماد في تاريخ هذه المؤسّسة العريقة الّذي يزيد عن 200 سنة. لم يتوقّف الأمر عند هذا الاسم الجامع، ومرادفه كورونا، بل أصبحت مصطلحات علميّة طبيّة أخرى تجري بها ألسنة العوام جريانا سلسا في مكالماتهم ومحادثاتهم اليوميّة، بعد أن كانت حكرا على خاصّة الخاصّة وصفوة العلماء والأطباء قبل شهر ونيف من حلول ظلامه. ونورد على سبيل الذّكر لا الحصر مصطلحات عربيّة من قبيل التّباعد الاجتماعيّ– ولو أنّنا نفضّل التّنائي الاجتماعي– واستواء أو تسطيح منحنى الحالات، ومناعة القطيع وفترة الحضانة وغيرها. وفي هذا السّياق علّق السّيد جون كيلي John Kelly وهو أحد المؤلّفين والعلماء المرموقين في مؤسّسة Dictionary.com  قائلا  “لو استخدم أحدهم مفردة Zoonosis وهو يقارع خصمه في لعبة الاسكرابل Scrabble  لكان جهبذا من جهابذة المصطلح والعلم، وأمّا الآن فأصبح مفهومها مفهوما سائغا للعامّة يفهمونه دون عناء على أنّه المرض الّذي ينتقل من الحيوان إلى الإنسان.  وأضف إلى ما تقدّم طائفة واسعة من المصطلحات والكلمات والعبارات الّتي ولّدها أهل الذّكر والصّحافة والاختصاص منذ ظهور الفيروس، ومنها على سبيل الذّكر لا الحصر المصطلحات الأربعة التّالية الّتي وجدت طريقها إلى قاموس  Urban Dictionary الانجليزي واستقرّت فيه على حداثة عهدها:

أوّلا-مصطلح Covidiot، وهو مصطلح اشتقّ نحتا من تسمية كوفيد 19 و الصّفة المشبهة idiot (بمعنى أبله أو غبي) ويقصد به الجاهل للمخاطر النّاجمة عن الفيروس ولإجراءات السّلامة وفروض الصّحة العامّة من محاذير المصافحة والتّداني وغيرها.

ثانيا -مصطلح Coronnials وهو مصطلح يفيد جيلا كاملا من الأطفال أو الرّضع الّذين تكونوا في الأرحام أيّام الحجر الصّحي الّذي فرضه وباء كورونا. والموجة الأولى من هؤلاء سيولدون بعد تسعة أشهر من دخول حركة “التّنائي الاجتماعي” وإجراءاتها حيّز النّفاذ في مجتمعاتهم. ويذكر القاموس أنّهم سيظلّون عنوانا لصمود الإنسان وصبره في وقت البليّة والمجهول.

ثالثا-مصطلح Zoombombing ويقصد به التّطفّل على اجتماع عن بعد على أحد منابر الانترنت Internet Platforms الّتي توفّر تخاطبا مرئيا (video-conferencing)، لاسيمّا منبر Zoom، الّذي منه التّسميّة اشتقّت. فتقنيّة التّخاطب المرئي أصبحت أداة رائجة للتّواصل بين النّاس وأصحاب الأعمال عندما أصبحت ملازمة البيوت أمرا حتميا مقضيا.

رابعا- مصطلح Quarantini وهي تسميّة منحوتة من مصطلحين أخريين وهما  quarantineوmartini:ويفيد المصطلح أحد المشروبات الكحوليّة القويّة الّتي يُحضّرها النّاس وقت الحجر أو الاضطرار إلى عدم مبارحة المكان لفترة طويلة، وهو يُتّخذ مسكّنا للوجع النّفسانيّ النّاجم عن الحبس والوباء. ويذكر القاموس أنّ المصطلح ظهر أوّل مرّة في برنامج تلفزيوني ساخر.

