التّكعيبيّة: ثورة في الفنّ والتزام بالثّورة

     شهدت مدينة مالقا الإسبانيّة، وبالضّبط سنة1881 ولادة بابلو بيكاسو Pablo Picasso، والّذي اعتبر بحقّ واحدا من أعظم الفنّانين الّذين عرفهم تاريخ الفنّ، إذ أنّ تأثيره كان كبيرا ونوعيا في الفنّ الحديث، إذ يستحيل على كلّ دارسي وعشّاق الفنّ تجاوزه، ذلك أنّه ليس هناك أحد من هؤلاء لم يسمع أو يقرأ أو يرى أعمال بابلو بيكاسو.

أحدث بيكاسو بالفعل ثورة في الفنّ، والّتي تجسّدت في التّكعيبيّةCubisme، وقد لا يكون ذلك مستغربا بالنّسبة لبابلو الصّبي، الّذي ترعرع في وسط عائلي، عرف عنه عشقه للفنّون عموما  وللرّسم على وجه الخصوص، الأمر الّذي كان له بالغ الأثر على حياته ومسيرته الفنّيّة، إذ بدأ الرّسم في وقت مبكّر من طفولته، وصقل ذلك بتكوين أكاديمي متخصّص، شمل معظم المدارس الفنّيّة، حيث تلقّى تكوينه بمدرسة الفنّون بمدينة لاكورونيا La Corogne إلى حدود الحادية عشر من عمره، وعندما بلغ الرّابعة عشر، رحل إلى برشلونة، حيث مدرسة الفنّون الجميلة، ثمّ بعدها انتقل إلى أكاديميّة مدريد، غير أنّه لم يكمل تكوينه، وذلك بسبب استيائه من نمط التّعليم الّذي كان سائدا فيها وقتئذ، فعاد إلى برشلونة، والّتي كانت ملتقى الفنّانين والمثقّفين وبالخصوص ذوي النّزعات التّقدميّة واليساريّة، وخلال هذه الفترة تردّد كثيرا على فرنسا، إلى أن استقرّ به المقام  بباريس سنة 1904.

بيد أنّ أهمّ ما ميّز مسيرة هذا الفنّان هو التزامه السّياسي، إذ اتّخذ موقفا حاسما من الأنظمة الدّكتاتوريّة والشّموليّة، فانتقد نظام فرانكو الفاشي، وندّد بفظاعة الحرب، وجسّد ذلك في لوحته الشّهيرة غرينيكا Guernica، وغرينيكا ليست سوى تلك القرية الّتي ينتسب إليها بيكاسو، والّتي تعرّضت لقصف شديد من طرف الألمان، بحيث انمحت من الوجود.

وتجسّد – أيضا – التزامه السّياسي بانخراطه في الحزب الشّيوعي الفرنسي، فاعتبر نفسه مناضلا ثوريا، كما اعتبر أنّ مهمّة الفنّ تكمن -في المقام الأوّل- في الدّفاع عن الإنسان وحقوقه أينما وجد.

التّكعيبيّة بوصفها ثورة في الفنّ الأوروبيّ:    

يجمع كلّ دارسي الفنّ على اعتبار بابلو بيكاسو أوّل فنّان استطاع أن يحدث نقلة نوعيّة في الفنّ الأوروبيّ الحديث، ذلك أنّ بيكاسو هو أوّل من دشن الثّورة التّكعيبيّة، والّتي لا يمكن أن نقول عنها سوى أنّها بالفعل ثورة بالمعنى الدّقيق للكلمة، ذلك لأنّها شكّلت قطيعة مع كلّ التّقاليد الّتي سادت في الرّسم وفي الفنّ عموما منذ النّهضة الأوروبيّة.

بدأت التّكعيبيّة في الرّبع الأوّل من القرن العشرين، واعتبرت لوحة فتيات أفنيون les mesdemoiselles d’Avignon    les أوّل عمل تكعيبي، كما مثّلت اللّوحة الأولى في التّاريخ والّتي أسّست لبدايات الفنّ الحديث، وكان اكتمالها كعمل فنّي عند نهاية صيف 2007.

