الأوبئة في الفنّ

مع انتشار الفيروس التّاجيّ كورونا المستجد (كوفيد 19) في جميع أنحاء العالم، حاولنا في هذا المقال أن نلقي الضّوء على كيفيّة تصوّر الفنّانين عبر التّاريخ للأوبئة المميتة، وبالرّغم من أنّ هذه اللّوحات قد تبدو غير مريحة بالنّسبة للظّروف الحاليّة الّتي يمرّ فيها العالم بسبب الجائحة، لكن عندما ننظر للأمر من زاوية أخرى، سنرى أنّ الأوبئة المميتة كانت في الواقع جزءاً منتظماً ودورياً من حياة الإنسان عبر القرون، فعلى سبيل المثال: كان الموت الأسود (الطّاعون) في العصور الوسطى من أكثر الأوبئة المدمّرة في تاريخ البشريّة، أسفر عن وفاة ما تقديره بين 75 – 100 مليون شخص في أوروبا وآسيا، وقد بلغ ذروته السّوداء في أوروبا سنة 1347 – 1351 حاصداً ما لا يقلّ عن 100 مليون شخص، أي حوالي ثلث سكّان أوروبا في تلك الحقبة.

وفي عالم 1918 أدّت جائحة (الأنفلونزا الإسبانيّة) الّتي استمرّت حتّى عام 1920، إلى إصابة حوالي 500 مليون شخص حول العالم وهو ما يمثّل نسبة 25 بالمائة من سكان العالم في تلك الفترة، وقد قُدر عدد الوفيات بسبب هذه الجائحة بحوالي 20 – 50 مليون شخص ولم يمضي على هذه الجائحة أكثر من 100 عام فقط. فكيف تناول الفنّ هذه الأوبئة المميتة عبر العصور؟ هذا ما سنتناوله في هذه المقالة من خلال استعراض 9 لوحات عبر التّاريخ استطاعت أن تصوّر لحظات المأساة الّتي سبّبتها هذه الأوبئة على الصّعيد الشّخصيّ أو الجماعيّ.

1- لوحة (مواطنو تورناي يدفنّون موتاهم خلال الموت الأسود) القرن الرّابع عشر

رُسمت هذه اللّوحة في بلجيكا أثناء جائحة الطّاعون الأسود بين عامي 1347 – 1351، وقد شوهدت في سجلّات رئيس دير القديس مارتن (جيل لي مويسيس)، وفي تلك المرحلة كانت المواضيع مثل الهياكل العظميّة، ورقصة الموت، أمر شائع في الفنّ الّذي تأثّر بشكل شديد، كجميع أشكال الحياة اليوميّة، بالجائحة المميتة، حيث توفّي واحد من كلّ ثلاثة من سكّان أوروبا في الوباء. وفي بعض المدن، كالبندقيّة، توفّي حوالي 60 بالمائة من سكّانها، كما توفّي نصف سكّان باريس البالغ عددهم في تلك الحقبة حوالي 100 ألف نسمة بسبب هذا المرض، وقدر أنّه قبل الجائحة كان في ألمانيا حوالي 170 ألف قرية انخفضت بعد قرن من الجائحة إلى 40 ألفاً حيث عبر سنة 1353 عن هذه الكارثة الكاتب الايطالي جيوفاني بوكاتشو قائلاً: “تبدأ سلسلة الآلام عند النّساء والرّجال على السّواء بظهور أورام على الفخذ أو تحت الإبطين، قد ينمو بعضها إلى حجم تفاحة، وبعضها الآخر تبدو كالبيضة، تنتشر في جميع اتّجاهات الجسد بعد ذلك دون توقّف، ثمّ تتحوّل إلى بقع سوداء مخيفة على الذّراع والفخذين لتبدأ الحمى الحادة وتقيؤ الدّم ما يشير إلى اقتراب الموت المؤلم والمؤكّد بعد يومين إلى سبعة أيّام من الإصابة”.