وأصبحت هذه المصطلحات تُتداول على ألسنة النّاس. والأمر ليس مقصورا على العربيّة أو الانجليزيّة. فقد اكتسحت لغات العالم مصطلحاتٌ وعباراتٌ جديدة مستجدّة وُلدت مع ولادة هذا الفيروس المستجدّ. ففي اللّغة الفرنسيّة مثلا لاحظنا مصطلحات جديدة عديدة منها مصطلح Quatorzaine المشتقّ من مصطلح Quarantaine وهو الحجر الّذي يدوم أربعة عشر يوما، بدلا من أربعين يوما، وهي فترة الحجر والمراقبة التّقليديّة أيّام الطّواعين السّابقة.

ومن أكثر المصطلحات شيوعا في اللّغة العربيّة في هذا الوقت هو مصطلح “التّباعد الاجتماعي”، الّذي ذكرناه آنفا، لذلك سنأخذه نموذجا ونخصص له مساحة نناقش فيها ما نقترح بديلا منه. أصبح المصطلح معروفا لدى القاصي والدّاني والعامّي والعَالِم حقَّ المعرفة، وأضحى مضربَ الأمثال ومصدرا للسخريّة والدّعابة والتّندّر في جداريات الفايس بوك وفي المحادثات المباشرة. إلّا أنّنا من النّاحيّة العلميّة المصطلحيّة نفضل تسميّة أخرى لهذا المفهوم وهي “التّنائي الاجتماعي” تعريبا لمصطلح Social distancing، ذلك أنّ مصطلح التّنائي له جذوره العميقة في التّراث العربيّ وله ما يقابله ضدّا، وهو مصطلح أصبح يُستخدم الآن، ونقصد هنا مصطلح “التّداني” أو “التّلاقي”. وقد ورد هذان المصطلحان في نفس البيت في بعض قصائد الشّريف الرّضي:

البيت الأوّل: ذكرته أيّام هذا التّنائي **** مامضى من أيّام ذاك التّداني

البيت الثّاني: وَدَعيني طِوالَ هذا التّداني **** ناعماً لا أخافُ غير التّنآئي

وقد استخدم شعراء عرب آخرون هذا المصطلح أيضا ومنهم بدر شاكر السيّاب وجبران خليل جبران والبحتري وابن القيسراني.

بدر شاكر السّياب: إنّ الشّعوب شكون داء واحدا **** رغم التّنائي واختلاف الدّار

جبران خليل جبران: إن أك باكيا من السّراء **** فإنّ طول الشّوق في التّنائي

البحتري: عَجَباً لهَجْرِكِ قَبْل تَشْتيتِ النّوَى **** مِنّا، وَوَصْلُكِ في التّنَائي أعجَبُ

ابن القيسراني:  إذا كان التّنائي في التّلاقي **** فماذا يصنع الدنف المحبّ

ثالثا-في الفيروس ولغة الحرب والمقاومة

بدأ النّاس يقترضون عبارتهم من سجل الحرب ولغة الكفاح وهم يخوضون مع الخائضين في فيروس كورونا وهجمته، فمواطن التّشابه كثيرة مع أنّها غير دقيقة في بعض الأحيان، فهل شنّت الانسانيّة حرب البسوس على هذا الفيروس؟

من تأمّل في ما يخوض فيه النّاس من حديث وتفحّص خطاب المسؤولين، لتبيّن له بجلاء أن الأمر كذلك. فَوَرَدت جهود التّصدّي للفيروس في مورد المقاومة الشّرسة الشّاملة في معركة تشنّها الانسانيّة قاطبة على عدوٍ معتدٍ خفيّ. وفي مقدّمة جيش الانسانيّة نجد الأطبّاء والممرضين، أو جنود الجيش الأبيض، الّذين يُعرّضون حياتهم للخطر.  وفي الصّف الثّاني نجد خبراء الصّحة العامّة والفيروسات والعلماء الّذين انكبّوا على إجراء تجاربهم العلميّة  لاختراع لقاح  جديد لهذا الفيروس المستجدّ أو سلاح قديم  مرتدّ ندحر به الطّاعون الغازي المستبدّ. وهرع السّاسة والحُكّام لاجئين إلى المنابر الافتراضيّة، على غرار منبر  زوم Zoom ليعقدوا اجتماعاتهم –الحربيّة–  بينما لزم النّاس بيوتهم  وتقيدوا بالحجر عندما استحكم الخوف المزروع في قلوبهم وأدركوا أن مَتَاهَاتِ التّواصل والمصافحة أضحت على أعتاب البيوت.

