وجه الإنسان بين الفنّ وزمن الوباء

 

رسم الفنّان البلجيكي رينيه ماغريت لوحة “ابن الإنسان” عام 1964. يصوّر ماغريت بهذه اللّوحة – من المفترض أن تكون بورتريه شخصياً – رجلاً بقميص أبيض وربطة عنق مائل لونها للحمرة ومعطفاً وقبّعة سوداوين. كان هذا فيما يبدو اللّباس الشّائع بين أبناء الطّبقة الوسطى في المجتمع البلجيكيّ. يقف الرّجل أمام سور، وخلفه بحر هادئ أخّاذ، يتماهى مع سماء ملبّدة بالغيوم. الجزء المثير في اللّوحة هو التّفاحة الخضراء الموجودة أمام وجه الرّجل. تغطي التّفاحة معظم الوجه؛ الأنف والفم محجوبان تماماً. وعلى استحياء شديد الجرأة يظهر جزء يسير من العينينن، وتظهر الأذنان بكامل تألقهما وأبّهتهما. يستنفر ماغريت عبر هذه اللّوحة فضول الإنسان لاستكشاف المخفيّ، ورؤية ما لا يُرى. إنّها رغبتنا اللاّواعية في البحث عمّا وراء الأشياء، حيث كلّ ما يظهر لنا يخفي شيئاً مّا خلفه.

وفي هذا الوقت من التّاريخ حيث نعيش في خضم وباء أجبرنا على لبس الأقنعة الطبّية أو الكمامات لحمايتنا من العدوى، فإنّ وجه الإنسان قد توارى وتبدّلت ملامحه، وتلاشى فجأة ما يظهره ويخفيه من البوح والأسرار. تحدّق في النّاس حولك ولا تكاد تميّز أشكالهم. وهم كذلك يحدّقون بك ولا يعرفون من أنت بلا قناعك. تتشابك خيوط النّظرات الواهية على امتداد الأفق.

وجه الإنسان قوّة طاغية، وثورة من الهيئات والمعالم انتفضت تعبيراً عن عدم توافقها مع سائر الجسد. والوجه هو باب النّفس، وهو الخفقان الملتهب للمشاعر في اللّيل والنّهار، وعبر امتداد المسافات والأزمنة. وجوهنا الآن تبحث عن وجوهها في شريط الهواء الرّقيق الّذي يفصلها عن قماش الكمّامات. نرى ما آل إليه حالنا في وجوه من حولنا كانعكاس المرآة، ولا يتبدى لنا سوى محجري العينين وفتحتين أذنيتين، هي الفتحات الأربع لسرداب الموت. لقد توقّف الزّمن في وجه الإنسان في لحظة الموت الأبديّ الّتي لا يمكن تجاوزها إلّا من خلال إعادة الملامح المفقودة من الوجه، ويا لها من مهمّة مستحيلة يطأطئ الرّأس حيالها عظام الرّجال!

كان وجه الإنسان لآلاف من السّنوات يتكلمّ ويتنفّس، ولا أعرف بالتّحديد متى صمت هذا الوجه، ولا أعرف إن كان في يوم من الأيّام قد حدّثنا عن ماهيّته. وإذا كان وجه الإنسان قد تكلّم، ولو لمرّة واحدة في التّاريخ، فلا بدّ أن يكون وجه فان غوخ. لم أرَ غير وجهه وجهاً تتفجّر على ملامحه نبضات قلبه بكيفيّة تستنزف أقصى ما يمكن أن تقوله كلّ الوجوه مجتمعة حتّى نهاية العالم. واهاً لوجهك يا فان غوخ! أيستطيع قناع طبيّ أن تطفئه نجمة إثر نجمة، وبركان بعد بركان؟! أيستطيع هذا العالم مهما بلغ قبل زواله المحتوم أن يبرد لهيب القنابل المتفجّرة من عيونك الّتي تجذبنا لآفاق لا متناهية من البهجة والخلود؟!

كان ماغريت ينظر إلينا عبر لوحته ويرى وجوهنا من حيث لا نرى وجهه. لقد تغيّر الموقف الآن؛ فوجوهنا أيضاً مخبأة، في ذروة مربكة للأحداث، تبعثرت فيها الاحتمالات والحظوظ والأقدار في كلّ اتّجاه. هل لك أن تتخيّل رسّاماً محجوب الوجه يرسم أناساً يخفون وجوههم، حيث تتعقّد شبكة النّظرات بطريقة لا يمكن الإفلات منها؟ إنّها الاستغاثات المسموعة والتّعجبات المرئيّة والأسئلة المترامية فوق وجوهنا كلطخات لوحة تجريديّة.

علاقة اللّغة بالرّسم علاقة لا متناهيّة، كما يقول ميشيل فوكو. ويمكن القول إنّ علاقة اللّغة بالواقع لا متناهية. في فضاء من الكلمات والأشياء، تقف الكلمة عاجزة أمام المرئيّ في كلّ أشكاله. وما محاولاتنا لقول ما نرى إلّا العبث في أكثر معانيه بلاغة. كّل ما تراه يقع خارج إطار ما تقول. لا أرى وجهك، ولا أجد طريقة أصف لك فيها وجهي. تتساقط الكلمات أمام أقنعة وجوهنا قتلى كما يتساقط الجنود من سور قلعة منيعة حاولوا اقتحامها. ربّما حان وقت الصّمت الّذي احتفل به فتغنشتين. ربّما حان الوقت لفعل شيء مّا، للتّمرد، أمام العين الّتي تراقبنا جميعاً من خلف سلاح القنّاص، واضعة إيّانا في فوهة البندقيّة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This