لا أستطيع أن أتنفّسGeorge Floyd

“إنّه وجهي يا رجل

أنا لم أرتكب أيّ جرم خطير يا رجل
أرجوك
أرجوك
أرجوك لا أستطيع التّنفس
أرجوك يا رجل
أرجوكم، أي حد
أرجوك يا رجل
أنا لا أستطيع التّنفس
أنا لا أستطيع التّنفس
أرجوك
(همهمة غير مفهومة)
يا رجل لا أستطيع التّنفس، وجهي
انهض عنّي فقط
لا أستطيع التّنفس
أرجوكم، هناك ركبة فوق عنقي
لا أستطيع التنفس
اللّعنة
سأفعل
لا أستطيع التّحرّك
أمّي
أمّي
لا أستطيع
ركبتي
عنقي
أنا أمرُّ
أنا أمرُّ
لديّ رهاب الأماكن المغلقة
معدتي تؤلمني
رقبتي تؤلمني
كلّ شيء يؤلمني
أريد شرب المياه أو شيء آخر
أرجوك
أرجوك
لا أستطيع التّنفس
لا تقتلني
سوف يقتلونني، يا رجل
توقّف يا رجل
لا أستطيع التّنفس
لا أستطيع التّنفس
سوف يقتلونني
سوف يقتلونني
لا أستطيع التّنفس
لا أستطيع التّنفس
أرجوك سيّدي
أرجوك
أرجوك
أرجوك، أنا لا أستطيع التّنفس”
ثمّ أغلق جورج فلويد عينيه وتوقّف عن التّوسل، لتعلن وفاته بعد ذلك بوقت قصير.”

ماذا تعني لي الديمقراطيّة الّتي تخنقني على قارعة الطّريق على نيّة القتل أمام المارّة العاجزين عن الفعل كأجهزة التّنفس الاصطناعيّة الّتي تحدّت كورونا كفاءتها العلميّة والطبيّة، وأنا أستغيث طالبا النّجدة والمساعدة والرّحمة: لا أستطيع أن أتنفّس؟ أيّة كورونا هذه الّتي تهجم عليّ بشراسة سياسة الحياة العارية دون خوف من المراقبة والعقاب، كما لو أنّ الأمر لا يتعلّق بحياة إنسان، بل مجرّد نفاية ودنس ما دون خط الحيوان يجب أن ينفق والتّخلص منه بأسرع وقت ممكن، برميه في أقرب مزبلة؟ أيّة رؤية للكينونة والعالم أنتجت هذا النّظام الّذي يتجاوز حالة معزولة في القتل العاري للآخر، وبنفس الأسلوب والصّرخة، الّذي يتشارك معي في الوطن والمواطنة والجنسيّة…، وباقي الأسماء الأخرى البرّاقة لتبرير الذّبح الحلال للآخر كشر ملعون ولوثة قبيحة شيطانيّة يجب سحقها بأحذية ومسدّسات الشّرطة باسم الحريّة والديمقراطيّة والمجتمع الحرّ…؟ أي أمر بالمعروف والنّهي عن المنكر سيكتبه مايكل كوك هذه المرّة، والمارّة في قيلولة أو ساهون، ليس أمام اغتصاب امرأة كانت عيونها تستنجد المارّة والعابرين وما من مجيب في وجه كمامة التّشدّق بالحريّة والديمقراطيّة والحريّات الفرديّة؟ كيف تتسر هذه الهمجية الوحشية وهي تتلبس الدّولة الحديثة والنّظام السّياسي الديمقراطي، وتعيد إنتاج نفسها في أسواق انتخابيّة يؤطّرها لصوص المال ومصّاصو دماء فائض القيمة في الدّاخل والخارج، وشعبة المخابرات العلميّة والعسكريّة الّتي تسيّج العالم بأذن ناعمة من حرير يخفي مسدّس القاتل الكاتم الصّوت؟

نعم للحريّة والديمقراطيّة والمجتمع الحرّ……

لكن ما الّذي يحرّرني من هذه المفارقة بين قاتل يرتكب جريمة في وضح النّهار وبحماية الشّرطة وأمام النّاس “المواطنين” بارتياح كبير مطمئن البال وبكلّ هدوء وانسجام مع ما تشرّبه من حقد وكراهيّة وفاشيّة عنصريّة في حليب الديمقراطيّة، وبين كونه ينتمي إلى بلد الحريّة والديمقراطيّة والانتخابات الحرّة الّتي جعلت رجلا أسود يعتلي كرسي الرّئاسة؟ هل في الأمر خدعة مّا يعرّيها الوجه الدمويّ للديمقراطيّة كتراكم رأسمالي بنى وجوده على أنقاض الإبادة أوّلا للسّكان الأصليين، ونهب خيرات الشّعوب ونشر الحروب والخراب والدّمار في الكثير من بقاع العالم، والإشراف الرّسمي على انقلابات عسكريّة وعلى اغتيال إرادة الشّعوب في العيش الآمن وبشكل حرّ وديمقراطي في بناء المجتمعات والأوطان والإنسان؟

إنّ قلقا مرعبا ورهيبا سكن قلبي وهزّني في الأعماق أمام هذه المفارقة اللّعينة الّتي تجمع بين القتل والديمقراطيّة، وهي ليست مسألة فرديّة، أو شخصنة تتعلّق بهذا الفرد أو ذاك. وإلاّ ما الّذي جعل رئيسا معتوها وعنصريا ومستهترا بحياة شعبه قبل شعوب العالم يصل إلى كرسي الديمقراطيّة؟ هل المؤسّسات المدنيةّ والاجتماعيّة من الأسرة مرورا بالمؤسّسات التربويّة والثّقافية والفكريّة والعلميّة والسّياسيّة بما تعرفه من تطوّر وتقدّم هائل…، هذا الكلّ الديمقراطي الرّائع الّذي تحلم به الكثير من الشّعوب لم يستطع أن ينتج ويؤهّل غير هذه العيّنة من النّاس للحكم والتّدبير المجتمعيّ من الشّرطيّ إلى الرئيس؟ هل الإجابة الموضوعيّة لهذه الديمقراطيّة الّتي تخفيها القيم الحداثيّة للدّولة الحديثة تعرّيها سياسات آليات السّوق الرأسماليّة في الهيمنة والسّيطرة، والاستعمار بكلّ وجوهه القديمة والحديثة في النّهب والحروب والقتل المتعمّد و” الخطأ”، وفي مناصرة الاستبداد والاحتلال الصّهيونيّ…؟ هل حقّا شعوب العالم، من الهنود الحمر إلى العراق مرورا بالفيتنام والكثير من البلدان الأخرى، في مجتمعاتها واقتصادها تمثّل الوجه العاري الدموي للديمقراطيّة على طريقة الرّجل الأبيض الفاشي؟

لكن ما الّذي يعرّيه قتل جورج فلويد، حيث شعر النّاس أنّهم قتلوا جميعا، وهم يصرخون: لا نستطيع أن نصمت بعد اليوم؟

وأنا أيضا لا أستطيع أن أصمت…

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This