ديونيزوس مسلوخا على أركاح المسرح

 

على أيّ نحوٍ سكن الشّاعر أرض الفلّاح الحزين؟ ما أهميّة الشّعر قبل أن تتدخّل الفلسفة والسّياسة والمسرح في شؤونه؟ ما الّذي تبقّى من الشّعراء بعد أن التهمت المدينة مناحات المزارع القديم وقصائد التّمّوزيين؟ ألهذه الدّرجة مثّلوا خطرا على السّكن في العالم والوجود في صلبه؟ لماذا لم تعد المدن تقبل الشّعراء إلّا على نحو المسوخ؟ هل لأّنّهم أضاعوا مفاتيح المستقبل؟ هل لأنّها تخشى على السّياسيين والفلاسفة والمسرحيين عودة أرواح الشّعراء القديمة: تلك الّتي تأتي من سراديب الديثرامب والقرابين والباروديا السّاخرة والمتهكّمة والعنيفة ضدّ أيّ فلسفة لانتظام المدينة ودمقرطتها؟ من يكون الشّعراء دون وفاء أعمى للطّقس الباخوسي والاحتفالي؟ من يكون الشّعراء دون انتماء لمناحات المزارع القديم واحتفاله بانتفاخ بطن الأرض مع مجيء الإله إيروس؟ من يكون الشّعراء دون ذلك النّشيد حذو ربّ الكروم قبل أن يتدخّل الفلاسفة في شؤونهم بدفعهم إلى السّكن في المدينة؟ لماذا رُحِّلَتْ قصائد الشّعراء الغابرين وهي المكلّلة بدم الإله ديونيزوس إلى أركاح المسارح منذ العهد اليوناني؟ ما مصير الشّعراء بعد أن اضمحلّت الأشكال الاحتفاليّة والفرجويّة بولادة المسرح ضدّها النّوعي؟ لماذا تمّ رفعها إلى القاعات المغلقة بعد أن كان اشتغالها في السّاحات المفتوحة؟ هل يعدّ ذلك ضربا من كبح العربدة الديونيزوسيّة الّتي يقيمها الشّعراء في المدينة؟ ألهذا السّبب ابتدأت عمليّة التّضييق السّياسيّ على الشّعراء منذ الطّاغية اليونانيّ بيزاستراتوس؟ هل أصبحت مهمّتهم الوحيدة مقتصرة على ما ذكره أرسطو في كتابه فنّ الشّعر، تلك الّتي تمثّلت في محاكاة الأفعال النّبيلة بغاية التّطهير؟ لماذا تمّ العمد إلى تذويب الديونيزوسيّة في الرّوح الأبولونيّة؟ هل يعدّ ذلك ضرباً من نحر الشّعراء وطردهم عن موطنهم الأوّل؟ لماذا تمّت عمليّة اجتثاثهم عن وثنيتهم الأولى؟ كيف نفسّر آلام ديونيزوس دونهم وهو الّذي وهب لحمه طعاما لقصائدهم الجائعة ودمه لربيعهم أين يتشكّل العالم من جديد وينبعث في زهرة بالغة الحمرة؟

نقرأ في مسرحيّة الضّفادع لأريستوفانيس عن عذاباته الكبرى ما يفيد التّالي: حين خلت اليونان من الشّعراء التّراجيديين، وحده هذا الإله ظلّ يدقّ أبواب مملكة الجحيم المسمّاة هاديس باحثا عن شاعره المفضّل يوربيدس كي يعيده إلى المدينة، بعد أن تعاطف معه ملك هاديس وأدخله أحراشها، تفاجأ هذا الإله بمعركة كبرى بين شاعره والشّاعر أسخيليوس حول من سيتربّع على عرش التّراجيديا. ما يبعث على الضّحك المرّ هو انتصار أسخيليوس لا يوربيدس: انتصار كان بقرار من كاتب المسرحيّة نفسها، وهكذا ظلّ الباخوسي ديونيزوس دون مأساة يقولها الشّعراء. لقد تمّت عمليّة صيده من قبل المسرحيين والفلاسفة كما تمّ عمليّة طحنه طحناً ليبذر دمه على الأرض، بل وتمّ التّنكيل به أكثر من مرّة. سنكتشف مع الفيسوف التّونسي فتحي المسكيني أنّ هذا الإله كان منذ أزمنة سحيقة “يجرّ أتباعه إلى خارج المدنيّة، حيث يتحوّل الوجود إلى ضرب من الصّيد المفتوح أو القرم البدائي إزاء كلّ ما هو لحم فيختلط الحيوان والبشر والآلهة في سكرة أوموفاجيّة (…) أي حيث يؤكل اللّحم نيئاً: وهو ما جعل ديونيزوس يحمل من الأسماء “آكل اللّحم البشريّ”، احتفل به أولئك من يصفهم العالم الآن “بالهامشيين” فقدّموا القرابين وذبحوا الماعز وأنشدوا من خلال أكثر من جوقة، ثمّ شوهد مرّات عديدة من خلال “عربة ثيبس” وهو يجوب بها أصقاع اليونان ويقدّم عروضه المسرحيّة، لكنّ الأرستقراطيّة رفعت تلك الاحتفالات من الأمكنة العامّة إلى القاعات المغلقة، ومنذ ذلك الحين كان “التّعقلن الأبّولوني” وحده الفيصل. على الأغلب، إنّ هذا “القربان البائس”، القادم من أحراش بعيدة إلى مدينة اليونان، والحامل لأكثر من اسم لغويّ كأوزريس لدى الفراعنة ودموزي عند الكنعانيين وأدونيس مع الفينيقيين وتموز مع البابليين، كان آدميّا، وإلّا كيف نفسّر هذه الشّذرة الّتي اقتطعها فاضل الربيعي من “كتاب الفلاحة النّبطيّة” لابن وحشيّة وأوردها في كتابه “المناحة العظيمة” فنقرأ ما يلي: “إنّ هذا الشّهر المسمّى (تمّوز)، فيما ذكر النّبط ما وجدت في كتبهم، اسم رجل، كانت له قصّة عجيبة طويلة، وقتل، وزعموا، قتلات قبيحة بعضها بعقب بعض”.

