سارة حجازي “السوبر وومان” حينما تداوي المدينة / إيمان عادل

لم تخفِ المتضامنات مع سارة حجازي خوفهن من الوصول إلى خيار الانتحار، فكل فتاة من هذه الطبقة ستواجه المصير ذاته، في حال قررت التمرد على المنظومة أو كما قالت إحداهن بإيجاز وبلاغة “نحن شقيقات سارة حجازي غير الشرعيات، وربما ينتظرنا المصير ذاته…”
كشف موت الناشطة المصرية سارة حجازي تاريخ التنمر والوصم الاجتماعي كأداة شفوية قاتلة تمارس طوال الوقت تجاه الخصوم. فسارة نعتها إسلاميون وتقليديون وأيضاً أشخاص من شرائح تعليمية متنوعة، بأنها “كافرة” و”شاذة” ولا يجوز الترحم عليها، كما طاول التنمّر الذين تعاطفوا معها.

يطفو الفضاء الإلكتروني بالدواعش الصغار، هؤلاء من أشارت إليهم سارة حجازي في حياتها بأنهم القتلة الحقيقيون، جهلاء الطبقة الوسطى حينما قالت “الأمر لا يرتبط بالدين والثقافة المحافظة فقط! بل أعمق من هذا بكثير! إنها طبقة أسست للكره والعنف النفسي والجسدي والتحرش الجنسي والتنمر بجعلها ثقافة تتوارث من جيل إلى جيل ضد كل من يختلف عن القطيع، إنها الطبقة الأعلى صوتاً في المجتمع، ولهذا تعريتها ونقدها واجب”.

أجادت سارة حجازي التعبير المفرط عن نفسها في سياقات متعددة، على رغم التلعثم الذي صاحبها بعد تجربة السجن -كعرض شائع من أعراض كرب ما بعد الصدمة- ففي صورتها في حفل فرقة مشروع ليلى في القاهرة عام 2017، حملت علم الرينبو خلف ظهرها، كان العَلم يعبر بشكل كبير مع رغبتها في الانفلات من المحظورات، وبدا في شكل جناحين مرفرفين وهي تشعر بالتحليق الفعلي. وأجادت سارة حجازي في التعبير عن المشهد كاملاً وعن نفسها المتسامحة، على رغم رحلة المداواة القاسية وهي تقول في رسالة انتحارها “إلى أخوتي… حاولت النجاة وفشلت… سامحوني… إلى أصدقائي… التجربة قاسية وأنا أضعف من أن أقاومها… سامحوني… إلى العالم… كنت قاسياً إلى حد عظيم… ولكنني أسامح”.

سوبروومان
تداولت وسائل إعلام الخبر على أنه “انتحار” الناشطة المصرية سارة حجازي. في الحقيقة لم أستطع التعامل مع خبر وفاتها باعتباره انتحاراً. على رغم حجم الفاجعة، فقط سيطر على ذهني مشهد واحد أقرب إلى الخيال السينمائي، تظهر فيه سارة كـ”سوبر وومان”، تحلق لأعلى، بحوزتها جعبة خطرة لملمت فيها كل ما قد يؤذي مدينتها، لتنفجر مع جعبتها وتحدث دوياً هائلاً، وفي لحظة الانفجار بسطت نوراً ساطعاً على بقعة كانت شاغلها الأساسي، وهي الطبقة الوسطى المصرية، الطاردة، والثابتة ثباتاً مريباً، والعصية على محاولات زحزحة قيمها المفرطة في التنكيل الاجتماعي.

هذا الخيال الذي يطمئن إلى تخيل سارة حجازي في هيئة “السوبر وومان” لا يغازل الفكرة الدعائية – على رغم أن الفلسفات والسينما لم تصدر سوى صورة السوبرمان الذكر- إلا أن مسيرة سارة حجازي تقترب بشكل كبير من تصور الفيلسوف نيتشه عن الإنسان متجاوزاً القيم البالية، الذي يتجه نحو هدم الأصنام، وعقلنة الأخلاق، وإسقاط مفاهيم عدة مثل الله، الفضيلة، الماوراء، كي يختزل المفاهيم المحددة لهذا الإنسان ذاته، وقبل ذلك فإن شريطة تفوقه هي الشجاعة. وكانت سارة حجازي أقرب سياق في نظري لهذا النموذج الخلاق، انخرطت في مشروعها كناشطة ومواطنة ببسالة “سوبر وومان” من قلب طبقتها الوسطى.

