الموسيقى الشّعبيّة والموسيقى الجادّة: بين الحدث الموسيقيّ والأثر الاجتماعيّ(ج2)

الموسيقى الشّعبيّة والموسيقى الجادّة: التّدوين أو المُشافَهَة

من حيث المبدأ، تبدو المقارنة بين الموسيقى الشّعبيّة والموسيقى الجادّة غير بعيدة عن مقارنة ذهنيّة الارتجال مع ذهنيّة الاستخطاط. فإنّ المسافة بين الارتجال الموسيقيّ المعتمد على مُعايشة اللّحظة، دون أن تسير فيها وِفْقًا لمخطّطٍ مُعَدٍّ سلفًا، وبين عمليّة التّأليف الموسيقيّ بوصفها تعمير هندسيّ استخطاطيّ تراكميّ ومتدرّج؛ المسافة بين الارتجال الموسيقيّ بوصفه ممارسة مُشافهيّة لا تدوينيّة، وبين التّأليف الموسيقيّ الجادّ بوصفه عمليّة تدوينيّة بامتياز، هي مسافة استخطاطيّة من حيث نوع التّفكير، طبائعه وحتّى مضامينه. المؤلّف الموسيقي هو مُرتجل بالضّرورة، لكنّ عمليّة التّأليف الموسيقيّ لا تخضع حصريًّا للارتجال وإطلاق العنان وحدهما. وإن جاز التّشبيه، ففي الموسيقى الجادّة (أو في سيرورة التّأليف الموسيقيّ التّدوينيّ)، إطلاق العنان للخيال هو بمثابة الأجنحة الّتي تُقلّ الجسدَ إلى أفق التّحليق الواسع والبعيد عن منطلق الجسد الأوّل ذاته، أمّا في الموسيقى الارتجاليّة اللاّتدوينيّة/ اللّحظيّة، فالأجنحة هي الجسد وهي الأفق مُسبقًا.

في الموسيقى الشّعبيّة العربيّة، الارتجال والتّلحين هما، عمومًا، خضوعٌ للذّهنيّة الإستسلافيّة atavistic، والكثير من المحاولات لنقض هذه الذّهنيّة بقيت أسيرة مدارها بحكم كونها “نقضًا” لا “خروجًا” أو “قطعًا”، وهذا يعود إلى أسباب كثيرة أهمّها ثقافة الموسيقيين الشّعبيين أنفسهم الّتي لا تسمح لهم بوعي الفارق بين “النّقض” بوصفه جزءًا عضويًّا من ذهنيّة “المنقوض” ذاته، ولا يدلّ إلاّ عليه، وبين “القطع” انطلاقًا من ثقافة تختلف في طبيعة إنشائها ومكوّناتها وذهنيّة تأليفها ووظيفيّتها وسياقها الموسيقيّ البحت أو الاجتماعيّ. هذا من جانب، لكن من جانب آخر، قد يحدث ذلك تحت مسمّى التّطوير، الّذي لا يتعدّى كونه أكثر من استنساخاتٍ، مع تصرّف، عن ثقافات أخرى وتطبيقات لقوانين وأنساق جماليّة تعود إلى حُقَبٍ تاريخيّة سابقة في أوروبا، تخاطب في بعض مزاياها، ومن حيث الشّكل، موقعَ الثّقافة الموسيقيّة الشّعبيّة العربيّة اليوم. وعندما نقول ذهنيّة إستسلافيّة فإنّنا لسنا أمام حالة إبداعيّة حقيقيّة من النّاحية الموسيقيّة المحض، بل ربّما أمام شكل من أشكال التّنويع على الحاضر من خلال أكثر الاستخطاطات شُيوعًا، ألا وهي استثارة الماضي، أو الماضي المستمرّ:

“إنّ استثارة الماضي هي من بين أكثر الاستخطاطيات شيوعًا في تأويلات الحاضر. وما ينفح مثل هذه الاستخطاطيات بالحياة ليس الخلافُ على ما حدث في الماضي وما كانه الماضي وحسب، بل هو أيضًا اللاّيقين ممّا إذا كان الماضي ماضيًا فعلًا، منتهيًا ومُختتمًا، أم كان ما يزال مستمرًّا لكن في أشكال قد تكون مختلفة…” (سعيد، 1997، صفحة 75)

