الموسيقى الشّعبيّة والموسيقى الجادّة: بين الحدث الموسيقيّ والأثر الاجتماعيّ (ج1)

نبذة

في نظرةٍ تقابُليّة (بوليفونيّة) بين طبائع الموسيقى الشّعبيّة وطبائع الموسيقى الجادّة[1]، يتبادر السّؤال عمّا إذا كان مؤدّى هذين النّوعين من الموسيقى ومنشأهما الاجتماعيّ هو واحد، وعمّا يحيط، كذلك، بدوافع “الحدث الموسيقيّ”، في كلّ مجال من المجالين، من حيث كون الحدث الموسيقيّ هو كذلك حدث اجتماعيٌّ يوظِّفُ الأنساقَ الموسيقيّة وِفقًا لمُقتضياته؛ يعكس ويوجّه العلاقات بين البُنى الموسيقيّة وسلوكيّاتها وبين البُنى الاجتماعيّة. فكيف نرى الموسيقى داخل المركّب الاجتماعي والثّقافي دون الفصل بين الموسيقى الشعبيّة والموسيقى الجادّة منهجيًّا؟ وأين تكمن دواعي هذا الفصل عند من دعوا إليه ونظّروا له من بين علماء الاجتماع الموسيقيّ في الغرب الأوروبيّ؟ وهل يمكن حصر الفوارق داخل الأثر الاجتماعيّ عند حدود الفصل بين المجالين، أم يجدر الحفر في طبقات المسألة نحو عُمق أركيولوجي آخر، ممّا يتطلّب منّا اجتراح تعريفات أو توصيفات جديدة للعلاقة بين الحدث الموسيقيّ والأثر الاجتماعيّ؟ وما هي تداعيات هذه الأسئلة في الفضاءات الموسيقيّة الاجتماعيّة العربيّة تحديدًا؟

تدخل المقالة في مقارناتٍ وقراءاتٍ طِباقيّة (أو تقابليّة) بين أدبيّات علماء الاجتماع الموسيقيّ الغربيين (ث. أدورنو، م. فيبر، ن. إلياس، أ. شوتس وغيرهم)[2]، هذا من جهة، وبين أدبيّات علوم صناعة الموسيقى عند العرب (الفارابي، الكندي، الأرموي الخ)[3] من جهة ثانية، في محاولةٍ لتأسيس فهمٍ أكثر عمقًا لمستقبل التّأليف الموسيقيّ في الفضاءات الثّقافيّة العربيّة. وتخوض في مقاربات جديدة لفهم العلاقة بين خصوصيّات الموسيقى الجادّة والموسيقى الشّعبيّة في ثقافة الغرب وثقافة العرب على حدّ سواء.

*

الموسيقى الجادّة والشّعبيّة من منظور علم الاجتماع الموسيقيّ

ثيودور أدورنو هو أحد أبرز الّذين يقولون بهذا الفصل بين الموسيقى الشّعبيّة والموسيقى الجادّة ويؤكّدون على ضرورته. وهو يتّبع منهجيّة مقارنة عند معرض بحثه في خواص الموسيقى الشّعبيّة، من خلال رصد الفوارق المُميِّزة بينها وبين ما أسماه بالموسيقى الجادّة، متعاملًا معهما، منذ البداية، بوصفهما مجاليْن موسيقيّين مختلفين.[4] هذه الفوارق، تؤخذ في العادة، باعتقاده، كأمر مفروغ منه ومجرّد اختلاف في المستوى النّوعيّ، كما ويتمّ التّعامل مع هذه الفوارق/ المميّزات بانفصالٍ، يجعل كلًّا من هذين المجالين الموسيقيين مُستقليْن أحدهما عن الآخر، هكذا هو الأمر كذلك في الوعي الشّعبيّ للمسألة. ومن هنا، يرى أدورنو إلى ضرورة التّعامل بعمق أكبر مع المسألة وبحثها وتوصيفها بمصطلحاتٍ أكثر دقّة، وفحص هذين المجالين الموسيقيين من زاوية نظر اجتماعيّة للموسيقى. (Adorno & Simpson, pp. 17-48)

كذلك، فقد انطلق أدورنو، في فصله لهذين النّوعين من الموسيقى، من منطلقٍ سياسيٍّ أيديولوجيٍّ مُعادٍ للرّأسماليّة (كما عاصرَها)، ورأى في الموسيقى الشّعبيّة وموسيقى الجاز أدواتٍ لتجميل النّظام الرأسماليّ، وجزءًا من صِناعَةِ ثقافته الخاصّة الّتي تُروّج له ولقِيَمِهِ، ووسائل لجعله أكثر مقبولًا agreeable””.

