سيكولوجيا التنمُّر

سقطتْ كلمة إنسان مِن قاموس المُتنمِّر. لم تسقط سهواً لكنّها سقطتْ بسبب تعنيف شديد تعرّضَ له في طفولته وربّما بسبب التّحرّش الجنسيّ أو حتّى الاغتصاب بالإضافة إلى مجموعة عوامل أخرى مثل عَمالة الأطفال والحِرمان من الحُبّ. وقد تكون سقطت كلمة إنسان بخلاف ما سبق فقط لأنّه هكذا – أي ولِدَ على هذا النّحو مُتنمِّراً.

المتنمِّر شخص مَريض مَهووس بالسّيطرة والسّلطة ولا يُحبّ سوى نفسه. يبحثُ باستمرار عن ضحايا ضمن عائلته وخارجها لتحطيمهم وإسقاط مُخرجاته النّفسيّة عليهم من عُقد نفسيّة-جنسيّة وحِرمان.

المتنمِّر ليسَ سوبرمان. يوحي لك أنّه المُنقذ لكنّه المُدمّر. يريد فقط أن يفتكَ بك ويقطع أوصالك ولكي يصل إلى هدفه يعمل عن كثب على استدراجك لأيّام وأشهر بل لأعوام؛ يستدرجك نفسيّاً وفكريّاً وعاطفيّاً إلى أفخاخه القذِرة وألعابِه المُستفزّة ولا يتوانى عن اللّجوء للعنف بأشكاله اللّفظيّة والجَسديّة. يبخّ السُّموم ويقوم بتمزيقك وعزلك عن المحيط (من خلال تشويه السّمعة) لكي تغرق في شباكه ولا يعد بمقدورك إيجادُ مَخرَج أو حتّى طلب المُساعدة. وأخيراً سيفترسك بأنيابه كما فعلَ بغيرك أو ربّما كما فُعِلَ به. سيفترسك ويقنعك أنّك أنت مَنْ يضطّهدُ نفسك.

المُتنمِّر يعاني من عقدة الدّونيّة ويشعر بالمَهانة لوجود أشخاص مُتفوّقين. لا يرى المتنمِّر نفسه على أنّه مُتنمِّر بل يرى نفسه مثل نَرسيس (نَركيسوس) فهو الأجمل والأذكى والأقدر والأجدر مِن الجميع. المُتنمِّر يؤمِن أنّه الإله الّذي يَجب أن نَعبُد ونُجلّ، ومَركز الكون وأنّ الجميع عبارة عن مُستقبلات تدورُ في فُلكه أو غبار على حذاءه. يُعرّف نفسه على أنّه المُتحدِّث في المَجالس ويحتاج إلى جُمهور يؤيّده فيما يقول ويصفّق له أيضاً. لا أحد يتفوّق عليه في الحديث وإلقاء الخطابات وهو دوماً على حقّ. المُتنمّر “بيطقّ براغي للعالم”[1] وليس لديه طموح. يرتفع بتبخيس الآخرين والاستهزاء بهم ويلقّبهم بألقاب قذرة مَدى الحياة (أم راسين، فلان الأعور، أبو مُخطة، غولدامائير، العاهرة) ويشعرُ باللّذة من خلال تشييئهم. عَصَبي المزاج ويتلذّذ بالضّرب والشّتائم. غير صبور ولا يفكّر بنتائج أعماله. المُتنمِّر لا يُسامح ولا يقبل الاعتذار ولا يعتذر أبداً. وعندما تعتذر منه الضّحية وتتذلّل له، يكبرُ أناه وينتعش فيخطّط لتسديد المزيد من اللّكمات النّفسيّة والجسديّة.

لأنّه غبي لا يفهم مَعنى الكلام من أوّل مرّة فهو يبني من الحَبّة قُبّة ويُضخّم الأمور وحينما تحين السّاعة يُفجّر القنبلة في وجه الآخرين ويستغلّ جهدهم وأموالهم وتعبهم بعد أن يقوم باستنزافهم.