جاءت هجرتها إلى كندا ورحلة التعافي النفسي الذي لم يكن موفقاً بشكل كبير، لارتباطها بموطنها، فهجرتها لم تقطعها عن حساسية الحنين لعائلتها ومجتمعها وذاكرتها. فما معنى أن تعيش منفياً وتفقد الأم والأخوة وتلاحقك رسائل الوصم الإلكترونية طوال الوقت في أثناء رحلة التعافي؟ بالطبع كانت رحلة متعثرة في العلاج أقدمت خلالها على محاولتين للانتحار حتى تحققت رغبتها في مغادرة الحياة في المحاولة الثالثة.

حاولت سارة حجازي مدواة نفسها من شرور هذه الطبقة وخطرها الداهم على المرأة خصوصاً، بعدما توحشت هذه الطبقة بخطابات الصحوة الإسلامية وهلع الرغبة في حماية القيم، والخوف من الذوبان في “الغربي المنفلت”، خطابات رسخها شيوخ “البيزنس” الديني على مدار سنوات وعززته الدولة لحماية سلطتها على الشعب، باعتبارها دولة متدينة تعادي العلمانية كخطاب يحرض على المعارضة في صورها كافة.

كانت سطوة هذه الطبقة على سارة حجازي بالغة القسوة في مقابل فتاة لا تتجمل سوى بابتسامة رائقة، وخطاب إنساني صادق، تتضامن مع الجميع وتؤمن بانتصار الخير في صورته الطفولية. كانت تنتهج أسلوباً بسيطاً لتشريح هذه الطبقة التي رأت أنها آفة المجتمع المصري بوضوح، فهذه الطبقة هي التي تغذي الإسلاموية المتشددة وتغذي أيضاً بطش الحكام، تتقادم في صورة متاريس منصوبة طوال الوقت لاعتصار الناس وقولبتهم في نمط واحد، وعلى رغم ذلك انفلتت سارة وغيرها من سلطة هذه الطبقة التي باتت تعاديها وتوصمها بالكفر والشذوذ حتى بعد رحيلها.

تقول سارة حجازي في إحدى مقالاتها “إن الطبقة الوسطى المصرية تميل إلى الجناح اليميني المحافظ دينياً واجتماعياً دائماً، فتجدها داعمة قرارات الدولة في فرض الوصاية على المجتمع، وفرض الوصاية والرقابة على الفن وغيره، لأنها ببساطة تضع الأساس الاجتماعي والثقافي البنيوي للمجتمع ككل، ويمارسون الوصم المجتمعي إذا ما تمرد أحدهم على تلك الثقافة القمعية الأبوية القائمة على قهر المرأة والعمال والأقليات الدينية والجنسانية”.
سارة حين كانت ترتدي الحجاب
بدأت معركة سارة حجازي مع طبقتها مع اشتعال الفتيل الأول للثورة ومشاركتها في التظاهرات حتى جاءت مسألة نزعها الحجاب، لتكشف أسرتها التي تنتمي لشريحة الطبقة المتوسطة عن وجه قاس، بدأ بعنف جسدي ونفسي مارسه عليها العم، البديل عن والدها المتوفي ثم تنمر ذكور أسرتها وهي الابنة الكبرى لعائلة من 5 بنات وأمهن، فهذه العائلة من الإناث لا بد أن يفرض عليها حصار مضاعف ومنهك، وعلى رغم ذلك خرجت سارة من داخل هذا النسيج العنكبوتي بشعر قصير منطلقة على دراجتها “فراولة” إلى فضاءات أرحب، لتكتشف بعدها ميولها الجنسية من دون خوف.

