تيارات “ما بعد الحداثة” والالتباس النقدي حولها / أسعد عرابي

فقدت حركة “ما بعد الحداثة الفنية” منذ أيام قريبة واحدًا من أشهر روادها عالميًا، وذلك بوفاة الأميركي من الأصل البلغاري “كريستو” (وهو من مواليد 1935). وقد تميّز بإنشاءاته الفلكية العملاقة التي يغلف بأقمشتها وحبالها عناصر طبيعية شاسعة مثل خليج أستراليا أو الأوابد التنظيمية ابتداء من بناء “برلمان برلين” وانتهاءً ببرج إيفيل وجسر البونت نوف في باريس، أما مشروعه المقبل فكان تعليب قوس النصر بمساحات شاسعة من ثنايا الأقمشة المنيعة. ومع كل حدث فني من هذه الإنشاءات تقنّع الأغلفة ملامح العناصر الأبدية فتخلق مناخًا تنظيميًا أو إيكولوجيًا مثيرًا. تشارك في مشاريعه التي تستغرق تهيئتها شهورًا بل أعوامًا ميزانية الدولة واستثمارات ذات ميزانيات هائلة في تصنيع الأقمشة وسواها. لعله مع نظيره النحات الأميركي هايزر هما الممثلان الأشد نجومية في تيار “اللاند آرت”، “الفن المتصحر”، (سليل الآرت بوفيرا الإيطالي الأسبق).

النحات هايزر وصخرة نيفادا

يتمركز نشاط هايزر في بطون صحراء نيفادا مستخدمًا بدوره أدوات حديثة عملاقة من حفارات وجرافات، يقتلع بها صخرة هائلة لا يقل وزنها عن عشرة أطنان، تختم آلاته زواياها بميداليات معدنية، ثم تعاد إلى حفرتها الأصلية لتستقر فيها عامًا كاملًا بفصوله الأربعة. يزرع حولها كاميرات معلوماتية حديثة تتسقّط تحولاتها في الأنواء الطبيعية فتسجل عدستها تفاصيل النحت والتصدع بفعل حرائق الشمس وقصف الريح وابتلال الرطوبة وقصف الرعد والبرق وارتجاج العواصف الحلزونية وسواها.

ا يبقى إذًا من هذه الواقعية الإيكولوجية سوى المونتاج النهائي المتسارع في اقتناص صيرورة هذه الصخرة التي تمثل “التطور الخلاق” في مادة الوجود، لكن ماذا يجمع الاثنان سوى عنوان التيار ما بعد الحداثي: “لاند أرت”؟ القياس والفضاء الفلكي الجديد، والهواء الطلق سواء في الطبيعة أم في قلب التنظيم الحضري وبالتالي عالمية التعبير: وكأن القناع الهائل القماشي لكريستو ما هو سوى استشراف كوكبي لأقنعة مواطن الكورونا! هي الحساسية الكونية ما بعد الحداثية التي ابتدأت منذ السبعينيات في ميدان الأدب قبل وصولها إلى الفلسفة والفن، أما الالتباس النقدي سواء العربي منه أم الغربي فيعود إلى الاقتلاع المفتعل لمرحلة ما بعد الحداثة عن حداثة الستينيات (ما بعد الحرب العالمية الثانية)، لذلك نجد تسمية لتيارات مثل الواقعية المحدثة والتعبيرية المحدثة والدادائية المحدثة، مما يؤكد هذا التواصل. قد تتمثل ثورية الانقطاع في الوسائط ما بعد الحداثية التي ترفع الحدود بين الفنون: فالإنشاءات تستعير مادة العمارة، والبرفورمانس مادة المسرح والفيديو صورية التلفزة الإعلامية وهكذا، لذلك يخلط بعض النقاد بين الوسائط ما بعد الحداثية والتيارات، يتحدثون عن فن الفيديو أو الميديا أو المعلوماتية أو الفراكتاليزم وكأنها اتجاهات مستقلة، في حين أن العديد من فناني بعد الحداثة ابتداءً من جورج بازلتز (وقبله فرنسيس بيكون) يتمسكون بتقاليد “لوحة الحامل” باعتبار أن مغامرة ما بعد الحداثة تعتمد على الحساسية الفكرية التجديدية وليس على وسائلها المتبدلة وفق التوجه النظري.
كرسي روشنبرغ الذي قلده فنانون عرب

