ميشيل مافيزولي: حصة الشّيطان (ج2)

3- تنويعات الظّل

يمثّل ما هو شيطاني الضّعف الّذي يقيم داخلنا، وهذا ما يعبّر عن شموليّة الكائن. والرّبوبيّة نفسها كما الوحدانيات الدّينيّة لا تستطيع أن تفلت من هذه الإزدواجيّة، أي من التّعدديّة. وهذا ما تعبّر عنه المسيحيّة: في اعتراف المخلّص بخطيئته وقبوله بتحمّل تبعاتها يكون قد مجد الإنسان وأعلى من شأن البشريّة كلّها”.85 كما لو أنّ شرّ الصّعود هو النّزول إلى الجحيم وخوض غمار تجربة الضّلال الّتي هي طريقا للخلاص. وهذا البعد عبر عنه الإبداع الأدبي والشّعري والأساطير، بما يجعل الخرق والانتهاك طريقا للخلاص، من خلال مواجهة العبء الأخلاقيّ الرّابض بثقل أوامره ونواهيه، ومختلف الإكراهات والتّنميطات القسريّة، على الاستمرار والبقاء في الحياة. ففي معركة البقاء في الحياة ضدّ كلّ هذا الّذي يحاول تدميرها ونفيها يقول يادجر: ” ما أن ندمج الموت في استراتيجيتنا الحياتيّة حتّى نتحصّن ضدّ كلّ شيء.”87  وفي هذا ما يبيّن الفرق الشّاسع بين كيف يعيش النّاس حياتهم بعيدا عن سطوة القوانين الدّينيّة أو العقلانيّة التّجريديّة، وبين الضّيق الوجودي الواحدي الدّيني والأخلاقي والإيديولوجي الّذي يزيد من تحكّمه ورقابته الشّموليّة. لذلك فقدر الإنسان الانفتاح على أكبر قدر من الممكنات بدافع الفقد والنّقص والسّلب الّذي ينخر الذّات باستمرار في بحثها عن الغير كعلاقات اجتماعيّة تفتح النّماء للذّات والآخر، وتحرّر من سياج الهويّات المهنيّة والجندريّة والإيديولوجيّة…، ” فمن خلال هذه التّجمعات يتبدّى ذلك الشّيطان السّقراطي دافعا الأفراد للضّياع في بعضهم ليربطوا الصّلة مجدّدا بما قبل فرديتهم وما بعدها أيضا حتّى يجنوا بذلك ما أسميته قبلا بفائض حياة:89  هكذا حدث تحوّل من الفرد الهوويّ المقولب بفعل التّنشئة المجتمعيّة إلى الشّخص القناع المتعدّد من خلال الأدوار الّتي ينجزها، أي الانتقال من أفراد منعزلين إلى أشخاص تابعين لجماعات رياضيّة، موسيقيّة، سياسيّة، دينيّة…، إنّنا إزاء ما سمّاه جيلبير سيموند” الأكثر من واحد” وهذا من واحد فاعل تحت أشكال قصوى وقصيّة، بل ويعبّر عن نفسه تعبيرات هستيريّة جماعيّة، مثلما هو فاعل تحت أشكال بسيطة ومعتدلة عبر طقوسيات يوميّة، فإنّه جدير بأن يكون موضوعا للتّفكير بصفته خاصيّة مائزة للأشخاص… فهو الّذي يقف وراء اندفاع الأشخاص باتّجاه التّشظّي في الغير ليعيشوا أدوارا متعدّدة ووافرة سواء على نحو استيهامي أو واقعي، بل قد يحلمون أحلاما مجنّحة تلامس عتبة الحمق. ولعلّ دردشات المنتديات في النيت مثال واضح عن الاندفاعات جميعها الّتي يشارك فيها الأشخاص بأسماء مستعارة، أي بقناع من الأقنعة الرّمزيّة.”91 وبالإضافة إلى التّقمّصات الجماعيّة، والأزياء الغريبة، والشّعَر الاصطناعي، الوشم، تعليق الأجساد فيما يشبه تعذيب الذّات لقهر الألم، وحفلات انطلاق الأجساد، وتخطي كلّ الحدود، والتّهاب الرّغبات الجامحة إلى حدّ الجنون والبهيميّة، هكذا أخلى الفرد