المتنمِّر يعيش في الماضي ويقفُ دوماً على الأطلال يُحاكي الأسلاف ويتغنّى بهم وبمنجزاته الكثيرة الّتي يعجزُ الآخرون عن تحقيقها. يريدُ أن يُبهر الجميع ويستحوذ على اِهتمامهم. يجذبهم بحديثه الّذي لا ينتهي وبذكائه الكاذب وبحنكته البلهاء وبصوته المُرتفع. هو عبارة عن “طبل منفوخ” وينطبق عليه المثل “نفشني وشوف ما أجحشني.[2]” يحبُّ المديح ويذمّ الآخر. المُتنمّر يريدُ أن يبقى شابّاً دوماً فهو يخافُ الموت ويتعلّق بالحياة مثل مُراهقٍ ويبحثُ عن سُبل شتّى لتخليد ذكراه. المُتنمّر جَنائزي ويعبدُ الطّقوس المُجتمعيّة والأعراف يُردّد مثل الببغاء ما حفظه من أقوال وكلمات. يحتفلُ بالواجب ويقدّسه (وهنا أعني القيام بالواجب من تأدية العَزاء إلى تأدية الجنس، ولا ننسى الإنجاب وضرورة الاحتفاظ بمَظاهر الزّواج لأنّه بروتوكول مُجتمعي وقناع حماية لممارساته السّادية الإجراميّة). المُتنمّر جنائزي لأنّه يرسمُ التّفاصيل الدّقيقة لمراسم دفنه قبل أن يموت ويريد مِن أولاده (العبيد في حُكمه) تمثيل جميع هذه المسرحيّات (الواجبات).

يمتَهِن مِهنة السّمسار والمزوّر واللّص بحذاقة ويلبس قناع الشّرف. ماكيافيللي – الغاية لديه تُبرّر الوسيلة. “مَصلحجي” – مصلحته تأتي فوق أي اعتبار. صاحب مشاكل بل يختلق المشاكل ويبحث عنها. مُتجهّم لا يعرف الفرح أو السّلام. “جوابه تحت إبطه” أي أنّه ناري وقح وما من سؤال إلّا له جواب عنده.

المُتنمِّر شخص أدمَنَ التّمنين والتّعيير يُنكر المَعروف وفضل الآخرين. يُمنّن جميع النّاس الأقارب والأصدقاء والغرباء بأي خدمة يقوم بها سواء للصّالح العامّ أو على المُستوى الشّخصيّ. ولا يَسْلَم أولاده أو الشّريك/ة مِن التّمنين لأنّه صرفَ الأموال عليهم ولذا يعودُ دوماً إلى المَاضي لتذكيرهم بما فعله لهم من خدمات كثيرة (منها التّعليم، دفن قريب، مُساعدة في شراء سيّارة أو بيت، التّربية وإطعام الأولاد، دفع الفواتير وغيرها). وبدورهم ينبغي أيضاً أن يعترفوا بفضله عليهم أمام النّاس بشكل دائم. وإذا اشترى أيّ شيء للبيت فلا يقول سعره الحقيقي بل يُبالغ ويكذب ويُبهّر ويتباهى أمام النّاس وهو أبخل النّاس. ليس هذا وحسب بل يُسجّل أيضاً ما يصرفه على الأسرة ويُمنّنهم بذلك قائلاً: “عندي مُستندات تثبت ما صرفته عليكم من مأكل ومشرب وملبس وتعليم.”  وللتّمنين توأم أسود آخر هو التّعيير فهو يُعيّر النّاس جميعاً بماضيهم وأعمالهم وأصولهم فقد صنّف النّاس وفق معاييره في مستويات وطبقات اجتماعيّة؛ هو من أصول إقطاعيّة برجوازيّة عريقة والآخر مُجرّد أجير يعمل في أرض الباشا أو حُثالة لا قيمة له من الطّبقات الاجتماعيّة الدّنيا. هو فوق وجميع النّاس تحت مهما كانت درجاتهم العلميّة والمعرفيّة.