لا يجب أن نقتنع بأنّ هذا النّثر الأسطوري اختفى نهائيا من العالم، على الأرجح إنّ ديونيزوس القديم هو ما يجب أن يسكن الشّاعر المعاصر اليوم، هذا الّذي يقدّم نفسه أوّل قربان أمام انحطاط الإرث اللاّهوتيّ وحيف الوجه الحداثيّ الّذي نعيشه، فما تشير إليه دلالة ذلك الإله هو التّشظي، أي الإقامة عند حدود النّسبي ضدّ أي حقيقة مطلقة، وهنا تصبح عمليّة تقطيع أوصاله ضربا من الانفلات عن الحقيقة المجرّدة والثّابتة، أمّا مع الشّاعر فهي تعني تحرّره بشكل نهائي من سلطة التّجنيس. ليس ديونيزوس مجرّد إله غابر في سراديب الأزمان، بل هو العالم اليوم ممزّقة أوصاله في غثيان الحروب والأوبئة وصحوة بيارق الإله الإبراهيميّ، وهو فظاعة الوجود عينه، وهو يمثّل دعوة ملحّة لاختراع سكن جديد في العالم على نحو الوضع ما بعد الحديث بعبارة ليوتار، فما نعيشه اليوم في سياقاتنا الاجتماعيّة والسّياسيّة والثّقافيّة لا يمكن أن يمثّل سوى نزعة تفضي إلى تمارين على الإقامة في هذا الضّياع العنيف والفظيع.

هل صحيح تخلّى المسرح عن الرّوح الديونيزوسيّة للشّعراء؟ هل صحيح أنّ هذا الفنّ طردهم من دائرة اهتمامه؟ وإذا كان ضروريّاً التّسليم بهجرة المسرح من النّص الأدبيّ إلى اختراع لغته الخاصّة – تلك الّتي تعقد ضربا من الإقامة في الأداء بدل التّمثيل وفي التّشظي بدل الخرافة وفي الإدلاء بحالات بدل الإدلاء بوضعيات وإبراز مواقف بدل إجراء تحاليل، فهل ظلّ محافظا على سرديّة الطّقس الأوّل أين نلتقط صدى الديثرامب أو أين نقرّ على لسان جيل دولوز “إنّ الشّخصيّة التّراجيديّة الوحيدة هي ديونيزوس”؟ علينا الاعتراف بأنّ هذا الفنّ يتعرّض لحروب كثيرة قد تسمح للبعض من النقّاد بالحديث عن غروبه، إنّه طريدة سهلة لمنطق السّوق والتّبضيع، ثمّ إنّه يشهد اشتغاله وفقا للمكر التّقنيّ والتّكنولوجيّ وهذا ما سيحجب هالته وشذاه مثلما أقرّ بذلك بنيامين كما قد يدمّر الآدميّة فيه: وهكذا قد يخلو من سحره.

علينا الاعتراف بحدث الطّلاق بين المسرح والشّعر منذ نهاية التّمثّل الأسطوريّ للعالم فلم يعد ثمّة ذلك التّراجيديّ الّذي يسرد كينونة النّوع البشري، أمّا أن ننتبه الآن ونحن نعيش في عصر الكارثة فليس ثمّة شعراء حقيقيون يقيمون في قرى الإنسانيّة، وليس ثمّة ذلك الكاتب أو الشّاعر النّبيّ الّذي يفصح عن نصّ مسرحيّ في حجم الدّمار الذّي نعيشه، وهذا ما أقرّت به العديد من الدّراسات والبحوث النّقديّة في سياقات متنوّعة ومختلفة ربّما من أهمّها تلك المقالة الّتي أوردها المسكيني في كتابه “الهجرة إلى الإنسانيّة” وحملت عنوان “الشّعراء يحرسون هشاشة العالم”.  أن يولد هذا الشّاعر فمهمّته ليست إنتاج خطاب لغويّ ينمّ عن قدرة فذّة في الكتابة، بل في إمكانيّة تقول بأنّ هذه الكتابة عينها تدفع بالمسرح كي ينعطف إلى  ما هو سحريّ وطقوسيّ وروحيّ، بمعنى إعادة تنشيط بعده الدينيّ القديم في ثوب فرجة العرض المسرحي الحديث.