العقلاني المعرفي والعلمي والهووي مكانه للشّخص المتعدّد الأدوار تحت الرّحمة الشّقيّة للصّيرورة الّتي لا تكفّ عن الانبناء إلى حدّ الضّياع في كلّ طبيعي واجتماعي أوسع. وفي هذا السّياق نفهم رقصات البطن وموسيقى التيكنو، ومظاهر التّدين، وهستيريا الملاعب. وهذا ما يذكر بأعمال يونغ، خاصّة في إحالته على الشّخصيّة الأسطوريّة الجنّي المتشيطن الجامع بين الخير والشّر. “ولعلّ تركيزه عليه إنّما كان الهدف منه لفت الانتباه، بالمقام الأوّل، إلى حصّة العتمة المقيمة بين جنبينا معشر البشر وخطورة وسذاجة الاستهانة بها أو توهّم إمكان التّشطيب عليها بجرّة قلم.”95 ويمكن القول بأنّ الشّخص المتعدّد الجامع بين الأضداد السّلوكيّة، سرعان ما يظهر في اللّحظات الحرجة من اختلال التّوازن، فيصير كلّ ما هو هامشي، صعلوك، ملعون، متمرّد في الشّعر والفكر والتّعبيرات الثّقافيّة والدّينيّة، مطلوبا كمرجع لكلّ الممارسات، من الانهمام بالأجساد، والإقبال على المتع واللّذات، والعزوف السّياسي، والخلطات الدّينيّة والفلسفيّة، مع ظهور حالات من البهيميّة، والتّحوش البشريّ “كلّها تقدّم الدّليل تلو الدّليل على ما ينطوي عليه الظّل من حيويّة مفرطة ومدهشة، الّتي جحدت بها العقلانيّة الغربيّة لردح من الزّمن. كذلك هو الأمر مع عودة العتيق والضّارب في القدم، وكلّ ما له صلة بحدث الولادة، والمتجليّة في الإبداعات المسرحيّة والنّتاج الموسيقي  ومن خلال الموضة على نحو مشهدي لافت وآسر.”97 وحالة الشّخص هذه تتجاوز وجودها الفردي إلى الجسم الاجتماعيّ، حيث خرجت العتمة الدّاخليّة لتسيطر على مختلف العلاقات والتّفاعلات الاجتماعيّة، كصراعات داخليّة لا شعوريّة، ينبغي الوعي بها ممّا سيلطف من صراعاتنا مع الآخرين، وبالتّالي “يغدو العدو ما أن يدرك كلّ واحد منّا بأنّ له نظيرا بداخله، نظيرا ليس له  من خيار آخر إلاّ أن يتعايش معه.”99. أي عكس كلّ ما جاءت به الوحدانيّة الدّينيّة والدّنيويّة، والإيديولوجيات الطّهرانيّة التّاريخانيّة الّتي جعلت التّقدم نصب عينيها وهي تسير نحو الفردوس الأرضيّ أو السّماويّ تبعا لخطّ مستقيم لا يتحمّل الشّوائب، تقوده الوسائط من المسيح المنقذ، العقل، المحلّل النّفسي، المثقّف، الخبير…، مسلحين جميعا بالتّفسير ضدّ كلّ الطيّات والشّقوق الّتي تميّز الكثافة البشريّة وحجبها بأي ثمن عن الأنظار. في الوقت الّذي يجعل الشّرك أو الإيمان المتعدّد من هذه الطيّات والتّجاعيد ملاذا لكلّ صنوف العتمة الفرديّة والجماعيّة والمجتمعيّة في نوع من التّفاعل بين الخير والشّر، بين الضّوء والظّل. وهذا ما يجعلنا نتعلّق بالأساطير في تكامل أندادها: أنخيل وهيكتور، وبيرسفال وغو، وجلجامش وإنكيدو. لذلك لا مفرّ من الاعتراف بلوثة المعتم التّي عجن منها الانسان وهي تتجلى في الموسيقى والنّتاج الفني السّينمائي والشّعري، وفي التّحالفات السّياسيّة، وتغيير الولاء…، إننا نعيش تماسكا مؤسسا على صراع مكوناته المتناقضة، دون اقصاء للثالث المرفوع .

