العبيد في الإسطغرافيّة المغربيّة ما قبل الاستعمار من الاحتشام إلى التّحطيم

قراءة في كتاب محمد النّاجي، جند وخدم وسراري: الرّق في المغرب، ترجمة محمد الغرايب، منشورات فاليا، الطّبعة الأولى، 2018.

تقديم

يناقش الكتاب قضيّة العبيد في تاريخ المغرب باعتباره مكوّنا أهملته الدّراسات التّاريخيّة الكلاسيكيّة “الّتي لم تعلّق أهميّة كبيرة على الوقائع الاقتصاديّة والاجتماعيّة في الديناميّة التّاريخيّة”1، وأولت اهتماما بالمواضيع والقضايا “النّبيلة” من ذلك مثلا التّاريخ السّياسي والتّاريخ العسكري وأحوال الملوك والعلماء والأدباء ورجال الدّين وتاريخ النّخب، وبالمقابل وقع تغييب العديد من القضايا والموضوعات في الكتابة التّاريخيّة منها تاريخ الاقتصاد والأسعار وتاريخ الفئات المهمّشة.

أوّلا: أهميّة الكتاب

صدر الكتاب باللّغة الفرنسيّة سنة 1994 وكان من بين الكتابات القليلة جدّا الّتي اهتمّت بهذه الشّريحة المهمّشة، باستثناء بعض المقالات في حدود ذاك التّاريخ قبل أن تتوالى إصدارات مهمّة ورصينة في هذا الموضوع خصوصا دراسة عبد الإله بنمليح “الرّق في بلاد المغرب والأندلس”1 سنة 2004.  و يعود الفضل إلى مدرسة التّاريخ الجديد الّتي اهتمّت « بتاريخ المهمّش»، أي الانطلاق من أسفل الفئات الاجتماعيّة وأقلّها تأثيرا في صيرورة التّاريخ ومنحاه، كما تصوّره الإستغرافيّة التّقليديّة  وإن كان هذا الأمر غير موضوعي وغير علمي بالنّسبة للمدارس التّاريخيّة المعاصرة، الّتي يعود لها الفضل في إعادة الاعتبار لهذه الفئات.

على مستوى التّرجمة

ترجم هذا العمل الأستاذ محمد الغرايب وهو أستاذ متخصّص في التّاريخ الوسيط أي أنّه متمكّن النّصوص والوثائق والأرشيفات الّتي تعالج هذه الظّاهرة الّتي انتعشت بشكل كبير خلال العصور الوسطى، هذا من جهة ومن جهة أخرى فالقارئ لهذا الكتاب يلمس سلاسة في القراءة وعرض الأفكار بطريقة متناسقة ورصينة، بل أكثر من ذلك أنّ المترجم تعامل بذكاء مع نصوص شرعيّة من آيات قرآنيّة وأحاديث نبويّة بنوع من الذّكاء في التّوظيف والتّحليل وهذا أمر يحسب للأستاذ محمّد الغرايب.

 على مستوى العنوان

ينقسم عنوان الكتاب إلى ثلاث مفردات أساسيّة “جند وخدم وسراري” في إشارة واضحة إلى أدوار ووظائف العبيد بالمغرب خلال القرن التّاسع عشر، فالعبيد ساهموا بشكل رئيسي في تحقيق الأمن الدّاخليّ والتّوسّعات الخارجيّة والقضاء على التّمرّدات،2 كما أنّهم تولّوا الخدمة المنزليّة داخل بلاطات وقصور السّلاطين، والتّجار الكبار، وأرضعت النّسوة الأطفال وسهرن على تربيتهنّ، ومثّلت المرأة السّوداء عنوانا للرّقص والجنس وظهرت وظائف جديدة كما سمّها محمّد النّاجي “عبيد الفراش” les esclaves de lit .

كما يمكن الإشارة أنّ وظيفة العبيد لم تقتصر فقط على الحضور في بلاطات القصور والجيش وبيوتات كبار التّجار، بل شغلوا وظائف في البوادي وبكثافة خاصّة في الواحات والعمل في معامل السّكر إبّان العهد السعدين كما كانوا ينتشرون في غابات النّخيل من الفجر إلى الغروب ويوزّعون الماء ويجمعون الحطب ويغرسون الأرض.