فوردت في خطابات السّاسة جميعا عبارة ” نحن في حالة حرب” وقد ذكر ذلك العديد من حكام العالم في مشارق الأرض ومغاربها، عربا وعجما.  ففي الصّين، ردّد الرّئيس شي جين بينغ Xi Jinping عبارات عُرف بها ماو تسي تونغ Mao Zedong من قبيل عبارة يعلن فيها الحرب: “إنّها حرب شعب”، واستحضر روحه في خطاباته الملهمة الّتي تشحذ ههم الصّنيين. وفي الولايات المتّحدة، وصف الرّئيس ترامب الفيروس بعبارة “الخطر الخارجي” أو “الفيروس الصّيني”، وخرج على الأمريكيين في جبّة رئيس حرب، أو رئيس زمن الحرب. وفي المملكة المتّحدة، ألقت الملكة إلزابيث خطابا يوم الخامس من أبريل/نيسان عن جائحة كورونا، مستحضرة زمن الحرب وذلك اليوم الّذي “وقفت فيه وحيدة” عام 1940، تلقي كلمة أمام الأمّة أيّام الحرب العالميّة الثّانية. وأشارت في خطابها الجديد أنّ الأمّة تشهد ميلاد عصر جديد من التّضحيات، والمقاومة والصّمود، والتّضامن. وفي فرنسا، وشّح الرّئيس ماكرون خطاباته بوشاح خطابي استلهمه من رئيس وزراء فرنسا إبّان الحرب العالميّة الأولى جورج كليمنصو George Clemenceau واستخدم نفس العبارات منها “mettre l’armée sur le pied de guerre”، أي وضع الجيش في حالة حرب. وذكرت إذاعة فرنسا الثّقافيّة France Culture أنّ كلمة ماكرون يوم 13 مارس كانت خطاب حرب زمن السلم، ذلك أنّه دعا فيها إلى الوحدة والتّعبئة العامة ورصّ الصّفوف. وأمّا المستشارة الألمانيّة ميركل، فقد ذكرت صراحة أنّ الخطر المحدق بالألمان الآن لم تشهد ألمانيا له مثيلا في الشّموليّة والشدّة منذ الحرب العالميّة الثّانية. ولم تقتصر لغة الحرب على هؤلاء الزّعماء، بل إنّنا نجد وقعا لها في كلمات زعماء العالم الآخرين دون استثناء، وخاصّة عبارة “نحن في حالة حرب” الّتي وردت على لسان أغلب الزّعماء العرب، على غرار الرّئيس التّونسي قيس سعيّد.

وكلّ الزّعماء ذكروا أنّهم سيتخذون كلّ التّدابير الّتي تمنع العدوى، وتجعل المواطنين يروحون في الجائحة بسلام وأمان. وهنا نرى أنّ أوجه الشّبه بين الحرب والفيروس عديدة، ولا تتوقّف على ما أوردناه آنفا من أدلّة. فالحكومات شرعت تفكّر في خطط لإعادة الإعمار بعد دحر هذا العدو الّذي عاث في البشر فسادا وفي الاقتصاد وأنظمة الصّحة دمارا، وكأنّ العالم والزّمن توقفا معه لبرهة. ثمّ إنّ العديد من المنظّرين يقولون إنّ العالم الّذي عهدناه قبل الفيروس قد ولّى وأدبر إلى غير رجعة، وأنّ العالم تغيّر تغيّرا لا تسببه إلاّ أحداث عظيمة مثل حروب طاحنة لا تُبقي ولا تذر. ثمّ إنّ تطوّر الوباء، شأنه شأن تطوّر الحروب، أصبح يُقاس بحجم خسائره الاقتصاديّة وبعدد ضحاياه البشريّة من إصابات ووفيات. ومن ضحايا الفيروس نجد التّراجمة والتّرجمة كذلك.