4- شموليّة الكينونة

لم يعد ممكنا الحديث عن الفرد إلا بصفيته متشظيا مزدوجا كما الحياة المزدوجة، وهذا ما تحاول الاعمال الادبيّة والفنيّة التّعبير عنه انطلاقا من الاشتغال على التّوتر بين الواقع والحلم داخل الدّاخل والحياة الاجتماعيّة. إنه واقع صراعي يجمع بين الصّداقة والعداوة، في تناقض وجداني يتخطى استيهام الواحد الأحد نحو الكثرة كازدواجيات  تفتح أفقا لمساعدة النّاس على مواجهة كلّ أنوع السّلط، من الأوامر والنّواهي، والاخلاقيّة القسريّة، ومقاطعة المواعيد الدّيمقراطيّة…، ” وفي كلّمة، كلّ هذه الأساليب الماكرة وتقنيات الشّطارة التّي تواجه بها الأقوام عبر التّاريخ أولئك الّذين يسعون جاهدين لفرض تصورهم للعالم عليها.”109 هؤلاء الّذين يتجاهلون حصة العتمة الكامنة في النّاس كتوتر لا يقبل العيش في واقع القيود والتّحجر، كما لو أنّ قشذة الحمق تطال كلّ شيء من الفرد الى الجماعة مخلفة تقلبات من وحي شيطاني هو الضّعف، أي الآخر الّذي نحمله في أعماقنا. وقد يصل هذا الحمق إلى انتحارات جماعيّة وسط طوائف بعينها. إنّها الرّغبة الجنونيّة للأنا في فيضه عن حدوده لمعانقة اللاّنهائيّ واللاّمحدود متحرّرا من انغلاقاته. هكذا صارت الكثير من الممارسات الغريبة عاديّة جدّا في حياتنا اليوميّة، بل وتعاش بنوع من السّحر والانخطاف وبصدر رحب. ” نخلص إلى القول بأنّ هذه الازدواجيّة الطّابعة بميسمها للذّات الواحدة والأنا المفرد باتت عنصرا مركزيا في الكثير من الأساطير والحكايات الضّاربة في القدم والعابرة للأمكنة. وتلتقي كلّها في الإقرار بهذه الحصّة الغامضة والمعتمة اللّصيقة بالتّركيبة البشريّة قبل سعيها الى مسرحتها وتقديمها في مشاهد مسليّة وطافحة بالمعاني.”113 ولذلك فإنّ قدر الإنسان هو أن يعيش هذا التّناقض الوجداني ذهابا وإيّابا بين الملائكي والشّيطاني، إنّها ديناميّة فائض حياة، الّتي تجعلنا نفهم الكثير من التّناقضات، كالسّياسي الفاسد ورجل الدّين بتوحّشه الجنسيّ، وغيرهما كثير ممن اعتلى منصة الشّهرة بسبب عيوبهم الّتي تمنحهم وزنا. ” إن وراء الوضعي العقلاني يقيم دوما أسّ أنثربولوجي يحرّك الأفراد والجماعات من الدّاخل مذكّرا إيّاهم بالازدواجيات والأضعاف المضاعفة الّتي منها صنعوا وعجنوا مثلما يذكرهم بالتّعقد البالغ الّذي منه الواقع البشري.”118 هكذا صارت التّناقضات من صميم الكائن فيما يشبه عودة نصيب السّحر واللّغز الى العالم. إنّه إحساس حاد وضاغط بالتّناهي والألم المصاحب له. وهكذا  نجح الفنّ  في التّعبير عن التّناقض الوجداني في الجمع بين الخير والشّر، بين الضّوء والظّل، وفي إبراز ازدواجيّة الكائن. إنّنا إزاء “معطى مؤدّاه أنّ اختبارات هذه الحياة وتجارب الألم وواقع الزّوال المحتوم لكلّ شيء، إنّما هي لحظات قويّة ضمن واقع سوريالي تنخرط فيه الجماعة برمتها هو الأبديّة الحقيقيّة عينها” 125