هناك من يرى في أدبيات أدورنو على أنّها أدبيات تخوض في جدليّاتٍ بعيدة عن الحيادِ والاستقلال العِلميّ، كما أنّها تركن إلى التّوظيف الأيديولوجيّ الّذي يستخدمه لإضفاء المزيد من السّلطة والهالة الثّقافيّة لمصلحة نوع محدّد من التّقليد الموسيقي الكلاسيكي الحداثيّ، في قوسٍ يمتدّ من المدرسة الفِيَنيّة الأولى[5] في القرن التّاسع عشر متمثّلةً ببتهوفن[6]، إلى المدرسة الفينيّة الثّانية[7] في القرن العشرين متمثّلةً بشوينبرغ[8]، وفي الوقت ذاته، للتّخفيض من قيمة أنواع أخرى من الموسيقى رغم ما تتمتّع به من تناسج مع الحقل الاجتماعيّ. (Martin, 2004, p. preface viii)

مع وضوح هذه النّزعة عند أدورنو، يظلّ استعراضُ آرائه ونظريّاته الجماليّة ضروريًّا، لما فيها من سعة ثقافة وعمق معرفيّ وإثارة للجدل على مدى القرن العشرين وحتّى يومنا هذا، فنستضيء بأدبيّاته ونناقشها دون إغفال للآراء والنّقاشات الّتي تناولت إنجازاته في علم الاجتماع الموسيقيّ بالسّلب أو بالإيجاب، ودون التّغاضي عن المفكّرين الّذين أكّدوا على ضرورة الفصل بين الحكم القِيَمي الجماليّ وبين البحث الموسيقيّ الاجتماعيّ التّقييميّ، كما فعل ماكس فيبر[9] في تبصّراته داخل سياسات الأشكال الثّقافيّة ورؤيته للموسيقى الكلاسيكيّة الغربيّة على أنّها مظهر من مظاهر العقلانيّة، (Feher, 1987) (Schluchter , 1985)  (Weber & Riedel, 2009) أو كما جاء في نقاش نوربرت إلياس حول موتسارت من موقع مَوْضَعتِهِ في سياق “السّيرورة الحضاريّة”، (Elias, 1994)[10] أو ألفرد شوتس في مَعرِضِ محاججته لإثبات قدرة الموسيقى الكلاسيكيّة على كشف السّيرورات الأساسيّة للتّواصل الإنسانيّ. (Schutz, 1970, p. 210) أو حين يميّز باول هونجشايم الموسيقى الكلاسيكيّة الأوروبيّة عن سواها في الثّقافات الأخرى من موقع “قلّة تركيزها على البعد الإيقاعيّ وتقديم شأن الأبعاد التّركيبيّة الأخرى” (Honigsheim, 1989, p. 219)، كما وأنّه ينتزع من الموسيقى الشّعبيّة وجود قيمة في ذاتها ولذاتها لكونها لا تنشأ عن إبداع فردي أو مجموعاتيّ ممهور بالأسماء المعروفة باختصاصها المهنيّ، وتُعرض أو تُقدّم دون تمييز نوعي واضح للفاصل الوظيفيّ بين الموسيقيين والجمهور. (Honigsheim, 1989, p. 219) وفي سياق آخر يُثني هو نفسه، مُستخدمًا ذات المصطلحات القِيَميّة، قائلًا: “في الوقت الّذي لا تنتمي فيه الموسيقى الشّعبيّة (folk music) إلى الموسيقى الرّفيعة (grand music)، فهي لا تمهر بطابعها الحقبات المتكاملة لثقافة بعينها، بل تتأثّر من الأفكار المهيمنة أو الأشكال المدركة والمحسوسة للموسيقى <الرّفيعة>”. (Honigsheim, 1989, p. 26)

ويكرّر أدورنو فكرة أنّ أهميّة “السّيرورة الموسيقيّة” تتأتّى من مدى قُدرة المؤلّف الموسيقيّ على معالجة المُمكِناتْ والمحدوديّات في “المواد الموسيقيّة” على نحو بنّاء. وأنّ المصداقيّة الموضوعيّة للعمل الموسيقيّ تنبع، لا من عبقريّة الموسيقيّ، ولا من معايير ثابتة قائمة وسابقة لوجود موسيقى بعينها (كما هو رائجٌ في ثقافة الموسيقى الشّعبيّة)، بل تنبع من مدى التّماسك الّذي يتجلّى في جدليّات المواد الموسيقيّة وتواشُجاتها.

بحسب أدورنو، فإنّ التّجربة الحسّيّة، بوصفها الدّعامة الأهمّ لسبر أغوار الموسيقى، لا تكون من غير إعادة الصّياغة التّمثيليّة (mimetischer Nachvollzug)  عبر السّمع، العَرْض والآداء، إضافةً إلى التّفكير المفاهيميّ. “فالانعكاس الجمالي يظلُّ فارغًا من غير إعادة الصِّياغة التّمثيليّة، (mimetischen Nachvollzug)، والتّجربة الجماليّة تبقى صَمّاء من دون إعادة الصّياغة المفاهيميّة (begrifflichen Nachvollzug)”. (Kreis, 2011, p. 74) هذا في الوقت الّذي كان فيه إرنست بلوخ[11] يؤكّد على استقلاليّة الموسيقى (الكلاسيكيّة الأوروبيّة) من العوامل خارج الموسيقيّة معلنًا: “ها هو بتهوفن يتطوّر بتجرّد من داخل نفسه” (Bloch و Palmer‏، 1985).