المسافة بين الارتجال الآليّ أو الصّوتيّ الكلاميّ وبين التّلحين الغنائيّ في الموسيقى الشّعبيّة تتقلّص بحكم غياب البعد الموضوعيّ النّاجم عن استبعاد عمليّة التّدوين. في الحالتين، كذلك بحكم استلال المواضيع اللّحنيّة من مقتضيات اللّحظيّ والآنيّ من جهة، ومن مُلزِمات البُنى الجاهزة من ناحية ثانية موازية، بعيدًا عن الاشتغال الحفريّ المتأنّي واستخطاطيّات التّفكير البنائيّ والتّفكيكيّ بعيد المدى، وحتّى بعيدًا عن وجود تجربة قوميّة عامّة تؤسّس لقوالب وأنواع موسيقيّة جاهزة على شاكلة السّماعي واللونجة والبشرف وغير ذلك من القوالب المتسللّة إلى جغرافيا الثّقافة العربيّة.

لكن، هناك فوارق جديّة وهامّة بين مجالي الموسيقى الجادّة والموسيقى الشّعبيّة، لا بدّ من التّطرّق إليها وتوضيحها قبل الخوض في السّؤال عربيًّا.

يشير أدورنو إلى مسألة هامّة يعرفها كلّ مؤلّف موسيقيّ، فحواها أنّ “جميع التّفاصيل الصّغيرة في المؤلَّف الموسيقيّ الجادّ تستمدّ معانيها من فكرة التّماسك الكلّيّ للمؤلَّف” (Adorno & Simpson, On popular music/ The musical material)، وبالتّالي فإنّ هذا ما يشكّل العلاقات الحيويّة داخل العمل الموسيقيّ وليس مجرّد وجود مخطّط مُسبق؛ إنّ العلاقة بين الوحدات الصّغيرة وطبائعها وسلوكيّاتها في تطوّراتها على مدى سيرورة العمل الموسيقيّ وبين تشكيل المخطّط الهيكليّ العامّ والكلّي، هي علاقة تبادليّة تُغزَل وتُحاكُ بتأنّي عبر سيرورة تشكيل المؤلَّف الموسيقيّ، ويؤثّر البناء الجزئيّ والعلاقات الدّاخليّة الحيّة بين الأجزاء على شكل العمل بأكمله.

هذا الوعي، وعي ارتباط سيرورة التّطوّر داخل العمل الموسيقيّ بطبيعة تكوين المواد الأوليّة والتّفاصيل الصّغيرة، هو وعي يقوم في أساس عمليّة التّأليف في الموسيقى الجادّة.

هنا يسوق أدورنو مثالًا على اشتقاق المادّة الموسيقيّة لمعناها من خلال تأليف السّياق ونسجه، فيستشهد بمقدّمة الحركة الأولى من السّمفونيّة السّابعة لبتهوفن (بسلم دو كبير)، الّتي لا تأخذ طابعها الغنائي التّعبيريّ إلاّ من خلال ما يضفيه عليها السّياق العامّ للحركة الأولى من السّمفونيّة بوصفه مراكمة نقائضيّة لما يسمّى في الموسيقى cantus firmus. ولو تمّ استئصال الثّيمة الثّانية داخل الحركة والاستماع إليها بمعزل عن الثيّمة الأولى لفقدت معناها وقيمتها.

مثال آخر يسوقه أدورنو من سوناتا البيانو رقم 23 (بسلم فا صغير) لبتهوفن، والشّهيرة باسم Appassionata، وتحديدًا من بداية الجزء الخُلاصيّ (recapitulation)، فوق نقطة الدوّاسة الأولى في الحركة الأولى (allegro assai). وفي هذا المثال، ومن خلال متابعة الفَوْرة السّابقة فقط، أمكن لبتهوفن بلوغ أكثر اللّحظات زخمًا من النّاحية الدراماتيكيّة في السوناتا. يُثني أدورنو قائلًا: “لو استهلّ بتهوفن جزءَ الإعادة مُهمِلًا الجزءَ الاستعراضيّ exposition البدئيّ والجزء الوسطيّ الاحتداميّ development لفقدت السوناتا معناها بالكامل”.