مضامين الكتاب

ينقسم الكتاب، موضوع القراءة، إلى تسعة فصول، عالج في الأوّل منها موضوع العبيد في المجتمع المغربيّ من ناحية العدد وتوزيعهم ما بين المدينة والبادية، ثمّ أفرد الفصل للحياة اليوميّة للعبيد بالمغرب وعنونه بـ” على مرّ الأيّام” تطرّق فيه إلى مجالات حضور العبيد بين بلاطات القصور والجيش وما يرافق ذلك من أوضاع صعبة عاشها العبيد السّود،  وتتبّع في الفصل الثّالث من كتابه الحياة الخاصّة بالعبيد من زواج وتكوين الأسرة ومسألة أسماء العبيد، قبل أن ينتقل في الفصل الرّابع إلى موضوع مسألة الفرار العبيد وما يتبعها من إجراءات قد تؤدّي بالعبد إلى الوفاة والأماكن الّتي يلجأ إليها العبد الفارّ للحماية إمّا في اتّجاه الزّوايا أو المخزن باعتبارها حاميا لهذه الفئة، ثمّ عكف في الفصل الخامس من الكتاب على قضيّة عتق الرّقيق وتحريرهم، تطرق صاحب الكتاب من خلال هذا الفصل إلى الحالات الّتي يتمّ فيها عتق العبيد والحالات الّتي حدّدها الإسلام لهذه الحالات. أمّا في الفصل السّادس تحدّ المؤلّف عن آليّة الخطف باعتبارها آليّة مهمّة ورافدا أساسيا للاسترقاق بالمغرب لانعدام الأمن خاصّة على طول طرق القوافل التّجاريّة. وصولا إلى الفصل السّابع حيث تعرّض في هذا الفصل إلى العبيد باعتباره سلعة تباع وتشترى في أسواق النّخاسة العلانيّة وأخرى سريّة، كما تطرّق إلى الجانب الأخلاقي حيث يتاجر الإنسان بأخيه الإنسان. أمّا في الفصل الثّامن والموسوم بـ”عبيد المخزن” كون هذه الفئة كانت تعيش نوعا مّا “العبوديّة الرّحيمة” وختاما بالفصل التّاسع تتبّع من خلال هذا الفصل محاور التّجارة الآتيّة بالعبيد من جنوب الصّحراء مرورا بالمغرب في اتّجاه أوروبا، ثمّ ختم الفصل بدور الاستعمار وازدواجيّة التّعامل مع العبيد تارة بالتّغاضي عن أسواق العبيد وتارة أخرى بالمنع ومحاولات العتق وتحرير العبيد.

قضايا الكتاب:

فالكتاب بنظرنا يطرح قضيتين رئيسيتين هما مسألة العبوديّة الرّحيمة والقضيّة الثّانية مجالات حضور العبيد بعيدا عن قصور الأمراء والجيش، فهناك دراسات كثيرة تناولت هذه الفئة المهمّشة، لكنّ رؤية صاحب الكتاب تختلف من حيث التّناول لقضيّة ما يسمّيه بالعبوديّة الرّحيمة أو العبوديّة بالحسنى ثمّ المسألة الثّانية هو الدّور الّذي لعبه العبيد بعيد عن القصور والجيش عبر تاريخ المغرب.

القضيّة الأولى : العبوديّة الرّحيمة

يقدّم صاحب الكتاب إشكاليّة مركزيّة في مدخل هذا العمل وهي قضيّة “العبوديّة الرّحيمة” أو كما سمّاها محمد النّاجي العبيد بالحسنى، ثمّ يختم المدخل بطرح إشكاليات كبرى هي بمثابة التّمفصلات الكبرى للكتاب. أي دور للعبيد؟ وماهي علاقة العبيد بالأسياد؟ وماهي وضعيتهم؟ وكيف نظر المجتمع المغربي للعبوديّة بصفة عامّة؟

