ماذا لو رأى الجمل حدْبته؟ / وائل السواح

سينتهي المآل بالرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى أن يغدو وحيداً مع ثلّة من البلطجية، سواء بينهم من يرتدي ربطات العنق ويجلس في مجلس الشيوخ أو النواب في الكونغرس، أو أولئك القوميون العنصريون البيض الذين يذرعون الشوارع على درّاجاتهم النارية ويهتفون: “لن يحلّ اليهود محلنا”.
في كلّ صباح، يضيف ترامب عاملاً جديداً يدفع إلى عزلته. جديده قبل أيام حين هدّد حكام الولايات وعُمَد المدن بأنهم إذا لم يقضوا على الاحتجاجات التي تعمّ المدن الأميركية على مقتل جورج فلويد، المواطن الأسود الذي قضى اختناقاً بعد أن ضغط شرطي على رقبته بركبته تسع دقائق وهو يحشرج: “لا أستطيع أن أتنفس”، فإنه (رئيس أكبر ديمقراطية في العالم) سيرسل القوّات المسلحة الأميركية لتقضي على الاحتجاجات.
كانت تلك القشّة الأخيرة بالنسبة إلى مشرّعين محافظين وأعضاء في إدارة الرئيس ترامب الحاليين والسابقين الذين أعربوا عن قلقهم واشمئزازهم من إقحام الجيش في الحياة الأميركية الداخلية. وزير دفاع الرئيس ترامب السابق، الجنرال جيمس ماتيس، الصامت دائماً كأبي الهول، خرج عن صمته، وقال إن الرئيس ترامب بتصريحه إنما “يقسّم الأمة”، وإنه يأمر الجيش الأميركي بانتهاك الحقوق الدستورية للمواطنين الأميركيين. وأن يفتح جيمس ماتيس فمه لينتقد رئيس بلاده أمر جلل، فالعُرف الأميركي يمنع وزراء الدفاع وقادة الجيوش أن ينتقدوا السياسيين. وفوق ذلك، معروفٌ عن الرجل أنه عسكري منضبط، وهو نادراً ما يتحدّث في السياسة، وحتى عندما استقال من منصبه في عام 2018 احتجاجاً على قرار ترامب سحْب قواته من سورية، لم يتحدّث وقتها، ومضى من الأضواء إلى عزلته بصمت. لكنّ ما آلت إليه الأمور أخيراً، والطريقة الهستيرية التي تعامل بها ترامب مع الاحتجاجات، وتهديده باستخدام الجيش في مواجهة المدنيين، دفعت الرجل الجليل إلى القول. كتب أن عبارة العدالة المتساوية بموجب القانون “منقوشة في صدر المحكمة العليا للولايات المتحدة. ولا يطالب المحتجون بأكثر من ذلك”. ثمّ أضاف بلغة واضحة ولهجة صريحة: “دونالد ترامب أول رئيس في حياتي لا يحاول توحيد الشعب الأميركي، ولا يتظاهر حتى بالمحاولة. إنه بدلاً من ذلك يحاول تقسيمنا”.
وإن كان انتقاد وزير دفاع سابق نادراً، فالأندر انتقاد وزير دفاع حالي سياسة رئيسه. ولذلك، بدا خارج السياق المألوف أن ينتقد وزير الدفاع الأميركي، مارك إسبر، التذرّع بقانون الانتفاضة، لنشر قوات الخدمة الفعلية لقمع الاضطرابات المدنية المستمرة، في الوقت الحالي. وقال إن “خيار استخدام القوات الفعلية في دور إنفاذ القانون يجب ألا يستخدم إلا ملاذاً أخيراً، وفقط في أكثر الحالات إلحاحاً وخطورة. ونحن لسنا في واحد من تلك المواقف الآن”.