وفي الحقيقة، لم يكن أدورنو في حاجة إلى سوْق الأمثلة على العلاقة الوطيدة والعضويّة بين مركّبات الأعمال الموسيقيّة الجادّة الصّغيرة التّفصيليّة والمركّبات ذات الصِيَغِة الهيكليّة البنيويّة، لأنّ الموسيقى الجادّة كلّها هي مثال واحد على ذلك، بل لنقل إنّ هذه العلاقة هي في صُلب الصّنعة الموسيقيّة في الموسيقى الجادّة وإن تفاوتت المستويات الإبداعيّة بطبيعة الحال. فلو أخذنا مثالًا عامًّا جانريًّا من مثل السوناتا الكلاسيكيّة أو الرّومنتيكيّة، فمنذ بتهوفن وسوناتته الأولى المكرّسة إلى أستاذه جوزيف هايدن[1]، فإنّ بتهوفن يبني ثيمته الأولى على أساس المنطق الدراميّ الاحتداميّ الجدليّ الّذي يميّز السوناتا كجانر موسيقي، فيؤسّس للبناء الهيكليّ العامّ للسوناتا بدءًا من طبيعة تكوين المادّة الإنشائيّة الأولى في ثيمة البداية المكوّنة من موتيفين مختلفين، تقوم جدليّة السوناتا عليهما في الحركة الأولى.

 

وفي مثال آخر من أعماله المتأخّرة، هو لا يُقيم أسس الجدل العامّ للسوناتا منذ تأسيس المواد الإنشائيّة الأولى فيها وحسب، بل ويقيم علاقة جدليّة مع تاريخ السوناتا برمّته. فعلى سبيل المثال لا الحصر، وفي السوناتا رقم 23 بسلم “فا صغير”[2]، يستهلّ السوناتا بالدّرجة الأولى من السّلم ثمّ يحاورها بالدّرجة الثّانية من السلّم، بعكس جميع الأعراف المعروفة حتّى ذلك الوقت في تأليف فنّ السوناتا.

والدّرجة الثّانية من السلّم هي من أكثر الدّرجات بعدًا ونشوزًا عن الأولى، الأمر الّذي يطرح سؤالًا وجوديًا وتشكيكيًّا فيما كان حتّى الآن من مُطلقيّة واطمئنان المعنى في الثّيمة الأولى من السوناتا بوصفها ثيمة الدّرجة الأولى – درجة الارتكاز والحلّ والعَوْد النّهائيّ.

لسنا هنا أمام مقولة تقنيّة شكليّة جديدة وحسب، بل أمام انزياحٍ تاريخيٍّ حادّ لمعنى السوناتا وخروجٍ دراماتيكيّ من سياق تبعيّتها الذّهنيّة للمنطق الميثولوجيّ الكَنَسيّ أو الميتافيزيقيّ الّذي كان سائدًا، إلى تماهٍ جديد مع منطق فلاسفة عصر التّنوير وإحلال “الإله” في الطّبيعة المحسوسة وإخضاعه للمساءلة؛ هذا التّطور عند مؤلِّفِ الموسيقى بُونيّ النّشأة،[3] هو تعبير عن وعي اجتماعيّ سياسيّ إلى جانب القدرة التّعبيريّة الجماليّة التقنيّة الموسيقيّة، واليوم نعلم يقينًا أن هذا الوعي كان فاتحة من فواتح العصر الرومنتيكي الّذي امتدّ على طول القرن التّاسع عشر، في أوروبا تحديدًا.

الجدليّة البنيويّة هنا ليست جدليّة مواد السّوناتا وحسب، بل جدليّة تاريخيّة فكريّة ومعنويّة من الدّرجة الأولى؛ جدليّة ما زالت تلقي بظلالها حتّى يومنا هذا على عبقريّة الخروج والخلخلة والإخلال، وعلى العلامة الفارقة في المعنى الجوهريّ لمفهوم الحداثة وما بعدها.

لا شيء يعادل ذلك يمكن أن يحدث في الموسيقى الشّعبيّة، ولن يتأثّر البناء العام المعطى في الموسيقى الشّعبيّة إذا ما انتُقص عنصر تفصيليّ مّا من داخل مواده. (Waters, 2000)

كما في الهندسة المعماريّة كذلك في التّأليف الموسيقيّ الجادّ. فبالإضافة إلى التّفاعل الضّروريّ بين مُرَكِّب الإنسان (المستخدِم للعمارة) وبين تقنيّات وجماليّات الهندسة المعماريّة، ثمّة أسئلة تقنيّة وجماليّة يخوضها المختصّ بغضّ النّظر عن حقل هذا التّفاعل بين العمارة والإنسان، وما يتداعى عن ذلك في الجانب الوظيفيّ والاجتماعيّ والخدماتيّ والطّقوسيّ وغير ذلك، بل هي أسئلة غير معنيّة إلاّ بذاتها تقنيًّا وجماليًّا وبُنيويًّا. والحديث هنا ليس معنيًّا بالتّفاعلات الضّروريّة داخل الحدث الموسيقيّ بين مركّبات الموسيقى ومركّبات العمارة والمكان (Beranek, May, 1992)/ (Acoust, March 2005)، بل بالعلاقة البنيويّة ما بين ذهنيّة التّأليف الموسيقيّ وذهنيّة التّخطيط الهندسيّ.