يطرح محمّد النّاجي تساؤلا مركزيا في هذا المؤلّف وهو أنّ هذا العمل لا يعالج قضيّة الرّق في علاقته بالشّرع بل هل هناك عبيد بالحسنى أو العبوديّة الرّحيمة، وهي قضيّة سبق وأن طرحها المرخ “جيمش غراي جاكسنون James Garay Jackson” في وصفه للعبوديّة في المغرب بكونها إنسانيّة مقارنة بالعبيد السّود في الولايات المتّحدة الأمريكيّة حيث لا شيء هناك سوى “السّوط والكوخ” وما يعزّز هذا الأمر كون العبد في المغرب قد تجده عنصرا من العائلة المغربيّة يساهم في اشغال البيت ويربّي الأطفال ويفرح في المناسبات والأعياد لدرجة أنّه يرفض التّحرّر “القابليّة للاستعباد” كما يذهب إلى ذلك المؤرّخ الجزائري مالك ابن نبي. إضافة أنّ العبيد في المغرب لم يشكّل خطرا ولم يطرح سؤال التّحرر الجماعي على غرار الثّورات الّتي قادها العبيد في المشرق عبر فترات زمنيّة متتالية، وهذا ما جعله عنصرا متقبّلا من طرف المجتمع المغربيّ زد على ذلك أنّ هناك أفراد من العبيد حقّقوا ترقيا اجتماعيا فريدا من قبيل “النّاجم الخصاصي” الّذي تحوّل إلى قايد بالمغرب في القرن التّاسع عشر.

تعتبر العبوديّة أمرا وحشيا بغض النّظر عن التّمايز الحاصل بين هذا النّظام الاجتماعيّ في هذا المجتمع أو ذلك المجتمع، وبالتّالي فالمقارنة بين عبيد المغرب والعبيد في الولايات المتّحدة الأمريكيّة تفتقد إلى مسألة مهمّة ومعيار أساسي في عمليّة المقارنة وهي  التّجانس والتّشابه  بين الأحداث الّتي تصنّف كونها وقائع تاريخيّة كما نبّه إلى ذلك مارك بلوك .

القضيّة الثّانية: مجالات حضور العبيد

يطرح الكتاب مسألة في غاية الأهميّة، وهي أي دور كان للعبيد بعيدا عن القصور، وتعتبر هذه القضيّة شحيحة من ناحية الكتابة والتّناول من طرف المؤرّخين والمهتمّين المغاربة.

اختلف التّعامل مع العبيد حسب الجنس واللّون، وقد أشار صاحب الكتاب إلى أنّ العبيد البيض هم أرفع شأنا من العبيد السّود، فالعبيد البيض دائما ما كانوا في انتظار محاولات افتكاك الأسرى3 أو بيعهم لآخر أوروبي يحرّرهم فيما بعد كما يذهب إلى ذلك الأسير جيرمان مويط4. أمّا العبيد السّود فأغلبهم مارسوا كلّ المهن المتاحة في رحلتهم الطّويلة عبير البيع والشّراء ما بين سيّد وآخر. فقد عملوا في البيوتات وزراعة الأرض في الضّيعات الفلاحيّة كما أنّهم مارسوا أشغال من قبيل البناء والمحظوظ منهم عمل في الحدادة والنّجارة.

خلاصة القول

تعدّدت مجالات حضور العبيد بين أعمال شاقّة كالعمل في معامل السّكر والبناء والنّجارة والحدادة، وأخرى لم تتطلّب جهدا من قبيل العمل بالبيوتات والطّبخ وتربية الأبناء وبعض الحرف كالعمل في تحضير الخبز والخمور وعصر الزّيتون، إلّا أنّ أغلب الدّراسات الّتي أنجزت وليمنا هذا أغلبها نبش في حضور هذه الفئات المهمّشة ضمن الجيش والقصور السّلطانيّة.

ويمكن أن نختتم هذه القراءة بتساؤل عريض هل أغلب العبيد الّذين لم يمتهنوا حرفة  تمّ دمجهم في سلك الجنديّة؟ وأصبحت هذه الأخيرة وظيفة لكلّ العبيد الّذين لا حرفة لهم.

******

الهوامش:

  1. بنمليح، عبد الإله، الرّق في بلاد المغرب والأندلس، بيروت: مؤسّسة الانتشار العربي، 2004.
  2. MIQUEL André : La géographie humaine du monde musulman jusqu’à au milieu du 11éme siècle, Editions Mouton, Tome I, Paris 1973. P.3.8.
  3. إدريس (أبو–) إدريس. مدخل إلى التّعريف بوضع الأسرى بين المغرب وفرنسا ( ق7و18)، ضمن ندوة الجهاد البحري في التّاريخ العربيّ الإسلاميّ، الّتي نظمت أيام 30-31 ماي و 1-2- يونيو 1997 من طرف جمعة أبي رقراق واللّجنة المغربيّة للتّاريخ البحريّ، ص309.
  4. جون وندوسس. رحلة إلى مكناس، تعريب: زهراء إخوان، ص. 119
  5. جرمان مويط، رحلة الأسير مويط، ترجمة: محمد حجيو محمد الأخضر، الرّيصاني، 1990 .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This