تمثّل التّكعيبيّة في العمق تيّارا ثقّافيا شاملا، لا يقترن بالرّسم فقط، وإنّما يمتدّ ليشمل حقولا إبداعيّة متنوّعة ومتعدّدة، والّتي تندرج في إطارها العديد من الفنّون الجميلة، فالتّكعيبيّة مارست تأثيرا قويّا في الكثير من المجالات وعلى أكثر من صعيد، إذ نلمس تأثيرها في الأدب، كما في الموسيقى، والهندسة كما في الجماليات.

كان الرّسم قبل ظهور التّكعيبيّة يقوم على المحاكاة الّتي تنبع من الإحساس والشّعور، بيد أنّ التّكعيبيّة قلبت كلّ شيء رأسا على عقب، وانتصرت للشّكل على حساب المحتوى، فأصبح المبدأ الأساس هو  توليف الأشكال ودمج التّشخصي واللّاتشخصي.

فتيات أفنّيون أول لوحة مؤسسة للتكعيبيّة:

كلّفت لوحة “فتيات أفنّيون” بابلو بيكاسو تسعة أشهر من العمل المتواصل، كان خلالها يحاول بيكاسو تحرير الفنّ من القواعد الموروثة منذ النّهضة الأوروبيّة، إذ سبق اكتمالها كعمل فنّي أنجاز العديد من الأعمال الأوليّة والإعداديّة، لذلك يمكن اعتبارها بمثابة البيان الأوّل الّذي أسّس للاتّجاه التّكعيبيّ.

أحدث بيكاسو من خلال هذه اللّوحة ثورة في مجال الرّسم، إذ شكّلت بداية ولادة الفنّ الحديث، بحيث أنهت كلّ ما سبق من تقاليد وقواعد، فاختفى المنظور الكلاسيكي، وأصبحنا إزاء لغة جديدة في مجال بناء اللّوحة، لغة تنبني على تحطيم الشّكل المعتاد، والّذي لا يقترن برسم الطّبيعة ومحاكاتها، بل أصبح الفنّ يتضمّن تصوّرا ومضمونا يتجاوز مجرّد الوصف والتّسجيل. وهذا ما عبّر عنه جورج باراك Georges Braque بدقّة كبيرة، والّذي ساهم إلى جانب بيكاسو في تأسيس التّكعيبيّة، عندما قال:

” لا يمكنني أن أجسّد (أو أرسم) امرأة في منتهى جمالها الطّبيعيّ، إنّي لا أملك القدرة على ذلك، ولا أحد يمكنه ادّعاء ذلك، وبالتّالي ينبغي أن أخلق جمالا من نوع جديد، جمال يتجلّى من خلال الحجم والخطّ والكتلة والوزن، ومن خلال هذا الجمال أترجم انطباعاتي الذّاتيّة “.

هذا، ومن جانب أخر، لا ينبغي أن نتجاهل التّأثير الّذي مارسته أفكار وتوجيهات سيزان Paul Cézanne في تشكّل واكتمال رؤيّة بيكاسو الفنّيّة، ذلك أنّ بيكاسو وجد فيه الأب والأستاذ. حيث أنّ سيزان اعتمد في رسمه للطّبيعة على بعض الأشكال، وبالخصوص الشّكل الأسطواني والكروي والمخروطي، كما مارس الرّسم البدائي نفس التّأثير على بيكاسو، سواء كان فنّا شرقيا أو إفريقيا، الأمر الّذي بدا بالوضوح الكافي في لوحة “فتيات أفنّيون”.

تبدو لوحة “فتيات أفنّيون” صادمة من حيث الموضوع، ذلك لأنّها جسّدت مجموعة من العاهرات، والقاطنات بشارع أفنّيون Avignon إحدى شوارع مدينة برشلونة، غير أنّها من حيث الشّكل، مثّلت علامة فارقة في تاريخ الفنّ الحديث، إذ اعتمدت لغة جديدة في بناء اللّوحة، بحيث أصبحنا إزاء لغة هندسيّة بامتياز، بحيث اختفى الشّكل والمنظور الكلاسيكيين.