تصوّر هذه اللّوحة حالات الدّفن الجماعي للأعداد الكبيرة من الضّحايا، حيث مواطنو مدينة تورناي البلجيكيّة، يقومون بحفر قبور جماعيّة حيث هنالك خمسة عشر مشيعاً وتسعة توابيت محشورة في مساحة صغيرة تعبيراً عن ضيق الأرض بأن تتّسع لهذا الكمّ الهائل من القتلى، نلاحظ عند التّدقيق في وجوه حاملي التّوابيت، مدى التّعبير الصّادق عن مقدار الحزن والرّعب الّذي انعكس على الوجوه، ما يعطي انطباع صادق وحقيقي عن حجم الكارثة الّتي أدّت إليها تلك الجائحة.

2- لوحة جداريه بعنوان “رقصة الموت” للفنّان الإيطالي جياكومو بورلون دي بورشيس (القرن الخامس عشر)

بعد حوالي مئة عام على انقضاء جائحة الطّاعون المميتة، بدأ الفنّانون تناول هذا الوباء الأسود بطريقة مختلفة، حيث يصوّر الفنّان هنا الموت بطريقة الكوميديا السّوداء، إذ يتمّ تصوير الموت الأسود من خلال عدسة قاتمة بطريقة رقصة مميتة، وهو ما عبّرت عنه مجموعة قصائد في تلك المرحلة تتحدّث عن اللّقاء بين الموات والأحياء في فترة انتشرت فيها صورة الفارس القويّ والأساقفة الفخورين. تصوّر اللّوحة هنا وهم المظاهر الّتي سرعان ما تصطدم بهادم اللّذات ” الموت” الّذي يأتي متراقصاً من بعيد يناديك إليه، وعندها لن تستطيع قوّتك ولا سلطاتك أن تنقذك. وهنا نشهد مشهد انتصار الموت، حيث تظهر مجموعة من الشّخصيات من طبقات اجتماعيّة مختلفة تسيرها الهياكل العظميّة، لكي تنظم إلى رقصة الموت، ويمثّل الموت نفسه هنا، على هيئة ملكة في منتصف اللّوحة تحرّك أيديها على نحو راقص، وإلى جانبيها هيكلان عظميان يقومان بالمهمّة بقوس لا يستثني حتّى الأقوياء الّذين تمّ تصويرهم وهم في حالة يأس وقنوط، حيث يقدمون الأشياء الثّمينة ويتوسّلون الرّحمة دون أي أمل. تحت قدمين هذه الملكة القاتلة نلمح نعش رخامي يتمدّد فيه الإمبراطور والبابا تحيط بهم الحيوانات السّامة كتعبير عن الموت الّذي لا يرحم ولا يستثني أحداً.

3- لوحة “انتصار الموت” للفنّان الهولندي بيتر بروغل الأكبر- 1562

على الرّغم من انقضاء فترة طويلة على الموت الأسود، إلّا أنّ ذكراه المظلمة بقيت في الأذهان وهذا ما عبّرت عنه هذه اللّوحة الرّائعة “انتصار الموت” إذ نجد على نحو درامي مشبع بالشّخصيات كيف يمكن أن يبدو الموت الأسود في جائحة اجتاحت إحدى المدن الأوروبيّة، فنلمح جيشاً من الهياكل العظميّة تجتاح عالم الأحياء في مشهد مقفر يترك انطباعاً عميقاً بالنّفس. حرائق مشتعلة من بعيد توحي بسيطرة الموت على الحياة، بحر مليء بحطام السّفن كدلالة على يأس المحاولة لأي شكل من أشكال الأمل أو النّجاة من الموت، ونجد في المقدمة أناس من جميع الخلفيات الاجتماعيّة (فلّاحين – جنود – نبلاء – أمراء….. ) يعلنون انهزامهم أمام الموت الّذي يأخذهم جميعاً دون تمييز.

