يحدث بأميركا.. ماذا قالت سوزان سونتاغ قبل 53 عامًا؟ / إبراهيم قعدوني

قبل نحو ثلاثة وخمسين عامًا، في شتاء عام 1966 ودأبًا على تقليد سنوي في مداولة المشاغل الراهنة في البلاد على الصعيد الفِكري، وزّعت دورية «بارتيزان ريفيو» الأميركية استبيانًا على كوكبةٍ من المثقفين البارزين أرادت من خلاله الوقوف على واقع الاستقطاب السياسي والمجتمعي الذي شهِدته الولايات المتحدة الأميركية في فترةٍ حافلة شهِدت نشاطًا محمومًا للحركات الحقوقية واندلعت فيها اضطرابات عرقية تلَتها أعمال شغبٍ في معظم المدن الكبرى بعد عام 1965، بعد أن أصدر الكونغرس قرار خليج تونكين، الذي منح الرئيس جونسون سلطة استخدام القوة العسكرية في جنوب شرق آسيا دون الحاجة إلى طلب إعلان رسمي للحرب. وفي الفترة ذاتها، كان عدد العسكريين الأميركيين في فيتنام يشهد ارتفاعًا كبيرًا ليصل لاحقًا إلى 525.000 جندي مقاتل في عام 1967 ولتزداد معه أعداد الضحايا من الجنود الأميركيين وتتسع رقعة الاحتجاجات وتتداخل أسبابها.
وقتذاك، بدت الهوة بين المثقفين والناخبين والليبراليين والمحافظين أوسع من أي وقت مضى، حتى أن البلاد بدت وكأنها على شفا حرب أهلية جديدة، ما دفع بمجلة «بارتيزان ريفيو» إلى إطلاق هذا الاستبيان لاستقاء آراء النخب الثقافية بشأن ما يجري.

“ثمة قدر كبير من القلق بشأن الحياة الأميركية، وفي الواقع، ثمة ما يبعث على الخوف من أن أميركا قد تدخل أزمة أخلاقية وسياسية”- كتَبَت المجلةُ في مقدّمة المِلف الذي جاء بعنوان «ما الذي يحدث لأميركا؟». وفي تقديمه للملف، اقترح المؤرّخ والكاتب المسرحي مارتن دوبرمان على المساهمين سبعة أسئلة متفرّعة من السؤال الرئيس للبحث فيها، كان أولها سؤال ما إذا كان لشخصية الرئيس الذي يحكم البيت الأبيض دور فيما يجري، أم أن المشكلة تكمن في المنظومة التي ستفرِض على أي رئيس، كائنًا من كان، أن يحذو حذو الرئيس ليندون جونسون في تعاطيه مع الاحتجاجات؟
وتطرّق السؤال الثاني إلى مدى خطورة مشاكل الفقر والتضخُّم وأثرها في الاضطرابات، وتساءل الثالث عن معنى القطيعة القائمة بين السلطة والمثقّفين، وتناول الرابع مسألة العنصرية في أميركا وما إذا كانت أميركا البيضاء ملتزمة بتحقيق المساواة لأبنائها السود. وبحث السؤال الخامس مسألة السياسة الخارجية متسائلًا عن انعكاساتها على الداخل الأميركي، وحمل السؤال السادس التساؤل الأبرز الذي اقترَحه الاستبيان بشأن ما يتوقّع المساهِمون حدوثه في أميركا. أمّا سابع الأسئلة فكان معنيًا بالتساؤل عما إذا كان المساهِمون متفائلين بحراك الشباب وقتذاك وما قد يجلِبُه من تغيير.
ضمّت قائمة المثقفين والكُتّاب الذين ساهموا في الإجابة عن السؤال ستة عشر كاتبًا، أربعة عشر كاتبًا وكاتِبَتَان هما ديانا تريلينغ، وسوزان سونتاغ (1933-2004)، الكاتبة والناقدة الفنية والناشطة السياسية والحقوقية التي عُرِفت بكتابتها النقدية المشاكسة للقيم السائدة في أميركا ومعارضتها المبكرة للحرب في فيتنام. ويعرِف قرّاء العربية سونتاغ من خلال عديدِ مؤلفاتها المُتَرجَمة وفي مقدمتها «ضدّ التأويل» و«حول الفوتوغراف» فضلًا عن العديد من الدراسات والمقالات النقدية.
سوزان سونتاغ
نشأة أميركا
جاءت إجابة سونتاغ في هيئة مقالة مطوّلة أرجَعَت فيها الكاتبة المعروفة ببصيرتها الثاقبة وجرأتها النقدية ما يحدث في البلاد إلى نشأة أميركا في جوهرها كنشاطٍ استعماري عنفي قام على إبادة سكان البلاد الأصليين وتكريس تفوّق الرجل الأبيض. كان لافتًا في طرحِ سوزان سونتاغ أن المشكلات التي ألمّت باللحظة الأميركية آنذاك، إنما كانت امتدادًا لقضايا أرَّقت المجتمع الأميركي طيلة عقود مديدة ويبدو أنها تغدو أكثر تعقيدًا بمرور الوقت، لا سيّما في ضوء الاحتجاجات التي اندلعت في مينيابوليس في الآونة الأخيرة والتي كشَفت عن قدرٍ لا يُستهان به من الاحتقان والعنف الكامِنَين في المجتمع الأميركي.