هذه التّوجهات الأكثر بروزًا لدى القلائل ممّن اهتمّوا بعلم الاجتماع الموسيقي، تشير إلى نزوع ما لتمييز الموسيقى الجادّة عن الموسيقى الشّعبيّة والفولكلوريّة، و”هيمنة عاموديّة”، كما يسمّيها بيتر مارتن، للموسيقى الكلاسيكيّة الجادّة على أبحاث هذا الحقل المعرفيّ بشكل “غير مُرضٍ”. (Martin, 2004, p. preface X) ولكن ما يهمّنا من هذا الاستعراض السّريع في هذه الورقة، هو الاستفادة من هذه الاجتهادات وتوفير بعض الإضاءات الّتي تمكّن من الخوض في أسئلة تخصّ الموسيقى في المجتمعات العربيّة عمومًا على اختلافاتها.

*

يسعى أدورنو، كما فعل آخرون من أمثال فالتر بنجامين[12] في النّقاش معه، (Moore, 2012) إلى تحويل الانتباه نحو الشّعور داخل العمل الفنّي، بعد فجوة من البحث في الجماليات دامت عدّة قرون من الزّمن من قبل من كانوا يُسمّون “الفلاسفة التّحليليّين”. وفي سياقنا، يستخلص أدورنو موافقًا مع بنجامين في نقاشهما، أنّ “الهالة” (Aura) الّتي تحيط بالفنون قد تمّ تقويضها في عصر الإنتاجات التّقنيّة، بل ويرى إلى أبعد من ذلك، بأنّ هذا التّقويض لا يكمن في الاستنساخيّة التّقنيّة فقط، بل وفي استيفاء الفنّون لقوانينها الداخليّة الخاصّة واستنفاذها. (Adorno‏، Benjamin‏، Bloch‏، Brecht، و Luckacs، 2002، الصفحات 122-123) وفي خضمّ تحليله، يرى أدورنو إلى أنّ شطب “الهالة” جوهريًّا من طبائع وملامح الفنون في العصور الحديثة (بدايات القرن العشرين)، هو بمثابة ردّة فعل على قبوع الوعي الاجتماعيّ خلف الفنّ ذاته، وفي عمليّة إلغاء هذه “الهالة”، إنّما هناك تضمين للحالة النّقيضة، ألا وهي حالة الضّد فنّ (Anti-Art). فأرنولد شونبرغ تنكّر للنّظام التونالي اللّحني في الموسيقى، والكتّاب الرّوائيون الجدد ثاروا ضدّ الأنماط المعرفيّة الروائيّة التّقليديّة السّائدة، وظهرت حركات فنيّة تشكيليّة متمرّدة كثيرة، وتغلّبت وحشيّة الفنّ على طبائع العصر الرومنتيكيّ المتأخّر شيئًا فشيئًا.

هنا، من الجدير ذكره أنّ مسألة “الهالة” عند أدورنو بقيت ميزة مرتبطة بالثّقافة الموسيقيّة الشّعبيّة. (Johnson, 1984, p. 123)

في بُعدها السّياسيّ، يحدّثنا جاك رانشيريه عن هذه العلاقة الّتي تجعل من وجود الفنّ فعلَ مُقاومةٍ، لا يكون الفنّ معه إلاّ آخرَ مُبهمًا:

“إنّ الطّابع “السّياسي” للتّجربة الجماليّة، كما كان، يتمّ عكسه وتغليفه في تاريخ التّمثال. التّمثال هو شكل حيّ. لكنّ معنى الصّلة بين الفنّ والحياة قد تغيّر. التّمثال، من وجهة نظر هيجل، ليس فنًّا لكونه يعبّر عن حريّة جماعيّة، بل لأنّه يعكس المسافة بين تلك الحياة الجماعيّة والطّريقة الّتي يمكن بها التّعبير عن نفسه. التّمثال اليونانيّ، حسب قوله، هو عملُ فنّانٍ يعبّر عن فكرةٍ يعرفها ويجهلها في آنٍ معًا. يريد أن يجسّد فكرةَ الألوهة في شكل حجر. لكن ما يمكنه التّعبير عنه هو فقط فكرة الألوهة الّتي يمكن أن يشعر بها والّتي يمكن للحجر أن يعبّر عنها. يجسد الشّكلُ المستقلّ للتّمثال الألوهةَ، حيث أمكن للإغريق، في أحسن الأحوال، تصوّرها – أي حرمانها من الدّاخل. لا يهمّ ما إذا كنّا نوافق على هذا الحكم أم لا. المهمّ هو أنّ حدَّ الفنّان وفكرته وشعبه [جمهوره]، في هذا السّيناريو، هو شرط نجاح العمل الفنّي. يعيش الفنّ طالما أنّه يعبّر عن فكرة غير واضحة لنفسه في مسألة تقاومه. إنّه يعيش بقدر ما هو شيء آخر غير الفنّ، أي الإيمان وطريقة الحياة. (Ranciere , 2010 , p. 123)

 

يستبعد أدورنو، في دراساته، المنهجَ التّاريخيَّ تقفّيًا لأثر الظّاهرة، ظاهرة الموسيقى الشّعبيّة وأصول نشأتها وظروفها، ويفضّل التّعامل مع ملامح الظّاهرة في صيغتها الحاضرة كما هي الآن (في الحقبة المبكّرة والوسطيّة للقرن العشرين)، ومعالجتها ضمن محطّ وجودها العينيّ، وسبر وظيفيّتها في سياق مكانتها الرّاهنة. لكنّه ينوّه إلى أسبقيّة نشوء الموسيقى الشّعبيّة في أوروبا مقارنةً مع القارة الأمريكيّة، ويشير إلى أنّ الفصل بين المجالين الموسيقيّين الشّعبي والجادّ، هو مُعطى مُسبق في الثّقافة الأمريكيّة، بخلاف ما هو الأمر عليه في الثّقافات الأوروبيّة. (Aesthetics and Politics‏، 2002)