ولتوضيح هذه المسألة دعونا نتأمّل قليلًا في تجربة الكتابة السّمفونيّة عند بيوتر إيليتش تشايكوفسكي، وخاصّة فيما يتعلّق بـ “المشكلة” الّتي أرّقت حياة هذا المؤلّف الموسيقي والمتعلّقة بكتابة الحركة الأولى من السّمفونيّة، الحركة الّتي التزمت، كلاسيكيًّا، بصيغة السّوناتا ومركّباتها وفلسفتها. وتعيّنت المشكلة، بالتّحديد، في الجزئيّة المتعلّقة بالفاصل العُبوري (medial caesura)[4]، داخل الجزء الافتتاحي الاستعراضيّ (Exposition) من السّوناتا، والواصل بين الموضوع الأوّل first subject والموضوع الثّاني second subject. (Hepokoski & Darcy, 2006, p. 23) وتكمن “ضرورة” هذا الجزء في مبنى السّوناتا للعبور من الدّرجات السُّلّميّة المحدّدة للموضوع الأول نحو الدّرجات السلميّة الممكنة تقليديًّا في الموضوع الثّاني. (Hepokoski & Darcy, 2006) وبما أنّ الموسيقى الكلاسيكيّة أو الرّومنتيكيّة تميّزت بالعبور السّلس بين المواضيع وليس بشكل فجائي أو مباغت أو ناشز، بأي شكلٍ من الأشكال، عن التّقاليد الجماليّة لتلك العصور، فكان هذا الجزء الّذي خلّى من المعنى المستقلّ لوجوده العينيّ، وما كان ليُكتب لولا تلك الحاجة النّابعة من لياقة العبور السّلس، كان يُثقل على خارطة تشايكوفسكي الهندسيّة في الكتابة السّمفونيّة، وعلى ذوقه الموسيقيّ، وعمل جاهدًا من أجل الوصول إلى صيغة تُعفيه من ضرورة استخدام هذا الجزء “النّافل”.

الدّافع وراء ذلك، يكمن في رغبة تشايكوفسكي بتبديد الحواجز الصّارمة بين أجزاء السّوناتا الشّديدة الاختلاف، والّتي تستدعي تطوّرًا يعتمد فلسفيًّا وموسيقيًّا على توظيف هذه الاختلافات في بناء حبكة دراميّة وجزء احتدامي جدليّ يُبرز هذه التّناقضات ويؤكّد عليها. ومع فرانس ليسْتْ Franz Liszt وبداية فضّ صرامة المبنى السّوناتي، وخاصّة في الجانر السّمفوني، وتحوّل النّوع السّمفونيّ من الصّيغة الكلاسيكيّة الجامدة والبنيويّة الهيكليّة ذات القوانين المحدَّدة، إلى ما بات يُسمّى “القصيد السّمفونيّ” (Symphonic poem)؛ هذا التّحول وفّر فرصةً لتشايكوفسكي ورعيله بأن يخطوا خطوةً إضافيّة نحو تطوير هذا الجانر نحو ما بات يُسمّى “السّمفونيّة الهجينة” (Symphonic hybrid).

لكن، من العبث تصوير هذا الجزء (الفاصل العبوري medial caesura) على أنّه خارج التّأثير البُنيويّ على طبائع الموضوع الأوّل والموضوع الثّاني؛ فالموضوع الأوّل لم يكن أبدًا مستقلًا في نشوئه وتكوّنه داخل عقل المؤلّف عن وعيه بحتميّة قدوم هذا الجزء، فصارت الحاجة للتّحضير له ولقدومه أو حدوثه جزءًا من المركّبات الموسيقيّة البلاغيّة والنّفسيّة للموضوع الأوّل، فيكون بمثابة استمرار طبيعي له لا يبلغ الموضوع الأوّل ذروتَه إلّا به ومعه. (Hepokoski & Darcy, 2006, p. 23)