لم يعد الرّسم يقوم على استحضار الظّل والنّور كما كان في السّابق، فبيكاسو أسبغ على موضوع لوحته رؤيته الخاصّة، إذ رسم أجساد فتيات عاريات على هيئة أشكال هندسيّة، استوحى في ذلك بعضا من العناصر الّتي تزخر بها الكثير من الفنّون البدائيّة سواء الأفريقيّة أو الشّرقيّة، وبذلك أحدث قطيعة نهائيا مع الأشكال المعروفة والخطاطات السّابقة.

تجسّد هذه اللّوحة خمس فتيات، يبدو وجهي الفتاتين الواقفتين على اليمين مستوحى من الفنّ الإفريقي، أمّا الفتيات الأخريات، فنلمس فيهما تأثير الفنّ الأيبيري L’art ibérique. وتكشف الفتاة الجالسة وجهها وظهرها معا وفي نفس الوقت، وبذلك اختفى المنظور الكلاسيكي، وتعدّدت زوايا النّظر، ولم يعد للسّطح الواحد من وجود.

جمع بيكاسو في “فتيات أفنّيون” بين الألوان الباردة والألوان الحارّة، إذ نلاحظ هيمنة اللّون الورديّ الباهت والأحمر الغامق على أجساد الفتيات، بينما يكتسح اللّون الرّمادي والأزرق ما تبقى من مساحات اللّوحة.

تفرض اللّوحة نفسها كموضوع للنّظر والرّؤية، وذلك نتيجة طبيعتها التّبسيطيّة من خلال  استنادها على الأشكال الهندسيّة، فتبدو أجساد فتيات أفنيون مشوّهة بالشّكل الّذي قد تكون صادمة ومؤلمة.  يكشف العري نوعا من استيهامات الفنّان، والّتي قذ توحي بها الأشكال الهندسيّة، إذ أنّ ثمّة احتمالات لوجود أكثر من علاقة بينهما، كما قد نجد فيها نوعا من الإيحاءات البليغة، فالطّبيعة الميّتة الموجودة أسفل اللّوحة، والّتي تتشكّل من فاكهة الفودكا، والّتي قد تستدعي ما هو جنسي، وتوحي بالطّابع الذّكوريّ.

غرينيكا صرخة ضدّ الحرب

 

تعتبر لوحة غرينيكا من أكثر الأعمال الفنّيّة شهرة خلال القرن العشرين، فهي من جهة تجسّد الالتزام السّياسي لبيكاسو، ومن جهة ثانية، فهي تختزل بشاعة الحرب وفظاعتها. بحيث أنّها مثّلت موقفا صارما من الأنظمة الشّموليّة، وعلى وجهة الدّقة نظام فرانكو بإسبانيا ونظام هتلر النّازي بألمانيا، وهي بهذا المعنى عبّرت من انخراط بيكاسو السّياسيّ الملتزم بقضايا مجتمعه وبمصير الإنسان في كلّ مكان.

اعتبر بيكاسو نفسه على الدّوام مناضلا ثوريا، ونظر إلى الفنّ بوصفه سلاحا من أجل المقاومة والكفاح، يقول بيكاسو:

” إنّ الفنّ لم يخلق لتزيين الصّالونات، بل إنّه وسيلة من وسائل القتال ومواجهة الأعداء، وقد ظهر لنا، ومن خلال المعارك الّتي وقعت، أنّ الإنسان يقاتل ويحارب ما يهدّد حريّة التّعبير”.

ويضيف:

” كنت دائما على اقتناع، ومازلت أنّ الفنّان الّذي يعيش، ويعمل وفق قيم روحيّة لا يمكنه، ولا ينبغي له أن يبقى غير مهتمّ بالصّراعات الّتي تضع القيم العليا للإنسانيّة في خطر”.