المُتنمِّر لا يعرف التّعبير عن الحُبّ مع الشّريك/ة أو الأولاد لأنّ فاقد الشّيء لا يُعطيه. فهو لا يُعانق الشّريك/ة أو الأولاد ولا يعرف ممارسة الحُبّ الصّادق ولا الكلام الرّقيق. الحُبّ عنده جسدي مادي فقط. ليس لديه مشاعر وعواطف. المُتنمّر لا يعرف المُتعة الجنسيّة لأنّه يأخذ ولا يُعطي باعتبار أنّ الآخر هو شيء أو أداة لأغراضه الخاصّة. وإذا كان المُتنمّر ذكرا فهو يضطهد المرأة سواء كانت أمّا أو أختا أو زوجة أو ابنة ويبجّل الذّكر لأنّه ذكوري. يقدّس الأعراف والعادات القبليّة البالية. يمشي مُختالاً مثل الطّاووس المتغطرس ويعتبر الأعمال المنزليّة الّتي تقوم بها المرأة أعمال دونيّة لأنّها بمنظوره ضلع ناقص وهو ربّ الكمال. المتنمِّر يُحبّ إجهاد المرأة في العمل داخل المنزل وخارجه لكي تُنهكَ قواها ولا تستطيع مجابهته أو مناقشته ويحبّ أن يسرق تعبها ومالها. وإذا كانت الزّوجة مُستقلّة مادّياً فلا يصرفُ عليها حتّى في حالة المرض. وإذا مرضت يصيبه الاكتئاب لأنّ عليه أن يقوم بخدمتها. لا يُحبّ أن تمتلك المرأة أي عقار أو راتب أو حساب مصرفي خاصّ بها لأنّ الاستقلال المادي يمنحها القوّة والقدرة على التّصرف واتّخاذ القرارات وهذا يطعن بهويّة المتنمِّر الهشّة. المُتنمِّر يُميّز بين الأبناء والبنات فهو يورّث الأبناء على حياته ويحرم البنات من ميراثه حتى بعد مماته. بالمُختصر المتنمِّر لا يعترف بحقوق المرأة مهما كانت فهي مُجرّد ظِلّ وتابع له لا أكثر. المتنمِّر يتباهى أمام النّاس بأنّه يُحبّ عائلته ويقدّم لهم الغالي والنّفيس وهذا كلّه كذب في كذب. يعتقد أنّه يمتلك حُسن الإدارة الذّكية في الإنفاق لذلك يريدُ السّيطرة على أموال الآخرين خصوصاً المرأة. يضع قوانين وأنظمة خاصّة به وبالمنزل لإدراة حياة الأسرة وعلى الجميع الطّاعة دون مُساءلة وإلاّ سيكونُ مَصيرهم الطّرد إلى الشّارع وهذا بالطّبع عقاب خفيف ينزله بهم. على سبيل المثال، هناك أوقات معيّنة للاستيقاظ والنّوم، أوقات مُعيّنة لتناول الطّعام، وأوقات معيّنة للعودة إلى المنزل ويجب على الجميع التّقيّد بها واحترامها.

قد يكون للمُتنمّر أيضاً سلوكيّات مُنحرفة مع الأطفال كالتّحرّش الجنسيّ أو المُلامسات الجسديّة غير اللّائقة. بالمُختصر الآخر، سواء كان بالغاً أم طفلاً، ليس إلّا شيء (وشيء قذر) في حُكم المتنمِّر.

******

[1]  “طقطقة البراغي للآخرين” مثل مَنْ يضع مسامير في العجلات.

[2]  “نفشني وشوف ما أجحشني” تعني تمسيح الجوخ الدّائم للمتنمّر ومديحه باستمرار.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. مجد حمشو

    رائع أماني.
    كتابة واقعيّة وحقيقيّة بنَفَس الواقع والحقيقة.
    المتنمّر عالة على الوجود، لكنّي أتحيّن اللّحظات الّتي سيجابه بها كلّ متنمّر نفسه عندما ينظر لداخله الدّاكن ويدرك سوداويّته وقباحته واضطراباته وانفصاماته، ويرى قذارته أمام عينيه.
    هذه السّاعة الحاسمة الّتي لا بدّ أن يعيشها بمفرده عندما يتركه الجميع ويلقون به إلى الماضي، مثله في ذلك مثل أيّة ذكرى تعيسة لا بدّ أن تُنسى.

    المتنمّر عبء على وجودنا، لكن لكلّ منهم/ن مدّة انتهاء صلاحيّة.
    محبّات.

  2. اماني

    شكرا مجد الغالي لمرورك وقراءتك. نعم لكل متنمر نهاية بشعة. المتنمر ماضوي وسلفي ولابد ان يعود إلى حيث ينتمي.

  3. منى

    مقال رائع عن كيفية تغذية السلطة البطريركية الابوية السامة لحالة التنمر السايكولوجية.. حالة منتشرة و موجودة بكثرة في مجتمعاتنا.. شكرآ لك اماني على تشخيصها

    1. اماني

      شكرا لمرورك منى الغالية.

أضف تعليق

Share This