لم يعد ممكنا اليوم تجاهل الممارسات الدّيونيزوسيّة مخاطرة ومغامرة وجوديّة مع الموت في اندفاعها المتوهج بالعنفوان. ويتّضح الأمر أكثر عندما نتأمّل النّتاج الإبداعيّ لكلّ شينيتزلر ” دعوة للحياة”، الّتي ليست إلّا دعوة للموت، بالإضافة إلى أعمال كلّيمت وإيغون شييل، الّتي يتمّ التّعبير فيها عن الإزدواجيّة في أرقى دلالاتها، حيث لا تكفي النّظرة العقلانيّة، بل لا بدّ أن تفعل أيضا المشاعر الحياتيّة والأحوال الوجدانيّة. وأي إخفاق في إدراك الصّلة بين نداء الحياة ونداء الموت سيؤدّي إلى العنف والضّجر.” والحداثة نموذج حضاري جلي عن ذلك بسبب سعيها المحموم إلى إقصاء الألم على طريقها والتّخلص، بأي ثمن، من حصّة الظّل المعجونة منها كلّ أشياء هذا العالم، بل والكون برمّته. والبقيّة معروفة. فنحن أدرى بما تمخض عن هذا السّعي من مجازر وإبادات متتالية وخصاص مهول في الزّخم الوجوديّ.. والحال أنّ معظم النّتاج الإبداعي البشري إنّما هو ردّة فعل متفاوتة في القوّة على هذا الضّجر المستشري والمعروف بتوفيقه، على نحو مفارق، بين حدّي الإبداع والفظاظة.”127

هكذا كان الفكر الغربي مهووسا بحياة الخلود سواء في شكله الدّينيّ أو الدّنيويّ، حيث لا مكان للموت في جنون تقدّمه الشّنيع، سواء كان شرّا، خطيئة، فوضى …

وتبعا لهذا السّياق يمكن فهم كذلك موضوعة التّحرر الحداثيّة المتولّدة من عمق التّصور الإنجيليّ: موتك حيث انتصارك. وينتج عن هذا الإنكار للموت أو التّعامل معه كمأساة كبرى تناقض وجداني مرعب ورهيب، في الوقت الّذي ينبغي الوعي بضرورة جدليّة الموت والحياة.” وحين نتقبّله فإنّ غاية ما نقوم به هو تسديد الدّين الّذي ندين به للحياة، ومن صفته تلك يستمدّ ويمنح كثافته وزخمه. هكذا نجد أنفسنا، ونحن حيال هذا التّصور الدّقيق للموت، أمام اقتصاد عام يتيح معايشة أحوال قوامها جموح وشرّ ولا نظام، والّتي تدفعنا إلى ابتكار شروط إمكان إدماجها/ استدماجها والتّعايش معها.”129