كيف يمكن إذن مسرحة العنف الكونيّ بترجمته لغويّا ثمّ زراعته فيما بعد داخل أوصال اللّحم المسرحيّ؟ وإذا ما اعتبرنا أنّ رهانا كهذا يبدو مستحيلا، فهل علينا التّسليم بنهاية ديونيزوس بوصفه الرّمز الأسطوريّ الأوّل في ذاكرة البشريّة حول مسألة الانبعاث والتّجدّد؟ قال المسكيني في كتابه “الأنوار والحريّة”: “الشّاعر هو البديل المتعالي للعصور الحديثة عن النّبيّ”. ربّ شذرة ستحرّضنا على الفور للبحث عن مكانة المسرحيّ في هذه العصور الحديثة: ألا يبدو في حالة كهذه صيغة عليا أو بنفس العبارة الّتي استعملها المسكيني (البديل المتعالي) عن ديونيزوس؟ إنّ الشّاعر على هذا النّحو هو ذلك النّبيّ الّذي يقدّم تعاليم الإله ديونيزوس إلى المسرحيين حتّى يمكنهم الحلول في لحمه.

سيمكن للمسرح في حالة كهذه طرد الشّعراء والكتّاب والكلمات، من حيث مهمّاتهم القديمة، لأنّه هو الآخر – بعبارة أنتونان آرتو-، “كالكلمة، في حاجة إلى أن يكون حرّا”. وعلى الأغلب، إنّ حريّته تلك لا تمثّل قطيعة مع النّصوص بقدر ما هي تمثّل ضرباً من تحويل مصائرها ركحيّاً. هكذا يمكن القول إنّ الشّعر هو مخزن الطّاقة المقدّسة والأسطوريّة في حياتنا، تلك الّتي يتعيّن على المسرح المراهنة عليها في موضوعاته، إذ بقدر ما تعيد إليه التّوهّج والكثافة، تهبه إمكانيّة التّفكير في المستقبل، كما توفّر له عدم الحاجة إلى مواجهة الكارثة، لأنّه بهذا الشّكل سيتخطّاها لا نقدا فحسب، بل تجاوزا أيضا.

نعم، يجب أن نكفّ عن ذلك الفهم السّاذج الّذي يدعو إلى طرد الشّعراء والكتاب من المسرح، إذ يتعلّق الأمر بتغيير مصير كلماتهم لا شطبها من الوجود المسرحيّ، ها هو أنتونان آرتو يعلن بالقول في كتابه “المسرح وقرينه”: “لا يتعلّق الأمر بحذف الكلمة على المسرح، بل بحملها على تغيير مصيرها”. إنّ تغيير مصير الكلمات لهو ضرب من استحضار الرّوح الديونيزوسيّة في المسرح وفق ما تقتضيه حاجة هذا الأخير في ضوء المنعطفات الجماليّة، أين تسلخ اللّغة عن خطابها السّائد بما هي  كتابة قائمة على المحو وعلى أنقاض كتابات أخرى سابقة: إنّها تمثّل حضوراً ميتانصيّاً قوياً لا يخلو من آثار قديمة، ستبدو كما لو أنّها كتابة حول الشّتّات الديونيزوسي حيث لا نعرف إن كنّا سنتقدّم إلى المستقبل أو نتراجع القهقرى إلى الماضي، وهذه إحدى سمات عيشنا في العصور ما بعد حداثيّة، تلك الّتي تعكس لحظة رعبنا الكوني من خلال ما صرّح به المفكّر إيهاب حسن  ونحن نقرأ له ما يلي “تشتت لغة الإنسان في كلّ مكان، عودة إلى لحظة الخلق (الانفجار الكبير، نزوحا إلى حافة الانحسار في الكون (النّجوم الزّائفة)، داخل الثّقوب السّوداء في الفضاء أو اللاّوعي (لاكان) –بديلا عن محايثة العقل والخطاب في المرحلة الحداثيّة”.

ندرك أخيرا أنّه لا ثمّة لقاء بين الشّعراء والمسرحيين إلاّ في شتات ذلك الإله الغابر، هذا الّذي يحضر الآن على نحو ما بعدي في خطاب ما بعد الحداثة، هذا الّذي تمحى فيه الحدود بين الأجناس الفنيّة جميعها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

أضف تعليق

Share This