كانت واقعة اعتقالها على خلفية رفع علم الرينبو في حفلة مشروع ليلى عام 2017 مواجهة أخرى للفتاة الحالمة حينما لم تتعافَ بعد من العنف الأسري والمجتمعي لتقع في قبضة عنف أمني يعاقبها بالصعق بالكهرباء”. “تم تعذيبي بالكهرباء! وتم تهديدي بإيذاء أمي إن أخبرت أحداً، أمي التي ماتت بعد رحيلي. لم يكتف النظام بتعذيبي، بل حرّض رجال قسم السيدة زينب نساء التخشيبة على التحرش الجنسي واللفظي بي، لم يقف التعذيب هنا فقط، بل كان هناك المزيد من التعذيب النفسي ضدي، بسجن القناطر والزنزانة الانفرادية لأيام وأيام، قبل الانتقال إلى عنبر مُنعت فيه من الحديث مع السيدتين المسجونتين معي، مُنعت من التريض في نور الشمس طيلة مدة حبسي، إلى أن فقدت القدرة على التواصل بالعين مع الآخرين”.

مسار مشحون بالأحداث السريعة، صفعة وراء الأخرى كانت تدفع الفتاة للتشبث بما حاربت من أجله، حتى جاءت هجرتها إلى كندا ورحلة التعافي النفسي الذي لم يكن موفقاً بشكل كبير، لارتباطها بموطنها، فهجرتها لم تقطعها عن حساسية الحنين لعائلتها ومجتمعها وذاكرتها. فما معنى أن تعيش منفياً وتفقد الأم والأخوة وتلاحقك رسائل الوصم الإلكترونية طوال الوقت في أثناء رحلة التعافي؟ بالطبع كانت رحلة متعثرة في العلاج أقدمت خلالها على محاولتين للانتحار حتى تحققت رغبتها في مغادرة الحياة في المحاولة الثالثة. تقول سارة “وبعدما أطلق سراحي استقبلت الوصم المجتمعي ليس فقط من الأهل والجيران بل ومن المجتمع والذي يمثل أغلبيته الطبقة الوسطى، حيث رحب الجميع بقتلي معنوياً ووصمي واعتقالي – كامرأة مثلية الجنس”.
اليوم بعد رحيل سارة حجازي انفتح تاريخان على مصراعيهما “تاريخ الخوف” و”تاريخ الوصم والتنمر”، لم تخفِ الفتيات المصريات المتضامنات مع سارة حجازي خوفهن من الوصول إلى خيار الانتحار، فكل فتاة من هذه الطبقة ستواجه المصير ذاته، في حال قررت التمرد على المنظومة أو كما قالت إحداهن بإيجاز وبلاغة “نحن شقيقات سارة حجازي غير الشرعيات، وربما ينتظرنا المصير ذاته من طبقتنا، فمجرد انتمائنا لهذه المنظومة فنحن مجبرات على الاغتراب والخوف”.

قال “حزب العيش والحرية” الذي تعد سارة حجازي أحد مؤسسيه، “إن سلواننا الوحيدة هو نضال سارة وزملائها الذي أصبح تاريخياً، والذي شكل نقطة تحول في مجال الدفاع عن حقوق مجتمع الميم، لا يمكن الرجوع عنها أو نسيانها. هذا النضال الذي فتح الباب لحوار مجتمعي قاسٍ ولكنه ضروري حول الاختلاف الجنسي والذي وضعنا نحن كحزب يساري أمام تناقضاتنا ودفعنا خطوات إلى الأمام، قد لا نتمكن أبداً من تخطي فراق سارة أو من التسامح مع كل ما تعرضت له من قمع وتخويف وانتهاك، ولكنها سترافقنا من دون شك في استكمال الطريق الذي بدأناه سوياً. سنسعى لأن تكون شجاعتها بوصلتنا ورقتها دليلنا وسنحرص على ألا تذهب الأثمان التي دفعتها هدراً”.

 

عن درج

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This