لقد استطاعت الأعمال الفنيّة والإبداعيّة أن تبيّن العمق الجامع بين الأضدّاد والنّقائض، وهي توضّح بشكل رائع ما يوجد في الشّر من اقتدار. ولعلّ الإبداع المتميز غالبا ما يكون وليد الألم والمعاناة، وهذا ما يدفعنا إلى القول بأنّ الحياة تتغذّى من الموت، وهي لا تعاني ألم الفقدان، بل أيضا الشّعور بأنّنا لا زلنا على قيد الحياة كتعبير عن فائض الحياة.” وتجد تجلّيات باذخة لهذه النّقطة التّراجيديّة في العمق عند القبائل البولينيزيّة الّتي يسود فيها اعتقاد مؤدّاه أنّ القوة الرّوحيّة(المانا)) للمحارب وعدته الحربيّة مدينة في تكاثرها للقوّة نفسها عند العدوّ الّذي يحاربه أو يجعله صريعا.”131 هكذا يمكننا أن نستمدّ الحياة من الموت، كما تتقوى الرّوابط الاجتماعيّة أمام المحن. لهذا فإنّ الظّل يحايث الفضاءات الاجتماعيّة، ويحظى باهتمام كبير كوزن المتخيّل في البناء المجتمعيّ ومدى رفده الحياة بمزيد من العنفوان. إنّ طريق الزّوال المحتوم يطرحه نفسه باستمرار، لكن علينا أن نجعله محفوفا بمتع الحاضر في الاحتفاء بالحياة. خاصّة وأنّ الحياة المجتمعيّة صار يميّزها الانفعالي كفضاء حميمي للالتحام بالغيريّة عبر التّقاسم العاطفي للألم الإنسانيّ. “وما كان للتّعاطف، أصلا، أن يضطلع بوظيفة إيثيقيّة لو لم يكن نتاجا لحالة انصهاريّة في الطبيعة بكلّ تجلياتها. أمّا جوهره فيتحدّد في الإقرار بكون المعاناة مسألة كونيّة، وبالتّالي لا مناص من تقاسم آلامها مع غيرنا ليغدو الإقرار إيّاه ضربا من نزوع حيوي جامع”135.   لكنّ نزعة  الهيمنة الّتي رافقت الفكر الغربي تتعارض مع هذا الشّعور الانفعالي المرحّب بالآخر والمتفاعل مع أفراحه وأحزانه، ضدّ معايير النّبذ والإقصاء السّائدة اليوم كأكبر دليل على عدم الاعتراف بالشّر والظّل والموت، وبحقّ الآخر الطّبيعيّ والإثيقيّ في الوجود، خاصّة في تصوّراتهم ومعتقداتهم في تحمل أعباء الحياة، وما فيها من معاناة، خاصّة ونحن نرى إخفاق وهم مشروع الحداثة في القضاء على الشّر الّذي أخذ يطل في الإرهاب والإقبال على المخدرات والكراهيّة والانتهاك لكلّ المعايير والقواعد واختراق كلّ الحدود، وما يحدث من مجازر وإبادات كيماويّة، وانتشار الوباء القاتل…

لذلك لا مفرّ من قبول الشّر كاقتدار قادر على الجمع والرّبط والدّمج بين النّاس.” فالأحداث المأساويّة الملازمة لحياة بني البشر، تدفع كلّها باتّجاه يقظة مجتمعيّة تعيد إلى الأذهان حقيقة الزّوال المحتوم والبنيوي، زوال الأشياء والنّاس. إنّها تذكّر بمعطى سرمدي مفاده أنّ الواقع حامل في طياته أيض للسّالب، للنّفي ومعجون في المتناقضات.”139