خلّدت لوحة غرينيكا بلدة صغيرة بإقليم إلباسك، والّتي كانت تحمل نفس الاسم (أي غرينيكا). تعرّضت غرينيكا في 26 من أبريل سنة 1937 لقصف شديد ومكثّف من طرف الجيش النّازيّ، واستمرّ القصف لأربع ساعات متوالية، فكانت الحصيلة إبادة وتدمير للبلدة الصّغيرة، إذ قتل أكثر من 1600 من سكانها، ناهيك عن آلاف المشرّدين والجرحى، حيث دمّر بالكامل وسط البلدة، والّذي كان يضمّ معالم تاريخيّة. وهكذا تمّ اعتبار الهجوم على غرينيكا أوّل جريمة في التّاريخ تندرج ضمن إرهاب المدنيين، ذلك أنّ الجيش النّازي تعمّد الهجوم، وخطّط له بعناية فائقة، كان الغاية منها إبادة المدينة وسكّانها.

وإزاء هذه المأساة الإنسانيّة، أبدع بيكاسو هذه اللّوحة، فكانت إدانة صارخة ضدّ الحرب، ورمزا للسّلام، والّذي ينبغي أن يسود العالم، وأن تتضافر كلّ الجهود لإحلاله لتنعم به الإنسانيّة.

إنّ أوّل ما يسترعي الانتباه بصدد لوحة “غرينيكا” هو حجمها الكبير، ذلك أنّ طولها يبلغ حوالي ثمانية أمتار، وارتفاعها يصل أكثر من ثلاثة أمتار ونصف، وهي بذلك تفرض ذاتها على المتلقي أو النّاظر، بحيث تتحقّق الرّؤيّة الكاملة، وبالتّالي تتحقّق الرّسالة الّتي من أجلها أنجزت والكامنة في إدانة الحرب.

يؤدّي غياب الألوان نفس الدّلالة، (أي إدانة الحرب)، حيث يهيمن اللّونين الأبيض والأسود على معظم مساحة اللّوحة، ولا يسمحان إلاّ بانفلاتات محكمة للون الرّماديّ، الشّيء الّذي يكثّف كلّ المعاني الدّالة على الحزن والحداد، والّتي تستدعي ما يوحي بالموت والدّمار.

وظّف بيكاسو في تشكيل لوحته جملة من العناصر الرّمزيّة، والّتي ازدادت تكثيفا من خلال الأشكال الّتي اتّخذتها، بحيث نجد وعيا قويا وراء توظيف تلك العناصر، وهو الوعي الّذي أنضجته تجربة الحرب وبشاعتها.

تتضمّن لوحة غرينيكا – من حيث الشّكل- عناصر بسيطة، توحي برسومات الأطفال، غير أنّها تزخر بكم هائل من الدّلالات العميقة، والّتي تذكّرنا بعفويّة وبراءة الأطفال في التّعبير والإحساس، لذلك تتداخل هذه العناصر فيما بينها، وتتوزّع على فضاء اللّوحة، فتبدو مشوّهة ومختزلة، وهي بذلك تكتسي معان جديدة، تتجاوز المعنى المتداول، وإن كانت تستند عليه لتعكسه برؤية أخرى، ليست  بالضّرورة تلك الّتي ألفنّاها، بل إنّها تحرّره من كلّ ما هو جاهز، سواء من حيث الشّكل أو المعنى.

تضمّ لوحة غرينيكا مجموعة من العناصر، بعضها يبدو أكثر وضوحا، ويحتلّ مساحة كبيرة، والبعض الآخر يطلّ من بين ثنايا العناصر البارزة.

يبدو الحصان الجريح والثّور والأمّ الحاملة لوليدها الميّت من العناصر الأكثر وضوحا، والّتي تختزل صرخة بيكاسو ضدّ الحرب، فالحصان الجريح يحتلّ وسط اللّوحة، وهذه الوضعيّة تعطيه بعدا رمزيا في كلّ محاولة لفهم وقراءة اللّوحة، فالحصان يحيل على الشّعب الجريح، ويقترن بالحريّة، وبهذا التّعدّد الدّلاليّ تأخذ رمزيّة الحصان مساحة أكبر، تكمن فيها انتصار الشّعب وقوّته، وإن كانت ثمّة انتكاسات وانكسارات قد تلوح هنا أو هناك. إنّ الحصان الجريح هو ذاته الّذي يمكن أن نتصوّره راكضا في الفيافي ومنطلقا بكامل حريته.