مشاكل أميركا لا تعنيها وحدها، فهي، شئنا أم أبينا، شرطيُّ العالم، الشرطي المهووس بالقوة

ولمعالجة السؤال المباشر، تقترح سونتاغ في مقالتها التوطئة للإجابة بطرحِ ما تدعوه “ثلاث حقائق عن هذا البلد” كمدخلٍ لربط السؤال بسياقٍ تاريخي يعينُ في تفكيكه. أولى هذه الحقائق، كما تقول سونتاغ، هي أنّ أميركا تأسّست على إبادة جماعية، وعلى افتراضٍ لا يقبل الطعن بحق الأوروبيين البيض في القضاء على السكان الأصليين المتخلّفين من الناحية التكنولوجية، من أجل السيطرة على القارة. أمّا الحقيقة الثانية، فهي أن أميركا لم يكن لديها نظام العبودية الأكثر وحشية في العصر الحديث فحسب، بل أيضًا النظام القضائي المتفرّد (مقارنة مع العبودية الأخرى على سبيل المثال في أميركا اللاتينية والمستعمرات البريطانية) الذي لم يعترف بالرقيق كأشخاص بأي شكل من الأشكال. وثالثًا، تضيف سونتاغ، أُنشِئت أميركا كدولة – وهو ما يختلف عن المستعمرة – بفائض فقراء أوروبا الذين عُزِّزوا بمجموعة صغيرة من أولئك الذين سئموا من أوروبا المُنهَكة Europamüde (كلمة أدبية من أربعينيات القرن التاسع عشر). ومع ذلك، فإن أفقر الناس هؤلاء، عرفوا كلًّا من “الثقافة” التي اخترعها إلى حد كبير سادتهم الاجتماعيون وأداروها من فوق، وكذلك “الطبيعة” التي رُوِّضت لقرون. وصل هؤلاء إلى بلد كانت فيه الثقافة الأصلية هي ببساطة العدو، وكانت في طور الإبادة بلا شفقة، وكانت الطبيعة أيضًا هي العدو، القوة البِكر التي لم تُعدِّلها الحضارة – أي الإنسان– والتي يجب إلحاق الهزيمة بها. وبعد أن “ظفروا بأميركا”، مُلِئت البلاد بأجيال جديدة من الفقراء وبُنِيَت وفقًا للفانتازيا الرخيصة بشأن ماهية الحياة الرغيدة التي ربما عرفها الناس المُقتَلَعون المحرومون ثقافيًا في بداية العصر الصناعي، وهذا ما تبدو عليه البلاد.
تبدو هذه “الحقائق الثلاث” بمثابة شروطٍ تأسيسية لأميركا المهووسة بالقوة، وعليه، تبدو المساراتُ التي تسلكها أميركا، سواء في الخارج أو في الداخل، على علاقة عضوية بهذه الشروط، إن لم نقل إنها محكومة بها، وإنّ الخروج عنها لا يبدو ممكنًا بأقلّ من ثورة شاملة على جوهر هذه الأسُس وتجلياتها المؤسّسية.
تقول سونتاغ “إنَّ كل ما يشعر به المرء بشأن هذا البلد مشروطٌ، أو يجب أن يكون مشروطًا، بوعي القوة الأميركية، الوعي بأميركا كسلطة عليا للكون، تُمسِكُ بالمستقبل البيولوجي والتاريخي للإنسان في مخالب كينغ كونغ”. وغنيّ عن القول، تضيف سونتاغ، أنَّ أميركا ليست وحدها الدولة العنيفة والقبيحة والتعيسة على هذه الأرض، “إلا أنّ الأمر يتعلّق بالمستوى، إذ لم يكن يعيش هنا سوى ثلاثة ملايين من الهنود الحمر عندما وصل الرجل الأبيض ممتشقًا بندقيته باحثًا عن بدايته الجديدة. أما اليوم، فلم تعد الهيمنة الأميركية تقتصر على تهديد حياةِ ثلاثة ملايين إنسان، بل ما لا يُحصى من الملايين، الذين، حالهم حال الهنود الحُمر، لم يسمعوا قط بـ”الولايات المتحدة الأمريكية”، ناهيك عن إمبراطوريتها الأسطورية، المعروفة باسم “العالم الحر”. لا تزال السياسة الأميركية تستلهم فانتازيا “القدَر الساطع”، على الرغم من أن تخوم القارة كانت وضعت الحدود مِن قَبل، غيرَ أن المُقدّر لأميركا اليوم يشمل العالم بأسره، فما يزال هناك المزيد من جحافل الهنود الحمر الذين يتعيّن جزُّهم قبل أن تنتصر الفضيلة، هذا ما تقوله الأفلام الغربية الكلاسيكية؛ الهندي الأحمر الصالح الوحيد هو الهندي الأحمر الميت. قد يبدو هذا بمثابة مبالغة لأولئك الذين يعيشون في جو مضبوط بدقة في نيويورك وضواحيها. لكن ليس على المرء سوى أن يعبر هدسون ليكتشف أن الأميركيين جميعهم يساورهم هذا الشعور، لا بعضهم فقط”.
المشكلة الأعمق
تبدو مشكلة أميركا أعمق من مُجرّد هوية من يجلس في سدَّة المكتب البيضاوي وسياساته، فقبل دونالد ترامب وبهرجته السياسية التي فاقت الابتذال بأشواط، كان هناك رئيس أسوَد، وطيلةَ عُهدَتَين رئاسيّتين، لا يبدو أنه فعل الكثير على مستوى تغيير جوهر «الإستابلشمنت» وتجلياتها التي راكمتها في المعاش الأميركي على مدار عقود، تجلياتٌ ليس أهونها القطيعةُ البادية بين النخبتين الحاكمة والمثقفة. نستذكر هنا ما شخَّصه نعوم تشومسكي منذ سنوات في كتابه «من يحكُم العالم» على أنه إعياءٌ شعبي وعزوفٌ انتخابي مردُّه يأسُ الأغلبية الصامتة في الولايات المتحدة من القطبية السياسية الكلاسيكية وعجزها عن خلقِ نخبة تمثيليةٍ أصيلة خارج ثنائية جمهوري/ديمقراطي، يبدو هذا اليأس اليوم وقد بلغ حدًّا لم تعد معه البنية القائمة قادرةً على احتوائه.