يقول أدورنو إنّ الحكم بوضوح بشأن العلاقة بين الموسيقى الشّعبيّة والموسيقى الجادّة لا يمكن إلاّ من خلال تمحيص دقيق للمميّزات التّشخيصيّة الأساسيّة للموسيقى الشّعبيّة، وقد أطلق على ذلك تعبير “المُعايرة” Standardization. ويُثني مُوضّحًا، إنّ البُنيّة الكاملة للموسيقى الشّعبيّة قد تمّ تحديد معاييرها، حتّى في تلك الحالات الّتي خضعت لمحاولات تحايل على المُعايرة. وتشمل المُعايرة، بحسب تحليله، السّمات الأكثر عموميّة كما تشمل أكثرها دقّة وتفصيلًا. ومن السّمات الأكثر شهرةً ما يتعلّق باللازمة (chorus) المكوّنة من إثنتين وثلاثين خانةً، والمحدّدة بمساحة صوتيّة لا تتجاوز الدّيوان الواحد (octave)، كما تجري مُعايرة الأوزان الإيقاعيّة، لا ضمن الأجناس الرّاقصة والأنماط النّسقيّة الصّارمة وحسب، بل كذلك في ما أسماه “المُميّزات” <الموضوعيّة>، أو “الطّبائع” (charakteren)، مثل الأغاني المخصّصة للأمّ والوطن أو كذلك الأغاني “التّحديثيّة” (novelty songs)، وقصائد الحبّ المبتذلة، ومراثي الفتيات الضّائعات إلخ، والأهمّ من كلّ هذه المركبات هو حجر الزّاوية الهارموني لكلّ ضربة في بداية ونهاية الأجزاء ضمن مسار المخطّط المعياريّ؛ هذا المخطّط الّذي يؤكّد أكثر الحقائق الهارمونيّة بدائيّة بغض النّظر عن مدى التّناسق النّاجم. أمّا التّعقيدات فلا تترتّب عليها آثار أو تداعيات، فيضمن هذا النّظام الصّارم ضبط الانحرافات عن المسار المُعدّ سلفًا وقولبتها مُعيدًا إيّاها إلى المواقع المألوفة من جديد، فلا يمكن بذلك تحقيق أي تجديد أو تحديث حقيقيّ. هذا في حين نرى، على سبيل المثال لا الحصر، في الرّباعيّة الوتريّة الأولى لشونبرغ[13] كما في سمفونيته الحُجريّة (chamber symphony) الأولى، نرى الموسيقى تتصرّف وتتطوّر وكأنّها تسعى إلى الانفصال عن ذاتها الأولى نحو مجهول مّا، طيلة الوقت، دون هاجس العودة إلى رحم البداية. (Palmer, 1985, p. 230)

خضعت الصّيغة البُنيويّة في الموسيقى الشّعبيّة لمعايير صارمة لا تقلّ عن تلك الّتي خضت لها التّفاصيل الّتي سبق ذكرها. وتمّ اجتراح مجموعة من المصطلحات الخاصّة الّتي تخدم هذا النّظام، من مثل “الوقفة” (break)، والمُتوافقات الزّرقاء (blue chords)، والنّغمات النّاشزة (dirty notes) وغيرها. ومع ذلك فإنّ المُعايرة في سياق الحديث عن الصّيغة البنيويّة هو مُغاير عمّا يخصّ المكوّنات الأخرى في الإطار العامّ. فهي غير مُعلنة، بل تتخفّى خلف “الأثر الفردانيّ” بصور مُخاتلة، ويتمّ التّعامل معها على أنّها وصفات ضمن ما يسمّى “أسرار مهنة”، رغم أنّ جميع الموسيقيين يتناولون بالحديث هذه “الأسرار”! هذه التّناقضات في الطّبائع والّتي تشكّل جوهر وماهيّة المُعايرة، هي ما يوفّر المادّة الخامّ والإعدادات الأوليّة للتّأثير على المستمعين في هذا النّوع من الموسيقى.

هذه التّوصيفة لا تبتعد من حيث المبدأ مع طبيعة ومكوّنات الموسيقى الشّعبيّة العربيّة. فالذّهنيّة التّركيبيّة هي ذات الذّهنيّة القالبيّة الّتي تسيطر على سيرورة عمل الموسيقيين أثناء ممارستهم للتّلحين الفرديّ أو الجماعيّ (ولو كانوا مجهولي الهُويّة)، فبالإضافة إلى اللاّزمة والأبيات، ماذا هناك غير البداية والقفلة النّهائيّة؟ وهذا كلّه مُعطى سلفًا ولا يستوجب ذهنيّة استخطاطيّة، أو وعيًا بالهيكليّة الكلّيّة أثناء إنشاء الجزئيات الدّقيقة داخل هندسة الزّمن الموسيقي ومضامينه النّاجمة عن جدليات الصّوت والصّمت.