تيارات التحول من الحداثة إلى ما بعدها
يبتدئ تحليل تيار ما بعد الحداثة من الاعتراف بأنه غير قابل للتحليل (بعكس ما بعد العولمة الاقتصادية) لأنه متناقض، تصب في جسده الممتد على الاتجاهات المتباعدة أطروحات أشد تباعدًا، ورغم أنه يمثل أوقيانوسًا إعلاميًا نجوميًا مثيرًا للدهشة إلّا أنه لا يمثل أغلبية الفنانين (بعكس التيارات الأدبية وأحيانًا المعمارية).
ترجع معضلة تحديد المصطلح الغائم أصلًا إلى مرجعيات ظنية (حتى لا نقول أخطاء شائعة) خاصة في النقد الفني العربي، هو يعكس متاهات التخبّط الراهن بين الكبوة الثقافية العامة واللهاث السّهل خلف سراب الحداثة والمعاصرة بأي ثمن وما بعدهما. تزداد هذه الضبابية عندما تتداخل حدود بعض التيارات فيه، ما بين مثلًا المفاهيمية والبرفورمانس، فلا علاقة للأولى بدادائية مارسيل دوشامب بل بطقوس جوزيف بويز وجماعة لوكسوس، وهي أقرب إلى مبادرة آيف كلاين عندما دعا جمهوره (المتعلق بطقوس لون الأنديكو الأزرق) بدون أي عرض ولا معرض ليقف بوسط الصالة مدّعيًا بأن حضور الفنان أشد مركزية من حضور العمل الفني.
مشروع كريستو لتغليف الأقمشة

برزت إذًا أفضلية الطقس الفكري أو الذهني على الأداء التشكيلي. كم مرة قلّد الهواة العرب كرسي كوتش وكم مرة قلّدوا أراجيح منى حاطوم؟ هو ما يؤكد على أن انطلاقة ما بعد الحداثة تدرجت منذ بعض تيارات الستينيات. تحضرني مبادرة الفنان الفرنسي المتنور بيير ريستاني عندما جمع عقدًا من الفنانين البارزين منهم كلاين وسيزار تحت عنوان “الواقعية الجديدة” وألف كتابًا يشرح فكرته النقدية حول مسعاهم المشترك لاستبدال وهم الواقع بمادة الواقع نفسه وبأدوات تدميرية حديثة. سيزار استطاع مع آرمان أن يعثر في “الخردة” على آوان تشبه عناصر الطبيعة الصامتة التي درج على تصويرها موراندي. تمر هذه العناصر تحت المكبس وتلص على لوحة، مع تبادل المعارض عام 1961 – 1962 بين الواقعية الجديدة الباريسية والبوب آرت النيويوركي.
بدأ اختلاط المنطلقات الفكرية، وتبادل الحساسيات الفنية: سيزار أصبح فنان بوب آرت مع تمثال باهمه العملاق. وروشنبرغ بالعكس أصبح أقرب إلى الواقعية الجديدة في إنشاءاته رغم أنه يعتبر مؤسس الدادائية المحدثة. يعتبر إذًا هذا التوليف العالمي بين فنون ما بعد الأطلسي وما قبله مدخلًا أصيلًا إلى ما بعد الحداثة أكثر من الدعوات الضبابية الوافدة من الأدب أو الفلسفة (فوكو مثلًا).
باهم النحات سيزار

من هذه النطفة المركبة نستطيع أن نمسك بتلابيب الخصائص النسبية لبعض الاتجاهات، هي التي لا يمكن حصرها في هذه العجالة.

وهذه أمثلة مبعثرة غير مكتملة:

1. الاختزالية Le minimalisme (كوتش) هي ثمرة رحلة هندسية طويلة (روحانية) ما قبل السبعينيات ما بين الفن الهندسي: هربان وموندريان وسيزان وفنون الوهم البصري السينيتيك، وتطبيق السبرنيتيك في المتحركات الخ.

2. فن الجسد (بادي آرت) تعتمد مادته على جسد المبدع نفسه مثل تنسيخ آمال عبد النور لجسدها في آلة “الفوتوكوبي”.

3. الإيمائية (الفيديو) قد تكون منى حاطوم أبرزهم (بريطانية من أصل فلسطيني 1948) تتفوق أعمالها هذه على إنشاءاتها الطقوسية المفاهيمية.

4. البرفورمانس: عبارة عن طقس يجري بحضور الجمهور لمرة واحدة مثل زرع الرايات على شاطئ الرباط من قبل محمد القاسمي.

5. الدادائية المحدثة: تصل في عبثية الاستفزاز العبثي المأزوم حدوده القصوى.

6. التعبيرية المحدثة: تعتمد على الاستثمار الداخلي العاصف لملحمة الإنسان السيزيفي الذي يمثل مركز الوجود (تأثيرات مارتن هايدغر).

7. الإنشاءات والتجهيزات المسبقة: تُستبدل اللوحة بمواد وعناصر ومنطق العمارة الحديثة النصبية، بما فيها الماكيتات أو المجسمات المسبقة الصنع.

8. السبرنيتيك والمعلوماتية والصور الفوتوغرافية.

9. البيئة والتبشير الإيكولوجي: أخطار الشعشعة الذرية والتلوث بأنواعه للعناصر الكونية الأولى وارتفاع درجة حرارة الكوكب، وفوضى الطقس إلخ.

10. آخر ما حرر من مصائب الكورونا وفن الشارع (هارينغ) والغرافيتي – الشخبرة على الجدران خارج القانون (باسكيا).
يخلط بعض النقاد بين الوسائط ما بعد الحداثية والتيارات، يتحدثون عن فن الفيديو أو الميديا أو المعلوماتية أو الفراكتاليزم وكأنها اتجاهات مستقلة
عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This