5- تحوّلات الشّر

لا يمكن اليوم الإفلات من عيش ازدواجيّة وجوديّة مسنودة بانتهاكات وخرق للضّوابط والقواعد، واستعمال كلّ الأدوات بما فيها التّحايليّة الّتي تضمن البقاء والاستمرار، في نوع من النّزوع نحو المغامرة ضدّ الخنوع والذّل، وكلّ أشكال الاستعباد الأخلاقي والسّياسي وعقلانيّة الرّبح الاقتصاديّ المسكون بهواجس تكديس الأموال. فها هي الحكمة الشّيطانيّة تنبعث لتفرض اشتغال المخاطرة والمغامرة في كلّ شيء من طرف جموح الشّباب وفوراتهم الاحتفاليّة الّتي تتجاهل كلّ ما سيّده الآباء في كلّ شيء، دون رغبة منهم في نقدهم والحلول في أماكنهم. “نحن بحقّ حيال أسطورة قائمة الذّات، أسطورة الطّفل الأزلي الّتي باتت تصيب بعدواها شتّى أنماط التّفكير وطرائق العيش. ذلك الانهمام بالجسد وبالحميّة، وتبجيل الطّبيعة، علاوة على الانجرار خلف خلطات فلسفيّة ودينيّة وأيكولوجيّة، ما عادت بالمرّة مجرّد مسلكيات مقصورة على فئة عمريّة ومحصورة فيها، بل باتت عابرة للأعمار والشّرائح الاجتماعيّة.”147 مرفوقة باهتمام لم يكن في حسبان الحداثة كاللّعب والحلم والمتخيّل، بإفراط لا يخلو من الحضور القويّ للعنف والفظاظة. كلّ هذا في سياق أرحب لاحتضان الغير كأنا نفسي أو الطّبيعة أو المجتمع، بشكل متعدّد بعيدا عن أحاديّة التّجارب في المعيش اليوميّ، بل حضور كامل للتّعاطف والإحساس الجماعي للشّخص بكلّ كيانه وجوارحه، في حياة يكتسحها العنفوان والاندفاع بين القبائل المستحدثة في ذوقها الدّيني والثّقافي والرّياضي والجنسي…، حيث يعيش الشّخص تعدّد انتمائه لأكثر من قبيلة. ووفق هذا المنظور نفهم العمل الإرهابي، الّذي يعجز عنه التّحليل السّياسي. إنّنا إزاء رابطة غيريّة يؤطّرها رأسمال رمزي جماعي يمنح فيها للشّخص التّشظي. ” نحن هنا أمام مواصفات النّزوع العربيد مجتمعة، ذلك النّزوع القائم على تقاسم الانفعالات والأشواق الّذي يجوز تشبيهه، اعتمادا على حدس نيتشوي بـ” صوت يرتفع من الهوّة السّحيقة الّتي تقيم فيها الأشياء”. بكلّ الأحوال هو حالة انصهاريّة قصيّة يغلب عليها الالتباس المماثل للصّدى المنبعث من الفرد عندما يغدو أكثر من واحد على حدّ تعبير سيموندون.”150 خارقا بذلك منطق الهويّة، معبّرا عن تعدّد وتعدديّة الكائن في عيشه حريّة الفجوات والشّقوق والثّغرات، الّتي تعجز المقاربة السّوسيولوجيّة عن الإحاطة بها، بحياد قيمي يمكّنها من رؤية ما يحمله من إبداعات النّهر الهادر لهذه الإزدواجيات.” يتأتى للشّخص خارج قلعته الفرديّة الحصينة، وبفضل هذه الفجوات المعتمدة على بعضها، الإفصاح عن رغائبه ونزواته الكثيرة بما فيها الأكثر ظلمة والأشد عتمة، بل والمتحرّرة، إلى أبعد الحدود، من سلطة الأخلاق والأقل تطابقا مع هويتّه الخاصّة.”152أخذ هذا الأمر بعين الاعتبار يمكننا من فهم الكثير من الظّواهر الغريبة: من العزوف السّياسيّ ومختلف أشكال العنف واللاّمبالاة، مع التّمسك  بالخسران كممارسة حياتيّة لا تريد شيئا غير خوض تجربة الغيريّة ضمن الجماعة الهاربة من قبضة المؤسّسة، في نوع من الوحدة الوجوديّة الصّوفيّة الّتي ينصهر فيها الجميع. بمعنى أنّ مفهوم الفرد والذّات الحداثيّة تلفظ أنفاسها الأخيرة، أمام هذا التّوحد النّادر بين الأجساد والأرواح في بحثها عن المطلق، كالدّلالات القويّة الّتي تولدها موسيقى التّيكنو” وفي طليعتها النّزوع الجماعي إلى التّيه بصفته استئناسا بالممكن والمجهول والملغز والدّاهم، والرّغبة في الفناء الصّوفيّ في كلّ جماعي، فضلا عن إعادة تملّك وتوظيف لفضاءات كانت موضع تبجيل من قبل تصوّر بروميثيوسي للعالم قائم على الإعلاء من شأن الشّغل والكدح، حتّى وإن كان هذا التّوظيف المضادّ يتمّ بطرق مداورة وغير مباشرة”158