*

الموسيقى الشّعبيّة، المُعايرة وصناعة الغناء

عند تناول الموسيقى الشّعبيّة العربيّة بالحديث فإنّنا نعنى بالدّرجة الأولى بالموسيقى الغنائيّة الّتي تحتلّ المتن في المساحة الكلّيّة لهذه الثّقافة. وهنا من جديد، تخضع عمليّة التّلحين إلى عوامل خارج الذّهنيّة المحض موسيقيّة، والمستمدّة من بحور الشّعر أو نبريّة الكلام المنثور بالدّرجة الأولى، وفي مرتبةٍ نفترض فيها توفّر “تفكير موسيقي بنيويّ محض” فإنّ سيرورة العمل لم تخرج عمّا أسماه أدورنو “المُعايرة”، ولو اختلفت التّفاصيل والمواد المُركّبة للموسيقى؛ فنحن قادرون على التّعرف على طبائع هذه المعياريّة وإمكانيّة ضبط قوانينها وسلوكياتها من خلال “الألحان” والنّظريات التّأليفيّة أو التّوصيفات المعياريّة لأنواع وإمكانات التّلحين الموسيقيّ كما هي في أدبيّات الأرمويّ، والّتي تحدّد الثّوابت المقاميّة للّغة الموسيقيّة العربيّة، (الأرمويّ، 1984) كما تحدّد في أدبيات الكِندي، وخاصّة في “رسالة في خُبْرِ صناعة التّأليف”، حيث وضع تعريفًا (أو توصيفًا) مُقيّدًا للبناء اللّحنيّ، (الكندي، 1969، صفحة 178)  وتحديد البناء النّغمي في ستّة أنماط يتميّز كلّ نمط فيها بمسار نظريّ للنّغم. (الكندي، 1969، الصفحات 178-187) وتمتدّ تقاليد هذا الخضوع للمعايرة بأشكالها وأنماطها الثّابتة إلى أزمنة الصّناعة الغنائيّة القديمة في التّاريخ العربيّ والإسلاميّ. فالتّقابل أو المفاعمة[14] الّتي تتمّ في صور اتّفاقيّة بين الغناء والشّعر، أو على وجه الدقّة، بين إيقاعيهما، حيث “عاد الملحّنون إلى بحور الشّعر وجعلوا منها أساسًا  لألحانهم” (داغر، 1998، صفحة 119) حكمت أنماط التّلحين والتّأليف. ولسنا هنا أمام محاولة تقييم نوعي قِيَمي، بل أمام محاولة لتوصيف اللّغة الموسيقيّة العربيّة منذ مناشئها المدوّنة (نسبيًّا) ومحاولة فهم طبائعها وسلوكها وما ألقته من ظلال على الموسيقى العربيّة الغنائيّة الأكثر قربًا من زماننا والحديثة منها. ولتقفّي هذه المسألة وفهم أصولها ومنابعها التّاريخيّة بما توفّر من مصادر، بحكم أنّ “الموسيقى” (أو بالأحرى الغناء) عند العرب لم تُدوّن[15] ولم يكن التّفكير الموسيقي المجرّد في متن هذه الثّقافة يومًا، فإنّنا نجد هذه المصادر تصف العلاقة بين الشّعر والموسيقى بالكلام، مع غياب “المدوّنة الموسيقيّة” كوثيقة دامغة، بصورةٍ يمكن من خلالها استقراء ما خفي بين السّطور من متانة العلاقة بين غياب “التّفكير الموسيقيّ المجرّد” وغياب “التّدوين الموسيقي”، دون الخوض هنا في البحث عن علاقةٍ سببيّة بينهما. لكن من الواضح أنّنا في حديثنا عن الموسيقى الشّعبيّة في السّياق العربيّ، نبقى عاجزين عن تعريف مّا للموسيقى بوصفها مجالًا حيويًّا بذاته ولذاته خارج منظومة الكلام والغناء. فحتّى الآلة الموسيقيّة الأكثر شيوعًا واستعمالًا وتعبيرًا عن الثّقافة الموسيقيّة العربيّة هي ليست من صُنع العرب: “والعود عند أكثر الأمم وجُلِّ الحكماء يونانيّ، أصحابُ الهندسة على هيئة طبائع الإنسان…” (المسعوديّ، 1964، صفحة 224) ويؤيّد الفارابي هذا الكلام موضحًا دور اليونانيين في التّأسيس العلميّ لصناعة الموسيقى: “والقدماء من اليونانيين هم أيضًا أوّل من وضعوا قواعد العلم والمعرفة بهذه الصّناعة <الموسيقى>، … وأمّا العرب فقد أخذوا الموسيقى عن الفرس وعن المؤلّفات اليونانيّة الّتي نقلوها في أواخر القرن الثّاني للهجرة…” (الفارابي)