مشاكل أميركا لا تعنيها وحدها، فهي، شئنا أم أبينا، شرطيُّ العالم، الشرطي المهووس بالقوة الذي بلغ فائض قوته وعنفه أن جثمَ بركبته فوق رجلٍ أعزلٍ لنحو تسع دقائق ولم يتركه قبل أن تفارق روح الرجل جسده في مشهدٍ يُذكّرنا بما وصفته سونتاغ ذات يوم بأنه “عنفٌ عارٍ يخترق كلّ شيء”.
لو أنّ سوزان سونتاغ كانت حيّة اليوم لربما وجدت نفسها أمام المفارقات الأميركية نفسها في مواجهة الأسئلة عينها وقد غدت مثل كرةِ ثلجٍ تتدحرج إلى أسفل، والأهم، لرأت من كانوا شبابًا علّقت عليهم أملها ذات يوم وقد بلغوا كهولتهم وأطاح اليأس آمالهم الثورية في ستينيات القرن العشرين ليجدوا أنفسهم وأبناءَهم أمام الأسئلة البديهيةِ إياها، لقمة العيش والتمثيلُ والمساواةُ العرقية وتفوّق الرجل الأبيض! أسئلةٌ انقدَحت غضبًا وعُنفًا في مينيابوليس ليصل لهيبها إلى جوار البيتِ الأبيض (الأبيض بوصفه نقيضًا للأسوَد! أميركا المولعة بالمفارقات).
وصفت سونتاغ بلادها بـ”البلاد المشؤومة التي أخشى إن انزلقت إلى الهاوية أن تجُرَّ معها العالم كلّه”، ولو عادت اليوم لهالها أنّ تشاؤمها كان في محلّه تمامًا وهي التي تقول إنّ كمّ اليأس محجوب بأشياء من قبيل وسائل الراحة والحريات التي تقدمها الحالة الأميركية، ومعظم الناس، تشرح سوزان، لا يعتقدون حقًا أن الأمور بهذا السوء، وهذا مفهوم تمامًا.. لهذا السبب، بالنسبة لهم، لا يمكن أن تكون هذه الغرائب أكثر من مجرد عنصر مذهل في موكب الأزياء الثقافية، ليتم تقييمها بمودّة، ولكن قبل كل شيء بنظرةٍ عارفةٍ وحزينة لسان حالها يقول: كنت متطرفًا أيضًا عندما كنت صغيرًا، متى سيكبر هؤلاء الأطفال ويدركون ما كان علينا إدراكه، متى يدركون أن الأشياء لن تتغير حقًا، سوى أنها قد تغدو أسوأ؟ قالت سونتاغ عام 1967. أليست أميركا دونالد ترامب اليوم أسوأ من أي وقتٍ مضى؟ اسألوا شباب ذلك الزمن الأميركي.

 

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This