رابعا-في الفيروس والتّرجمة

في وقت التّنائي اللّغوي وذروة الأزمة، تتبلبل الألسنة وتتعطل لغة الكلام وتتعثّر التّرجمة، ويجد التّراجمة مشقّة في التّبليغ والبيان ومد يد العون للمحتاجين لأدوات التّبليغ وللمتحدّثين بلغة غير لغة القوم الّذين هم فيه إمّا مقيمون أو عابرو سبيل. وعندما تتعطّل اللّغة بين الطّبيب والمريض، تتباعد أدوات التّشخيص اللّغويّة، وهي كثيرة، وتتعسّر دروب الشّفاء، وهي وعرة. أذكر أنّي ذهبت في مهمّة ترجميّة إلى اليونان منذ سنوات أساعد بعض اللاّجئين العرب، ومن تقطّعت بهم السّبل في المخيمات والمدن. ويا لهول ما رأيت هناك. رأيت يَبَاسا في وجوه النّاس ما بعده يباس. كان وضعهم مزريا لهوانهم، وكانت الجائحة أشدّ بأسا على الذين لا يحسنون لغة منظمات الإغاثة، وهي في الغالب الانجليزيّة ثمّ الفرنسيّة. فكان التّرجمان بمثابة المنقذ من ضلال التّواصل والمرشد أيّام التّيه. فالأزمات والجوائح امتحانات، ويوم الامتحان يُكرم التّواصل أو يُهان، وما أقول ذلك من باب التّنظير، فالأمثلة الشاهدة على ما أقول عديدة. وسأقتصر على حادثة واحدة من جائحة كورونا.

ذكر موقع وكالة  ProPublica للصّحافة الاستقصائيّة في مقال صدر يوم 31 مارس 2020 قصة سيدة جِيئ بها إلى مستشفى بروكلين في نيويورك، أُلحقت بداية بقسم ليس فيه مرضى كورونا. وبعد يوم أو يومين لاحظ طبيبها المباشر أنّ لها من أعراض كورونا من سعال وحمّى ما يلزمه نقلها إلى الوحدة المخصّصة لمعالجة مرضى كورونا. نقلها الطّبيب ومعها نقل تحذيرا لأطبائها الجدد ” كان اللّه في عونكم، هي لا تتحدّث إلّا اللّغة المجريّة الهنغاريّة”.

لكنّ المسكينة لقت حتفها في اللّيلة التّالية.

وصرّح أحد الأطباء الّذين عالجوها بأنّها لو كانت تحذق الانجليزيّة لتسنى لنا الاعتناء بها أفضل. في هذا الوقت الصّعب والأزمة الخانقة، يصبح الإنسان في صراع محموم مع الوقت.  ويذكر الطّبيب أنّ الوقت لا يسمح باللّجوء إلى ترجمان لمحاورة المريض وتدوين ما عنده من أمراض سابقة وحاليّة وتأليف ملف كامل عنه يُسهّل التّشخيص ويُعجّل الشّفاء. وحتّى وإن تسنّى الحصول على خدمة التّرجمة عبر الهاتف، فإنّ العوامل المناوئة أكثر بكثير من العوامل الرّفيقة. ويقول الطّبيب أنّه طلب التّرجمان ووضع الهاتف على كتف المريضة وضبط الصّوت ليخرج من المضخم، إلّا أنّه وجد عسرا في الاستماع إلى التّرجمان والتّحدّث إليه واللّثام الشديد من نوع N95 يغطي فمه والخوذة الواقيّة تغطي أذنيه.

قد يحين أجل السّيدة حتّى وإن كانت تتحدّث الانجليزيّة، ولكن هذه الحادثة وغيرها من الحوادث الشّبيهة تبين الصّعوبات الجمّة الّتي تواجه من لا يتحدّث لغة طبيبه وتكشف عن الفوضى العارمة داخل المستشفيات المكتظّة. إنّ عمليّة الاتّصال بترجمان تتطلّب عشر دقائق على أقلّ تقدير، وهذا وقت طويل وحاسم في حسابات الحياة والموت الّتي تُقاس بالثّواني، وينبغي الاستفادة منه، وهو ما يجعل الطّبيب يدخل في حسابات نفعيّة أخرى. فتُوجّه العناية لمن يسهل التّواصل معه ويُضطر الجيش الأبيض إلى الإعراض مليّا عن المرضى الّذين يتحدّثون لغة أجنبيّة لكثرة المصابين بالفيروس وقلّة جنودهم وغياب جنود الكلام، أي التّراجمة.