لقد كان هذا بداية لتكوّن أجيال من الموسيقيين عند العرب، وظهور النّوابغ من بينهم على حدّ شهادة الفارابي نفسه. وكانت ثقافة العود قد دخلت إلى عرب قريش من العراق وبلاد الفرس من قبل النّضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، والّذي كان وافدًا على كسرى بالحيرة. (المسعوديّ، 1964، صفحة 222) حينها لم تكن قريش تعرف من الغناء سوى جنسا واحد هو النّصب. (المسعوديّ، 1964، صفحة 222) والغناء عند العرب مُشتقٌّ من الحُدَاءِ، الّذي كان استوْساقُ الإبل وطيبُ السّير لها به معيارًا لاتّخاذه من قبل العرب برجز الشّعر، بعد حادثة كسر يد مضر بن نزار بن معد. (المسعوديّ، 1964، صفحة 221) “وكان الحُداءُ أوّل السّماع والتّرجيع في العرب، ثمّ اشتُقّ الغناءُ من الحُداء، ونحْنَ نساءُ العرب على موتاها، ولم تكن أمّة من الأمم بعد فارس والرّوم أولعَ بالملاهي والطّرب من العرب، وكان غناؤهم النّصب ثلاثةَ أجناس: الرّكباني، والسّناد الثّقيل، والهزج الخفيف.” (المسعوديّ، 1964، صفحة 222)

بحسب أدورنو، يتجلّى الأثر الأساسي بين الهيكل (framework) والتّفاصيل في الموسيقى الشّعبيّة، في جعل المستمع عُرضةً لردود فعل أعنف تجاه التّفاصيل والجزئيّات منها نحو الهيكليّة الكاملة. هذا النّوع من الموسيقى، بطبيعة تكوينه وطابعه، لا يُطالب المستمعين له بأن يكونوا مُلمّين بالكُلّيّ، واعين به أو منتبهين له، والمعايشة الحسّيّة للموسيقى لا تستدعي هذا النّوع من ثقافة الإصغاء: الإصغاء إلى الكُلّيّ أو الإصغاء الاستخطاطيّ. فالهيكل الكامل أو الإطار العامّ هنا، هو مُعطى سلفًا وخاضع لمنطِقِ المُقْفَلِ، حتّى قبل الشُّروع بالتّجربة الموسيقيّة العينيّة ذاتها، لذلك فإنّ هذه التّجربة لا تبدو مرشّحة للتّأثير، بصورة فاعلة وحقيقيّة، على مُجريات التّفاصيل ووحدات البناء الصّغيرة، اللّهمّ إلاّ فيما يتعلّق بالإفساح لبعض التّنويعات في النّبرات ودرجاتها.

فالذّهنيّة المُقفِلة الّتي تتمعْير بها الموسيقى الشّعبيّة بالحصر عند أدورنو، تمتدّ برأيي لتميّز بعض الأنواع والحقبات في حقل الموسيقى الكلاسيكيّة الجادّة في أوروبا والغرب، رُغم الفوارق النّوعيّة الأخرى الّتي أتّفق مع أدورنو على وجودها وتفريقها الصّارخ بين المجالين كما عرفهما. لكن، ينسحب هذا الكلام عن “الذّهنيّة المُقفِلَة” إلى مسار الموسيقى العربيّة كذلك. فهي تموقع ذاتها داخل قوانين جامدة تقود نحو اتّجاه واحدٍ من المعايير الجماليّة دون سواه، والمشكلة برأيي ليست في وجود قوانين مّا لنوع موسيقيّ مّا في فترة مّا وحيّز جغرافي مّا، بل في عدم خروج الموسيقى العربيّة (الكلاسيكيّة) من هذه الأطر رغم تقدّم العصور، وبقيت “التّطوّرات” في إطار محدود يخضع لتثاقفات تفاضليّة (لا تفاوضيّة) مع تصوّراتٍ موسيقيّة من نفس الفصيل في حضاراتٍ أخرى في فترات وأمكنة الاحتكاك، أو في إطار التّنويعات داخل النّوع (الجانر) الغنائيّ الواحد. وربّما أنّ أحد أهم المميّزات الّتي جمعت الموسيقى العربيّة بغيرها، ضمن تفاعلات التّثاقف والمُفاعمة، هي الميزة ذاتها الّتي قيّدت خروج الموسيقى العربيّة من دائرتها التاريخيّة، وهي الميزة المقاميّة.

النّسق المقاميّ (التّوناليّة): الذّهنيّة الدّائريّة والإقفال

لا بدّ هنا من وقفة قصيرة لفهم أبعاد هذا الانحسار داخل المنظومة المقاميّة والمعاني الفكريّة والثّقافيّة والنّفسيّة لبُنيويّة النّسق المقاميّ أو (التّوناليّة)[16].

تعكس المنظومة المقاميّة الدياتونيّة الّتي ميّزت مدارات الموسيقى المدوّنة ما قبل الحديثة في أوروبا، والموسيقى العربيّة كما نعرفها واليوم ومنذ نشأة المدوّنات الّتي تشرحها نظريًا، تعكس “ذهنيّة دائريّة” تُحاكي “ثقافة الحلّ أو الجواب أو الانسجام” لا “ثقافة التّشكيك أو المساءلة أو المُنافَرة”. فالمقام أو السّلم الموسيقي الدّياتوني (ومهما اختلفت قياساته بين الحضارات والحقبات التّكنولوجيّة) فهو ينتهي دائمًا من حيث بدأ، بالمنطق التردّدي الدّوري فيزيائيًا (الأوكتاف الدوري) وما له من آثار “مُطَمئِنَة” على المبنى الفزيولوجي والنّفسي عند الإنسان، في أقلّ تقدير، من بين الأحياء:

