الكويت : العابرون جنسياً وعذابات لا تنتهي / أروى الوقيان

ما قالته مها المطيري يعكس حقيقة الكثير من المراكز الأمنية، حيث تسود عقلية تعتبر اغتصاب العابرين حقاً مكتسباً بل هدية للمساجين بل وربما بمباركة رجال الداخلية.

انتشر هاشتاغ #ططوه_المطيري على ساحة “تويتر”، وهو يحتوي على فيديو لـ شابة عرفت عن نفسها بأنها مها المطيري، وهي كويتية عابرة جنسياً. ظهرت المطيري في الفيديو تبكي وتروي معاناتها في السجن حيث تقول إنها خسرت عملها وتعرضت للاعتقال والاعتداء الجنسي من قبل عناصر رجال شرطة حيث تم توقيفها في سجن الرجال وليس النساء. بكت بحرقة وقالت “أنا بنت لماذا أحبس في سجن الرجال؟”. مضيفة: “أنا بنت. انولدت بنت وسجنتوني بنت ورح أموت بنت… لما تسجنوني سجن الرجال وأكون نايمة وتيجي الشرطة يتعسسون عليّ…”

ما قالته مها يعكس حقيقة الكثير من المراكز الأمنية، حيث تسود عقلية تعتبر اغتصاب العابرين حقاً مكتسباً بل هدية للمساجين بل وربما بمباركة رجال الداخلية.

في الفيديو، تحدّثت مها عن صديقة عابرة جنسياً عانت بسبب هويتها الجندرية في الكويت، الأمر الذي جعلها تختار الانتحار من خلال القفز من الطبقة الثامنة، “يا الله على قسوة النهاية التي اختارتها”.

بعيداً عن التنمر الهائل الذي تعرضت له المطيري وما يتعرض له أمثالها من العابرين، فقد لا يخطر في بال البعض أن لا أحد ربما يريد أن يفرط برجولته في مجتمع ذكوري، يعطي الذكر الكثير من الامتيازات، في حين يعاقبونه على تلك الهوية إن لم تناسب أهواءهم، مع العلم أنه لم يخترها، بل هي اختارته.

يعتبر البعض المثلي والعابر جنسياً ومزدوج الميول وغيرهم “مرضى نفسيين” وهو الأمر الذي تم نفيه وحسمه بدراسات طبية ونفسية منذ ما يقارب 30 عاماً وأكثر، إنما يبقى موضوع الهوية الجنسية والجندرية أمراً شائكاً في المناقشة بسبب المرجع الديني، أو ثقافة العار في بعض المجتمعات.

وكانت منظمة “هيومان رايتس ووتش” قد وثقت عنف الشرطة الكويتية ضد العابرين والعابرات جنسياً وطالبت بإلغاء المواد القانونية التي تجرم “التشبه بالجنس الآخر”.

الأمر الذي يقودنا إلى السؤال، ألا تكفي معاناتهم حتى يزيد عناصر الدولة أو الشرطة تعذيبهم؟

فإن كانت ميولك التي لن تضر أحداً غيرك ستؤدي للاغتصاب، هل يعتبر المغتصِب الذي ينفّذ القصاص بحق هذه الفئة المستضعفة في مجتمعاتنا العربية، مريضاً؟

هذا العالم قاسٍ بما فيه الكفاية ولا يحتاج إلى ظلم أكبر على المهمشين والأقليات والنساء والأطفال.

حكاية منى
أرجعني ذلك إلى لقائي الأول مع منى، وهي خبيرة مكياج، أثناء جلسة تصوير قمت بها من أجل صديقي الذي كان سيشارك بصوره لبرنامج دراسة. طلب مني أن يصورني، أخبرني بأنه سيحضر معه خبيرة تجميل ممتازة، لكنها قد تبدو متوترة قليلا لأنها عابرة جنسياً، قامت بعملية تصحيح للجنس، وحتى ذلك اليوم تعرضت للاعتقال والاغتصاب 3 مرات من قبل رجال الشرطة، وتم رميها في القمامة، الأمر الذي جعلها غريبة وقليلة الكلام.

حين التقيتها كنت أحدثها بلطف، وكانت جلسة تصوير طويلة الأمر الذي استدعى أن نأخذ استراحة غداء، أكثر ما آلمني أنها كانت سعيدة لأنها في محيط عاملها في واحدة من المرات النادرة كإنسانة لها حق الاختيار، وكانت المرة الأولى التي تخرج فيها من المنزل منذ شهور.

غادرت منى الكويت قاصدة الولايات المتحدة بغرض الهجرة بسبب هويتها الجنسية، وعام 2014 بعثت لنا رسائل لتبشرنا بأنه تم قبول هجرتها بعد الاطلاع على تقارير الشرطة وإثباتها حادثة الاغتصاب.

اليوم منى تكافح من أجل لقمة عيشها في بلد فرص العمل فيه صعبة على أبنائه.

وقصة منى ليست حالة فردية، لكن يحسب لها أنها نجت بحياتها، وتحولت من تلك المرأة المنغلقة إلى إنسانة سعيدة وواثقة من نفسها، وقالت “لن أعود إلى الكويت مهما بلغ فيّ الشوق لأهلي، لا أستطيع أن أعيش هذا الجحيم مرة أخرى”.

موضوع الهوية الجنسية والجندرية سيظل من المحظورات أو تابو في وطننا العربي، مجرد النقاش فيه يثير الريبة والرغبة بالدفاع عن الدين والموروثات الاجتماعية.

منذ الخليقة وجميع الهويات الجنسيات والجندرية موجودة، وهي ليست حدثاً استثنائياً أو جديداً… والعابرون جنسياً ليسوا بأقلية.

هم فئة تعاني بصمت، لذلك من يخرج منهم إلى النور للتحدث عن معاناته يصنّف حالة “شاذة”، ولكن ما لا يعلمه البعض أن هذه الشريحة تعيشاً قلقاً حقيقياً وخوفاً يومياً على حياتهم، لذلك اختاروا أن يعيشوا في الخفاء كالخفافيش، يسرقون بعض لحظات الحرية أثناء السفر، كثر منهم يحلمون بالهجرة، لكنهم يخافون المستقبل في بلد جديد، بخاصة إن لم يجيدوا لغته.

معاناتهم عظيمة وفور مشاركتي في هذا الهاشتاغ، أتتني ردود الاستنكار والآيات والأحاديث الدينية، التي تؤكد أنهم مرضى ويجب ألا أدافع عنهم، إلا أن البعض كان متفهماً، فيما استنكر آخرون الاغتصاب.

إن استمررنا بالخوف من الحديث عن أهمية حقوق الإنسان، الذي قد يكون عابراً جنسياً أو مزدوجاً أو مثلياً أيضاً، فنحن نقتل الإنسان في حقيقته الذي خلق بميول وطباع وأجساد مختلفة.

هناك حكمة أكبر مني ومنك في تنوع البشر، وحق أي مستضعف أن تستشعر ظلمه، العالم لا يقسو على الأسود في أميركا وحسب، والفلسطيني على يد الإسرائيليين وحسب. العالم يقسو على أي شخص مختلف!

هذا العالم قاسٍ بما فيه الكفاية ولا يحتاج إلى ظلم أكبر على المهمشين والأقليات والنساء والأطفال.

هو قرار داخلي على كل واحد اتخاذه، وهو تقبّل الآخر من دون أحكام شخصية، مهما كان مختلفاً… فجميعنا في مكان ما مختلفون.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This