4- لوحة “دكتور فون روم” للفنّان الألماني باول فورست- 1656

استمرّ رعب الموت الأسود يخيم على أرجاء أوروبا على شكل موجات وبائيّة متتالية تحصد الأرواح، ورغم أنّ هذه الجائحات كانت أقلّ انتشاراً من الموت الأسود الّذي دمّر أوروبا في القرن الرّابع عشر، إلاّ أنّ الطّاعون تحوّل إلى جزء منتظم من الحياة اليوميّة في أوروبا، يأتي كجائحات تدمّر المدن بشكل رهيب، وتحصد المزيد من الضّحايا كان منهم فنّانين كبار أمثال  (تيتيان – هامز هوبلين).

وفي هذا النّقش المرسوم نرى زياً واقياً من الطّاعون انتشر في فرنسا وإيطاليا في القرن السّابع عسر، ورغم شكله المنفّر والمرعب، لدلالته على الرّعب المرتبط بجائحة الطّاعون، إلّا أّنه كان يُعتقد في تلك الفترة أنّه معطف يقي من العدوى الّتي قد تصيب الأطباء المهتمّين بمرضى الطّاعون، وهو عبارة عن معطف يغطي الجسد، ومعه قناع منقار طير إلى جانب القفازات والحذاء، وقبعة عريضة الحواف. يحتوي القناع على فتحات زجاجيّة عند العينين ووجه منحني على شكل منقار مع أحزمة تثبته أمام أنف الطّبيب، وهناك فتحتين صغيرتين للأنف كان يوضع فيهما مواد عطرة الرّائحة لإبعاد الرّوائح الكريهة الّتي كان يًعتقد أنّها السّبب الرّئيسي لانتقال المرض.

5- لوحة (الطّاعون) للفنّان أرنولد بوكلين- 1898

يُعاد هنا تصوّر الأزمنة المرعبة الّتي كان فيها الطّاعون يجتاح فيها المدن والقرى ليقضي على الحياة، إذ يصوّر هنا بوكلين الموت تصويراً رمزياً على شكل مخلوق مجنّح، يطير في شوارع بلدة قديمة من العصور الوسطى ويقضي فيها على كلّ معنى الحياة الّتي مثلها بعروس ميتة، وقد استلهم ذلك من الأخبار الّتي تمّ تناقلها عن الطّاعون الّذي انتشر في مدينة بومباي الهنديّة سنة 1898.

6- لوحة “الأسرة” للفنّان النّمساويّ إيجون شيل- 1918

جاء القرن العشرون ليجلب معه حربين عالميتين الّتي تضمّنت فظائع لا يمكن وصفها، بالإضافة لجائحة الأنفلونزا الإسبانيّة، الّتي أصابت وفق التّقديرات حوالي 500 مليون شخص حول العالم، توفّي منهم بين 20 – 50 مليون شخص، وهو عدد فاق قتلى الحرب العالميّة الأولى، كانت أعراض هذا المرض الفتّاك تبدأ بالحمى والغثيان والأوجاع العامّة في الجسم مع شعور بالإنهاك والإسهال، ثمّ تصل إلى مرحلة الالتهاب الرّئوي الحادّ القاتل حيث يتحوّل لون المرضى إلى الأزرق نتيجة نقص الأوكسجين في الدّم، ما يؤدّي إلى وفاتهم اختناقاً، وقد كانت الأنفلونزا كثيراً ما تصيب الشّباب وتقتلهم ككبار السّن (على عكس فيروس كورونا الحالي الأكثر ضعفاً).

وقد كان الفنّان إيغور شيل أحد ضحايا هذا المرض الفتّاك، حيث صوّر في تلك اللّوحة (وهي آخر لوحاته قبل وفاته بسبب المرض) نفسه مع زوجته “إديث” وطفلهما الّذي لم يكن قد ولد بعد، والمأساة هنا أنّ زوجته أيضاً كانت مصابة بالمرض، فنّقرأ في خطاب لأمّ زوجته يصف فيه قلقه على زوجته قائلاً: “أصيبت إديث بالأنفلونزا الإسبانيّة قبل ثمانية أيّام، ولديها التهاب رئوي حادّ، وهي حامل في شهرها السّادس، المرض خطير للغاية ويهدّد حياتها”. وقد توفّيت بالفعل إديث وهي حامل بشهرها السّادس، ثمّ ما لبث أن توفّي زوجها أيضاً بعد ثلاثة أيّام من وفاتها لتصوّر اللّوحة فاجعة تخيّل وجود أسرة لم تعد موجودة.