“الّذي بالكلّ:[17] <…> هو من الأبعاد المتّفقة توافقًا _ أي اتّفاقًا _ تامًا، إذ يحقّق الاستماع إلى هذا البعد أكبر قدر من الرّاحة النّفسيّة، ويُعطي شعورًا بالاستقرار الحسّي الكامل.” (الكندي، 1969، صفحة 52)

ورُغم أنّنا قد لا نتّفق في أيّامنا هذه مع هذا الكلام[18] بالضّرورة، إلاّ أنّه يُفيدنا بقدر ما يُشير إلى ذهنيّة أصحابه في جانبٍ، هو ما يهمّنا في هذا السّياق المتعلّق ببنيويّة السلّم الدياتونيّ ذي الطّابع الإقفاليّ: “وجدير بالذّكر أنّ العرب لم يعرفوا في غنائهم وعزفهم العربي الأصيل أبعادًا غير البُعد الطّنيني ونصف الطنينيّ أو بُعد الفضلة، وذلك في عصر إسحق الموصلي والكندي…” (الكندي، 1969، صفحة 158)

هذه التّحديدات الأوّليّة هي غاية في الأهميّة للتّدليل على وجود ثقافة موسيقيّة تسعى لكي تتعرّف إلى ذاتها من خلال القوانين الّتي تتحدّد بموجبها المعايير الجماليّة والأحكام القيْميّة في الممارسة الحِرفيّة. لكن، من جانبٍ آخر، فهي تحدّد المسارات النّفسيّة والذّهنيّة الّتي تميل، بحكم ما تشير إليه هذه المحدِّدات، إلى الميل للطُّمأنينة والنُّزوع نحو النّهاية (القَفْلة) الّتي تحمل حلًّا وتوفّر إجابةً، والارتكاز الدّائم على نغمة البيت (درجة المقام الأولى) الّتي تحدّدت في بداية المشهد الموسيقيّ العينيّ. وتنسحب هذه الذّهنيّة من بُنيّة المقام إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إلى أنماط العلاقات وأنساق الانتقالات وطبيعة المسارات بين المقامات: “ولا يتمّ الانتقال من مقام إلى مقام آخر إلّا إذا انتهى العمل في أحد المقامين لحنيًّا بالارتكاز على أساس ذلك المقام، ويكون الانتقال من أساس المقام إلى أساس المقام الآخر”. (الكندي، 1969، صفحة 177)

 

الارتكاز، أو الدّرجة الأولى من السلّم الموسيقيّ (المقام) شَرطيٌّ في بداية السّرد اللّحني لموضعة الشّعور بالمكان/ البيت، وهو شَرطيٌّ كذلك في مرحلة الإقفال واستكمال الشّعور بإغلاق الدّائرة وبلوغ النّهاية، ومن غير ذلك يبقى اللّحن عاجزًا وتائهًا ضمن معياريّة الجمال ومقاييس الاكتمال النّفسيّ. والارتكاز على نغمة الابتداء هو، فوق ذلك كلّه، شَرطيٌّ في مسارات التّحوّل بين المقامات بعد تحديد هويّتها بشكل مُطمئن وأكيد، ومن غير ذلك، أي في حال التّحوّل من مقام إلى آخر عبر درجاتٍ نغميّة وسطيّة، يبقى التّحوّل هُلاميٌّ في هُويّته أو مشوّه في سلاسة تناغمه مع ما قبله أو بعده، مما يثير شعورًا من التّناشز أو الضّياع.

من الصّعب عزل هذه الصّفات عن طبيعة “الحدث الموسيقي” في الموسيقى الشّعبيّة، أو كما هو الحال في الموسيقى العربيّة الغنائيّة بما هي موسيقى تحدّث داخل الجماعة وبها ومن أجلها؛ إنّه الحدث الّذي يُساهم في تشكيل الهُويّة الجماعيّة وترسيخ ذاكرتها الجمعيّة، وما لذلك ليحدث خارج حاجة الجماعة إلى الشّعور بالأمان والوحدة والإشباع والاكتمال الّذي يقع في صميم بنيويّة المقام الدياتوني الّذي يتحدّد بالمسافة الّتي سمّاها الكندي “الّذي بالكُلّ”.

في الموسيقى العربيّة الغنائيّة، كما ورد وصفها في جميع الأدبيات التّاريخيّة الإسلاميّة، يصعب تحديد الفاصل، بشكلٍ قاطع، بين وظيفة المغنّي ووظيفة العازف من جهة، وبين وظيفة الموسيقيّين ووظيفة الجمهور المشارك من جهة ثانية. فكما أشرنا، الجمهور هنا ليس مُصغِيًا أو مُنفصلًا في الآداء والوظيفة، بل مُشاركًا مؤثّرًا وفاعلًا داخل الحدث الموسيقي؛ بإمكانه توجيه طبقة الغناء، سرعته، تعقيديّة لحنه ونوعيّة كلماته ومواضيعه، كما ويتدخّل في تأويج الحالة النّفسيّة أو تكرار المقاطع تحت وطأة الانخطاف باللّحن والتّماهي الشّعوري معه، أو تحت وطأة الحاجة لإثارة الحماسة أو العاطفة، بل قد يغيّر الجمهور المشارك في اللّحن منوّعًا أو مُسترسِلًا في بعض الأحيان.