نشعر بنفس المعنى ونفس الإحساس عندما نتأمّل الأمّ الحاملة لوليدها الميّت، حيث نشعر بفداحة الفقدان وحسرة الأمّ على فقدانها لولدها، لكن، وفي نفس الوقت، تبدو الأمّ حاملة لكلّ المعاني الدّالة على الخصوبة والاستمراريّة والانتصار.

يقترن الثّور بكلّ ما يدلّ على الوحشيّة والعنف والقسوة، لكنّه قد يحيل على الشّجاعة والبطولة، وفي هذا السّياق ينبغي أن نستحضر مصارعة الثّيران la corrida ، الرّياضة الأشهر في المجتمع الإسبانيّ.

يكثّف حضور النّساء داخل لوحة بيكاسو حالة من الرّعب والدّمار، حيث نجد أنفسنا أمام حالة من الصّراخ البائس المعمّم على كلّ الوجوه، وهي تنظر إلى السّماء، ذلك أنّ المأساة أتت من السّماء، فالطّائرات هي الّتي أمطرت بقنابلها الحارقة المواطنين العزل، وهي بذلك تختزل حالة من الضّياع ونوعا من الاحتجاج. تأخذ العيون شكل الدّموع، واللّسان يبدو على شكل سكّين، وهكذا فكل التّفاصيل الكامنة في وجوه النّساء تكشف عن كلّ التّعابير الدّالة على الرّعب الشّديد والألم العميق.

نجح بيكاسو في تكثيف مأساة غرينيكا، بالشّكل الّذي أصبحت لوحة غرينيكا تعبيرا عن وحشيّة الحرب وفظاعتها، وفي نفس الوقت صرخة احتجاج ضدّها، فهي قد تكون بمثابة بيان ضدّ الحرب، إذ أنّ كلّ شيء في اللّوحة –مهما كان صغيرا وهامشيا- كان يستهدف إيصال رسالة معيّنة، فلوحة غرينيكا زاخرة بالرّموز الموحية والدّالة، تشعرنا بالدّمار، وتقرّبنا من الموت، ولكن نجد في ثناياها ما يبعث  فينا بريق على الأمل والحلم، كما قد نلمس ذلك في الوردة والمصباح …، فثمّة وحدة بين الشّكل والمضمون، وهذه الوحدة بقدر ما تثري اللّوحة، وتجعلها منفتحة على أكثر من قراءة، فعمق الإيحاءات والدّلالات، والرّسومات والّتي يذكّر برسومات الأطفال العفويّة، تختزل كلّ المسافات والأزمنة لتجعل منها إدانة لكلّ الحروب وصرخة من أجل السّلام والحبّ.

قد تكون الإنسانيّة أو تاريخ الإنسانيّة بعد الإبادة الّتي تعرضت لها غرينيكا، عرفت حروبا، أبادت شعوبا، وأزالت من الوجود مدنا وقرى، لكنّ غرنيكا بقيت رمزا كونيا وإنسانيا، يحمل كلّ المعاني والدّلالات الّتي جسّدت وتجسّد فظاعة الحرب ووحشيتها، ذلك أنّ بيكاسو امتلك وعيا عميقا وحسّا مرهفا، إذ حرّر لوحته من أي تحديد تاريخي، بل لم يضع حتّى توقيعه عليها، وبالتّالي أعطاها نوعا من الامتداد التّاريخيّ، والّذي يعني الإنسانيّة في أي مكان وزمان، فأصبحت ملكا للإنسانيّة ورمزا لإدانة الحرب، فكم بعد غرنيكا الإسبانيّة، عرف العالم من مثيلات لها، والتّي امتدّت على جغرافيّة العالم، قد نجد لها مثيلا أو أكثر في فلسطين، أو في سوريا أو في اليمن أو في العراق….. لكن كم من فنّان استطاع أن يسمو فوق كلّ الجراح والألم والمعاناة، ليعطي للإنسانيّة رمزا يجسّد فظاعة الحروب الّتي تعرّض لها الإنسان العربي في هذا الزّمن.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This