7- لوحة “صورة ذاتيّة بعد الأنفلونزا الإسبانيّة” للفنّان النّرويجي إدوارد مونك- 1919

لقد كان مونك من الأشخاص الّذين نجوا من الموت بعد إصابته بالأنفلونزا الإسبانيّة على عكس العديد من الفنّانين الكبار سيئي الحظّ الّذين عجزوا عن مقاومة المرض أمثال (غوستاف كليمنت- أمادي ودي سوزا – نيكو بيروسماني) وقد رسم هذه اللّوحة سنة 1919 ليصوّر حالات قربه من الموت، فنلاحظ كيف رسم نفسه بشعر متساقط قليل الكثافة وبشرة مصفرّة يظهر عليها الإعياء الشّديد، ليظهر حجم الضّيق والضّعف الّذي ينجم عن هذا المرض.

8- لوحة (الجهل=الخوف) للفنّان الأميركي كيث هارينج- 1989

انتشر مرض فيروس نقص المناعة المكتسب (الإيدز) في أوائل الثّمانينات من القرن الماضي في الولايات المتّحدة وبقيّة دول العالم، ليصيب أكثر من 70 مليون شخص حتّى الآن، توفّي منهم حوالي 35 مليون، وقد كان يُنظر للمرض في فترة الثّمانينات من القرن الماضي باعتباره مرض لا يصيب إلّا مثليي الجنس، حتّى أنّهم أطلقوا عليه اسم “طاعون المثليين” لسنوات عديدة. ولمواجهة هذا الجهل في فهم المرض قام الفنّان كيث هارينج بتصميم هذا الملصق سنة 1989 وذلك بعد إصابته شخصياً بالمرض.

يصوّر الملصق ثلاث شخصيات تشير إلى الجملة المشهورة “لا أرى – لا أسمع – لا أتكلّم” وذلك ليعبّر عن النّضالات والتّحديات الّتي يواجهها المصابون بالإيدز نتيجة التّضليل الّذي تبثّه الإشاعات ووسائل الأعلام بين أفراد المجتمع تجاههم ما يؤدّي إلى التّقليل من احترامهم، وقد توفّي هارينج بسبب مضاعفات المرض بعد عام من تاريخ هذا الملصق.

9- (سقوط البوفالو) للفنّان الأميركي ديفيد ووجنارويز – 1989

يعتبر هذا العمل أحد أشهر أعمال الفنّان، بل ومن أكثر الأعمال تأثيراً وتعبيراً عن القلق الّذي يمكن أن يسبّبه الإيدز، ففي هذا المونتاج الفوتوغرافي نرى قطيعاً من الجواميس يسقطون من فوق جرف صخري نحو موتهم المحتّم، تعبّر الجواميس المتساقطة عن مشاعر اليأس والخوف والفراغ الّذي يعانيه المرضى في مجتمع لا يستوعب آلامهم، ممّا يجعل العمل قوياً واستفزازياً للغاية، حيث قاطع الفنّان بين تشخيص مرض الإيدز للمرضى، والذّبح الجماعي للجاموس الأميركي على يد الأوروبيين في القرن التّاسع عشر، ليذكر المتلقي بالإهمال والتّهميش الّذي يعاني منه المصابين بالإيدز نتيجة السّياسات الخاطئة تجاههم، وكان أن أصيب الفنّان نفسه بالمرض وتوفّي سنة 1992.

******

ترجم المقال بتصرّف عن مجلّة Daily Art ، للكاتبة (Zuzanna Stanska)

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This