الإنسان داخل الحدث الموسيقي في هذا النّوع الثّقافي هو داخل الحدث، بل هو ذاته الحدث، وبالتّالي فما يُسمّيه أدورنو بـ “الإصغاء للكلّي” والوعي أو الإدراك الهيكليّ للعمل الموسيقي، ليس واردًا في ثقافةٍ معنيّة باللّحظة الحادثة الحاضرة وليس في النّسيج الزّمني المتراكم والمنبثق عن ذهنيّة استخطاطيّة ترى إلى اللّحظيّ في الكُلّيّ وإلى الكليّ في اللّحظيّ.

إنّ غياب العلاقة بين التّفاصيل (micro) والبناء الهيكليّ العامّ (macro)، والشّطحيّة الّتي تُعوِّمُ التّجربة الموسيقيّة، وتُغيِّبُ الاستخطاطيّة وهندسيّة البناء المتينة، أو ما أسميناه “إدراك الكلّي” في الزّمن، هو إذن من صفات المُطوّلات الموسيقيّة الغنائيّة العربيّة، والّتي نتساءلُ إن كانت تستدعي مدخلًا نقديًّا مختلفًا لفهمها في سياقها الذّائقيّ الاجتماعيّ! فالمقدّمات الموسيقيّة في الكثير من مخزون أغاني أمّ كلثوم وغيرها من المطوّلات الغنائيّة، من حيث بنيويّتها وموادها اللّحنيّة والإيقاعيّة وسرعتها ونبضها ومكوّناتها الحسيّة وطاقتها الشّعوريّة، لا تمت بصلة لصُلب الأغنيّة ذاتها، وكما هو الحال في المقدّمات الموسيقيّة كذلك في التّلحينات النّصيّة؛ التّشتّت والشّطح واللّابناء والمعايشة اللّحظيّة الآنيّة والاعتبارات النّفسيّة والشّيفرة الاجتماعيّة، جميعها تشكّل خطوطًا مميِّزة لهذا النّوع من الفنّ. وفي الحالات الّتي نجد فيها بناءً متناسقًا في عدد كبير من الأغاني العربيّة، نجد أنّ هذا لا يعود إلى ذهنيّة هندسيّة لدى الملحّن بقدر ما أنّ هذه البُنى، وكما أسلفنا، هي مُعطى مُسبق قائم بمعزلٍ عن التّفاصيل الّتي لا تؤّثر فيه كما لا يؤثّر فيها بالعُمق التّأليفي الاستخطاطي.

في الموسيقى الجادّة، لا تُترك هذه العلاقة، بين التّفاصيل البنائيّة الصّغيرة والهيكلة الكليّة، علاقةً ظرفيّة طارئة، بل هي في صُلب التّفكير الاستخطاطيّ للمؤلّفات الموسيقيّة على تفاوتها.

******

 

[1] Or, in keeping with Theodor Adorno’s classification, Volksmusik and Kunstmusik.

[2] Theodor W. Adorno, Max Weber, Alfred Schutz, Norbert Elias

[3] أبو نصر محمد الفارابي، أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكنديّ، صفيّ الدّين الأرمويّ البغداديّ. Abū Naṣr Muḥammad al-Fārābī, Abū Yūsuf Yaᶜqūb ibn Isḥāq al-Kindī, and Ṣafī al-Dīn al-Armawī al-Baghdādī.

[4] يستخدم أدورنو تعبير “two spheres of music” لتوصيف التّمايز بين الموسيقى الشّعبيّة والموسيقى الجادّة.

[5]  First Viennese School

[6] Ludwig van Beethoven (17 December 1770 – 26 March 1827).

[7]  Second Viennese School

[8]  Arnold Schönberg (13 September 1874 – 13 July 1951).

[9] Max Weber

[10] للتّوسّع في مفهوم “السّيرورة الحضاريّة” عند إلياس، خاصّة فيما يتعلّق بالفارق في استخدام المصطلح “Civilization” بين شعوب أوروبا المختلفة، والفارق بين استخدام مصطلح “Zivilisation” بالألمانيّة ومصطلح “Kultur”، يُنظر:

Norbert Elias: The Civilizing Process. Blackwell publishing. 1994.

[11] Ernst Bloch

[12] Walter Benjamin

[13] Arnold Schoenberg

[14] = Informing each other.

[15] باستثناء بعض المدوّنات الضّئيلة الّتي لم تُكتب بالنّوتة الحديثة بل بالحروف والرّموز كالّتي تركها لنا صفي الدّين الأرموي على سبيل المثال، ويصعب ترجمتها بدقّة متناهيّة بلغة النّوتة الموسيقيّة الحديثة أو عزفها على الآلات المعاصرة الّتي ما عادت تشبه تلك الّتي تداولت الألحان في زمن الأرموي أو قبله.

[16] Tonality

[17] هو ما نعرفه اليوم بمسافة الأوكتاف.

[18] من الطّريف أنّني حين تركت نسختي من المصدر السّابق وتفحصت نسخة قديمة ورثتها عن د. حبيب توما، وجدت ملاحظةً بخطّ يده إلى جانب الاقتباس تشير إليه وتقول: “من قال وادّعى هذا!”، وربّما يقوي هذا الشّعور بعدم بديهيّة هذه التّقوّلات.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This