تحريض دائم على تذكّر البؤس / فرج بيرقدار

كنت وما زلت أحد المحظوظين المرحَّب بهم في أوروبا منذ عام 2000. ولكن لم أفكر في حياتي، قبل عام 2005، أن أعيش خارج سورية. لم تكن الحياة مغرية لي في أوروبا إلا على سبيل الزيارات، ولهذا بعد دعوتي إلى ألمانيا لأربعة شهور، ثم تمديدها أربعة شهور إضافية، رجعت إلى سورية رافضًا كل العروض والنصائح من أجل البقاء. وكذلك عدت من باريس عام 2003 وكان يمكنني بسهولة أن أبقى. بعدها دُعيتُ إلى هولندا ودرَّست في قسم اللغة العربية بجامعة ليدن للعام الدراسي 2003- 2004 ثم عدت أدراجي، ولم تختلف النية حين دُعيتُ للإقامة في السويد ضيفًا على مدينة ستوكهولم لمدة سنتين، غير أن الأحوال قد حالت، فقررت عدم العودة إلى سورية لأسباب لست في وارد ذكرها هنا، إذ ليس هذا هو غرضي من الكتابة الآن. ما يهمني هنا أمر آخر يتعلق بالمفارقات والبداهات والمقارنات التي أيقظتني عليها السويد مع مرور الزمن.

بداية ينبغي علي القول إن السنوات الأكثر أمانًا وحرية وراحة ورفاهًا وضمانًا للصحة والمستقبل، إنما هي السنوات التي عشتها ولا أزال في السويد. ولكن رغم ذلك فإن السويد، من حيث لا تحتسب، عنتْ وتعني لي تذكيرًا متواترًا وممضًّا بقضايا ومقولات وتفاصيل غارقة في البؤس مما عاينتُه منذ شبابي الباكر في سورية حتى مغادرتي الأخيرة لها.

أنا من جيل فتح عينيه على أفكار وأمثال يتداولها الناس بصورة تبعث على الحزن والخيبة والألم واليأس من قبيل (كّل فرنجي برنجي)، أي كل أجنبي حسنٌ أو جيد، وذلك يعني أن ما هو ليس أجنبيًا ليس جيدًا. وزن كلمة “برنجي” يشير إلى أن أصلها تركي أو فارسي. ولكن لدينا تصوّر عربي يفضي إلى نفس المرارة، ويتلخّص بمعنى أو دلالة “الأصلي والوطني”، فالأجنبي أصلي وجيد في حين أن الوطني أو المحلّي رخيص ومغشوش أو سيء الصنع.

أنا من جيل فتح عينيه على الموقدة والتنور والسراج في عهد ما قبل الكهرباء. كانت ترسلني أمي لأشتري “بلورة ” للسراج. تعطيني فرنكين وتقول: انتبه، أريدها بلّورة أصلية فالليلة عندنا ضيوف. في الأحوال العادية تعطيني فرنكًا أو نصف فرنك وتقول: هات بلورة سراج وطنية.

ولأني كبرت مع اللغة، واللغة منطق، فقد بدأت أستعيد معاني الألفاظ ودلالاتها: الأصلي تعني الإفرنجي أو الأجنبي، والوطني تعني المحلّي. ولكن لماذا الأصلي أفضل وبالتالي أغلى من الوطني أو المحلّي؟

لقد ازدلفت الدلالة اللفظية لكلمة “أصلي ” فصارت تعني نقيضها.

حين نقول “سكان أصليون” فالمعنى أن أصلهم من البلاد التي يسكنونها، وقد سكنها أجدادهم من قبلهم، فكيف تبدّلت الدلالات وصار الأجنبيّ أصليًا محترمًا، والمحليّ وطنيًا رخيصًا أو قليل الاحترام؟

يمكننا المضيّ في هذا السياق لنقرأ معنى ماركة وغير ماركة. يقول لك بائع، سوري مثلًا، وأنت تساومه لتخفيض السعر: عمي أنا عمبيعك ماركة، وإذا بدّك هات إيدك والحقني فعندي بنصف السعر. الماركة هنا تعني أن البضاعة أجنبية، في حين أن “هات إيدك والحقني” تعني بضاعة محلية سيئة.

حتى لفظة “شرطة أو بوليس” تتباين دلالاتها وإيحاءاتها وظلالها ما بين السويد وسورية وأمثالها.

أنا من جيل كانت لفظة “شرطة” تثير فيه الهلع والتحفّز للهرب من خطر محدِق أو مصير غير محمود. الأجهزة الأمنية في سورية تذكِّر بما حُشيَ في رؤوسنا وقرأناه عن المحتلين لبلادنا. الأمور في السويد على النقيض. حتى الأطفال يدركون أن عناصر الشرطة ضمانة لأمنهم وحمايتهم، ويمكنهم أن يلجؤوا إليهم عند إحساسهم بأي ظلم أو خطر.

ذلك هو التذكير الدائم بالبؤس الذي عنيته في عنوان المقالة، إذ كثير من الأمور في السويد يسير في اتجاه معاكس لما خبرته وعاينته في حياتي. فالبضاعة أو السلعة المحلية، أي السويدية، هي الأصلية والموثوقة والأغلى سعرًا، ولا يتردد السويدي في شرائها حتى لو بلغت ثلاثة أضعاف السعر.

السويدي يثق بالسويدي عمومًا، وذلك يشتمل بصورة واسعة أو غالبة على المنتِج والمستهلِك، وعلى الأفراد والمجتمع، وكذلك على مُدخَلات السياسة ومنتجات الصناعة والزراعة وغير ذلك من الحقول. هل يعود الأمر إلى مناخ ثقافي أو تربة أو تربية ثقافية، أم إلى طبع وطبيعة، أم إلى نظام سياسي اختبرته الديمقراطية والشفافية ودرجة المصداقية، أم يعود الأمر إلى تعصّب وعنصرية؟

ربما لا يستطيع أمثالي الجزم بإجابات أو أسباب محدَّدة، باستثناء الجزم بنفي أي سبب له علاقة بالتعصب أو العنصرية. السويديون ليسوا متعصبين حتى للغتهم، وكثيرون منهم يتقنون أكثر من لغة، وإذا وُجِد بينهم شخص مثلي فإن الجميع يقلبون موجة الحديث إلى الإنكليزية.

قد أستطيع رؤية وطرح الأمور والوقائع والحقائق على ما هي عليه، ولكني لا أزعم القدرة على القراءة والتحليل ومقاربة فلسفة الأمور. ومشكلتي الآن ليست مع الفلسفة، بل مع هذا التحريض الدائم على تذكّر ما سبق وما تبقّى من بؤس في بلدي الأم.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This