وفي هذا السّياق يمكن فهم التّعظيم الّذي يحظى بهم بعض المفكّرين والشّعراء الملاعين: نيتشه، بودلير، وميشو…، الّذين كشفوا هشاشة الفرد وتشظيه، وخواء اليقينيات، وهم يركّزون على الاندفاع والجنوني في الإقبال الجامح على المتع والشّبقيّة وكلّ أشكال الانتشاء الوجودي، حيث الإنسان موزع بين كونه عاقل ومسكون بجنّي ماكر كالممسوس، كما لو أنّنا إزاء قصص الحيوانات الأسطوريّة من التّنين إلى الغول الكامنين في أعماق الإنسان ويتحينان الفرصة للانفجار البهيميّ المرعب استمدادا لطاقة حيويّة خلّاقة.” إنّ استدعاء صور الغول الأرضي وإفساح المجال للشّر حتّى يعبّر عن مكنوناته، والإثارة القصوى لأحوال من الغلو والجموح، إنّما هي جملة وسائل يتحصّل من خلالها المحتفلون على مزيد من الطّاقة الأرضيّة…فالمعايشة الجماعيّة للعدم، واستدماج الموت- وهما الخاصّيتان الكبيرتان للحفلة بإطلاق- يرفدان الجماعة بمزيد من الحياة، بفائض حياة مثلما يوطّدان إحساس الأفراد بالإنتماء إليها.”162 ومن هنا التّركيز على امتصاص أكبر قدر من متع الحاضر في عيش اللّحظة كأبديّة لا تخلو من المخاطرة والتّجريب، وما تتميّزه به من المزج بين المتخيّل والعقل كأسلوب في العيش، في إطار جماعات احتفاليّة متوهّجة تتوخّى الانتشاء والانخراط في كلّ مغاير، يجمع بين الرّعشة الصّوفيّة والنّوازع الاجتماعيّة العربيدة.” إنّ الدّرس المركزي المستفاد من ظواهر الفورة المعاصرة، ومن موسيقى التّيكنو تحديدا، هو أنّ البشر جزء لا يتجزأ من الطّبيعة، كما أنّ الجوانب المظلمة فيه مماثلة لمثيلاتها في الطّبيعة من حوله بشكل مثير للغرابة والاستغراب. وهو بالعمق درس عام هو بمثابة صدى لكلّ الدّروس المستخلصة من الحكايات حول الغيلان والأشباح الّتي تنقلها أساطير وخرافات عابرة للأزمنة. درس يعيد إلى الأذهان، بتواتر وإلحاح حقيقة مؤدّاها استحالة التّخلص النّهائي من الشّر بواسطة إعمال العقل والمفاهيم الّتي ابتكرها لهذا الغرض.”166 هكذا يتّضح لنا مدى الصّعوبة في ادّعاء العقل الحداثيّ  التّخلص من الشّر الّذي ازداد وحشيّة من تخريب الطّبيعة إلى المجازر المروعة والإبادات…، حيث لا مفرّ للإنسان من ذلك إلاّ عبر تحويل تلك العتمة الحافرة في الأعماق الفرديّة والجماعيّة إلى مادة استهلاكيّة، أو فرجويّة لمساعدته على التّأقلم مع غرائزه الرّهيبة. ولعلّ الكثير من المظاهر الحياتيّة تشير إلى ذلك من الموضة، والإشهار وتصميم الأزياء، وتصاميم الرّقص…، وهي تمنح قيمة للعتمة والفظاظة الّتي تلفّها كقشرة خارجيّة.

وعلى العموم فنحن إزاء صيرورة تأنيث العالم الّذي أجهزت عليه الدّيانات التّوحيديّة، ثمّ الفكر العقلاني، إنّها صيرورة آخذة في اكتساح النّزعة الإنتاجيّة المهووسة بالتّكاثر واغتصاب الطّبيعة. “بكلّ الأحوال، الاقتدار المجتمعي سائر بخطى ثابتة باتّجاه إثبات ذاته، والإعلان عن نفسه، سواء كان من صنف الأنومي، أي الخارج عن المألوف والمنزاح عن القاعدة، أو من الصّنف الصّاخب، بل وحتّى من النّوع الصّامت والكتوم، ولعلّه الأكثر جموحا وجنوحا وقدرة على الإدهاش والإذهال. ومن الوارد أيضا أن يتّخذ شكل تمرّد بطور كمون، أو انتفاضات عارضة ودوريّة، وأفعال إرهابيّة، كما قد يتدثّر بجبّة العزوف الجماعيّ المتعاظم بشقيه الاجتماعيّ والسّياسيّ، وبرداء اللاّمبالاة أو السّخريّة اللاّذعة.” 194

******

الهوامش:

كلّ الهوامش من الكتاب: حصّة الشّيطان، والأرقام تشير إلى صفحاته.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This