ثم انضم إلى الرجلين عسكري منضبط آخر شغل في إدارة ترامب منصبين رفيعين. إنه جون كيلي الذي كان وزير الأمن الوطني في الأشهر الأولى من إدارة ترامب، قبل أن ينتقل ليغدو مسؤول موظفي البيت الأبيض. وهو أيضاً غادر منصبه بصمت، وإنْ كان يبدو على ملامحه دوماً أنه يتميّز غيظاً من سلوك رئيسه وتصريحاته. وجد يوم الجمعة الفائت نفسه مضطرّاً لأن يتحدّث. قال إنه يتفق مع تحذير الجنرال جيم ماتيس أن الرئيس دونالد ترامب “لا يحاول توحيد الشعب الأميركي” على الصعيد الوطني. وقال كيلي لأنتوني سكاراموتشي، وهو أيضاً مدير الاتصالات السابق في البيت الأبيض، خلال مقابلة بثت مباشرة “أتفق معه. هناك قلق. وأعتقد أن هناك مخاوف كبيرة للغاية من أن الحزبية والعشائرية قد خرجتا عن السيطرة”. وتبع الجميع المرشح السابق للرئاسة الأميركية، السيناتور ميت رومني، والسيناتورة الجمهورية ليزا موركوفسكي من ألاسكا، التي أشادت بانتقادات الجنرال ماتيس اللاذع لترامب، ووصفتها بأنها “حقيقية ونزيهة وضرورية ومتأخرة”. وكأي متنمّر، شنّ الرئيس هجوماً كاسحاً على موركوفسكي، وقال إنه سيؤيد أي مرشح ضدّها في الانتخابات القادمة، “أي مرشح، جيد أو سيئ، لا يهمني، فأنا أؤيده”.
في كتابهم الذي صدر للتوّ “دونالد ترامب وهجومه على الحقيقة”، كتب الصحافيون غلين كيسلر، وسلفادور ريزو، وميغ كيلي، من صحيفة واشنطن بوست، أن الرئيس ترامب أطلق 16241 كذبة في أول ثلاث سنوات له في منصبه. وهذا مخيف، ولكن المثير للرعب أكثر، تزايد وتيرة كذبه. ففي السنة الأولى من حكمه (2017) كان معدل كذبه ست مرات في
“سحب ترامب بلاده من اتفاقية باريس للمناخ، ومجلس حقوق الإنسان، واليونيسكو، واتفاقية الصواريخ متوسطة المدى، واتفاقية تخصيب اليورانيوم مع إيران”اليوم، وارتفع العدد إلى 16 كذبة في 2018، ثمّ إلى 22 كذبة في 2019.
وهذه السنة، مع انتشار جائحة كوفيد – 19، والعدد الهائل من الإصابات والوفيات في أميركا، بسبب سياسة ترامب الخرقاء (أكثر من 1,885,000 إصابة و109,000 وفاة)، وانهيار الاقتصاد الأميركي، وارتفاع مستوى البطالة، ثم الثورة الشعبية الحقيقية التي لم يشهد التاريخ الأميركي ما يماثلها منذ حركة الحريات المدنية في الستينيات، سيندفع ترامب، من دون أدنى شك، إلى درَك أكثر انحطاطاً من الكذب والخداع ولوم الآخرين، وتشديد القبضة ما أمكنه على الأميركيين وعلى العالم.
وقد رأينا كيف انسحب ترامب من منظمة الصحة العالمية التي جاءت لتتوّج انكفاءه، وهو الذي يخشى الانفتاح والتجارة الدولية والثقافات العالمية، إلى الداخل، وانسحابه من مختلف الهيئات والمعاهدات الدولية، ما ترك الولايات المتحدة معزولةً بشكل فعال على المسرح العالمي خلال أزمة الصحة العامة العالمية. وكان قد انسحب من اتفاقية باريس للمناخ ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة واليونيسكو واتفاقية الصواريخ متوسطة المدى مع روسيا واتفاقية تخصيب اليورانيوم مع إيران، أمثلة فقط أمثلة.
أما داخلياً، فما فتئ الرجل يطالب بتشديد القبضة وكبت الحريات، ثمّ دون أن يشعر بأي خجل أو تناقض، يستخدم ذكرى سحق النظام الدكتاتوري في الصين حركة تيان آن مين في 1989، وهو ما ردّت عليه بكين بما يمكن تفسيره في لغتنا بعبارة “لو رأى الجمال حَدْبّته؟”

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This