ثمّ إنّ أجهزة الوقاية الشّخصيّة، على غرار الألثمة (أو الكمّامات)، غير متوفّرة بالقدر الكافي في المستشفيات، وهو ما جعل معظم المترجمين والتّراجمة العاملين أو المتعاقدين مع هذه المستشفيات يخرجون من المعادلة، فالتّزموا مع سائر النّاس بيوتهم، وأصبحوا غير قادرين على تقديم خدماتهم إلاّ من بيوتهم. علاوة على ذلك، فإنّ التّواصل بين المصابين والأطباء عبر وساطة ترجميّة يزيد من وقت المحادثة زيادة كبيرة قد تصل إلى أضعافٍ ثلاثةٍ في بعض الأحيان، وهو ما يزيد الوضع المربك إرباكا والمقلق قلقا، ويؤثّر أيّما تأثير في التّرجمة ودِقّتها.

والملاحظ أيضا أنّ الفيروس قد أخذ النّاس على حين غِرَّة، فتقطعت بالعديد من النّاس السّبل في بلاد بعيدة، وعُلقت الرّحلات والسّفرات، وغُلّقت الحدود وهم في أغلب الأحيان لا يتقنون لغة تلك البلاد، وهو ما زاد من غربتهم غربة ومن عزلتهم كربة. فهؤلاء وغيرهم من الأقلّيات وجماعة المهاجرين واللاّجئين وجدوا أنفسهم مُغيبين مقصيين في أغلب البلدان من رعاية السّلطات الصّحيّة والأمنيّة، فالبلاغات والإرشادات الّتي تصدرها لا تترجم إلى لغات هؤلاء. ومن ثمّة، فإنّهم أكثر عرضة من غيرهم إلى خطر الإصابة بالفيروس.

ولكنّ مصائب قوم عند قوم فوائد، فما لاحظناه أيضا هو أنّ نجم تراجمة لغة الإشارة قد سطع إبّان الجائحة، وأصبحنا نراهم أكثر من أي وقت مضى. فهم جنود خفاء يعملون في “صمت”، يترجمون البيانات الصّحفيّة حول الفيروس إلى الجماعة الّتي فقدت سمعها، أو جماعة الصّمّ. يقدمون لهم معلومات قيّمة بلغة يفهمونها. لقد وفّرت هذه الجائحة لمترجمي لغة الاشارة وجماعة الصّم فرصة سانحة وأرضيّة صلبة للتّحرك إمّا تعريفا بمهنتهم وتثمينا لها أو مطالبة بحقوقهم وتعزيزا لوضعهم. فمثلا اغتنمت جماعة الصّم في الولايات المتّحدة والجمعيات المناصرة لها، هذه الفرصة لتمارس ضغوطات أكبر على الحكومة وتطالبها بضرورة توظيف مترجمين دائمين لهم في البيت الأبيض.

وحسب إحصائيات منظّمة الصّحة العالميّة، بلغ عدد الّذين يعانون من فقدان السمع في العالم زهاء 466 مليون نسمة، أي 5 في المئة من سكان العالم، وغالبيتهم من الشّيوخ الّذين بلغوا من الكبر عِتيّا، وهم الفئة الأكثر عرضة للفيروس ومخاطره. وبالتّالي هم الأشدّ حاجة إلى تلك الإرشادات الواردة في المؤتمرات الصّحفيّة وغيرها.

اللّغة هي اللّسان واللّسان هو الإنسان، لذلك تتأثّر اللّغة ومصطلحاتها وترجماتها بما يتأثّر به الإنسان في حياته، ويتجلّى هذا التّأثُّر والانعكاس زمن المحن والجوائح، الّتي تُكرم فيها اللّغة أو تُهان، فالمعرفة اللّغويّة، أو المعرفة باللّغات، هي زاد المسافر وعتاد المحارب، ورِواءُ المُثقّف وشفاء المريض، واختم بقول الشّاعر العربي:

بقدر لغات المرء يكثر نفعه *** فتلك له عند الشّدائد أعوان
تهافت على حفظ اللّغات مجاهداً *** فكلّ لسان في الحقيقة إنسان

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This