تبدو محاولة تشايكوفسكي للتّخلص من هذا الجزء الرّابط، والّتي لم يُكتب لها النّجاح التّام في الحركة الأولى من سمفونيّته الرّابعة، واضحة المعالم، رُغم أنّ مبنى هذه السّمفونيّة هو من أعظم ما كُتب في التّاريخ السّمفوني الرّوسيّ. وقد نوّه هانس كيللر بشكل واضح الى هذا الإنجاز الهامّ في تاريخ العمل السمفوني حين قال عنه بأنه: “واحد من أعظم الهياكل السّمفونيّة في الأدب السّمفوني قاطبةً” (Keller, 1966, p. 345)، وللمفارقة كانت هذه “العظَمة”، خاصّةً ما تعلّق بـ “برنامجيّة السّمفونيّة” عائقًا أمام تقبّل الكثير من النّقاد لها ليس أقلهم ألفرد آينشتاين. (Keller, 1966, p. 346) وقد أخفق تشايكوفسكي تماماً في مهمّته هذه في السّمفونيّة الخامسة. لكنّه أنجزها أخيراً وبألمعيّة في سمفونيّته السّادسة والأخيرة، الّتي عُزفت للمرّة الأولى في 28 تشرين أول 1893، حيث توفّي تشايكوفسكي بعد تسعة أيّام من هذا التّاريخ.

في الفترة الّتي ألّف فيها سمفونيته الرّابعة، وتحديدًا عام 1878، كتب تشايكوفسكي يقول:

“كيف يمكنني أن أصف ذلك الشّعور الّذي يراود مؤلفًا موسيقيًّا أثناء خوْضه تجربة الكتابة لمؤلَّفٍ موسيقيٍّ آليّ لا يتحدّث عن موضوع بعينه؟ هذه سيرورة محض شعريّة. إنّها اعتراف الرّوح الّتي تمرّغت بالتّجربة وتعبّر عن مكنوناتها بالأصوات كما يعبّر الشّاعر عن دواخله بالقصيدة. إلاّ أنّ الفارق يكمن في قدرة الموسيقى على امتلاك أدوات، بما لا يُقارن مع غيرها، أكثر دقّة في اجتراح المعاني والتّعبير عن آلاف الظّلال للمشاعر.” (The Tchaikovsky commemorative museum, 1979, p. 85)

وفي معرض حديثه عن الرّابط بين “الحدث الموسيقيّ” (بدءًا من المُسوَّدات وصولًا إلى المتلقّي عبر الأداء) والأثر الاجتماعيّ، يقول تشايكوفسكي عام 1877:

“حظيت هذا الشّتاء ببضعة حواراتٍ مثيرة مع الكاتب ليف تولستوي. فتحت هذه الأحاديث عينيّ ووضّحت لي الكثير من الأمور. لقد أقنعني بأنّ الفنّان الّذي لا يعمل من خلال وجدانه الباطنيّ، بل عبر حساباتٍ دقيقة للمؤثرات، إنّما هو بذلك يقمع موهبته من أجل نيل إعجاب الجمهور واستجداء استحسانهم. وبالتّالي فهو ليس بفنان حقيقي؛ تذهب جهوده عبثًا وتزول سريعًا. لقد تبنيت كليًّا هذه النّظرة للحقيقة” (The Tchaikovsky commemorative museum, 1979, p. 76)

تشكّل السمفونيّة السّادسة لتشايكوفسكي بوابةً هامّة لفهم العلاقة، في أوج تفاعلها، بين الشّعور الشّخصي بالدّمار واقتراب ساعة الموت، وبين الممارسة الإبداعيّة الموسيقيّة بوصفها فعلًا إخلاليًّا تدميريًّا واعيًا؛ في هذا النّوع من المؤلَّفات نقف أمام نُضج المؤلَّف الموسيقيّ في أرقى تجليّاته. يقول أدورنو، في معرض حديثه عن الأسلوب الأخير عند بتهوفن، إنّ الحديث عن النُّضج في الأعمال الأخيرة عند الفنّانين المرموقين لا يشبه الحديث عن النُّضج الفواكهيّ. فهي <الأعمال الأخيرة> لا تكون، في غالبيّتها، دائريّة، وإنّما مُثلّمة، بل وربّما مُتشظِّيّة.  (سعيد، عن الأسلوب المتأخر، موسيقى وأدب وعكس التيار، صفحة 48)

هنا، في نقطة النّهاية، نجح تشايكوفسكي في تجاوز مرحلة الجمود الّتي رفضتها نفسُه وطبيعته، هذه المرحلة الّتي شملت مختلف مناحي الحياة الثّقافيّة الرّوسيّة، وأفرزت عند أمثال تشايكوفسكي الكثير من التّحدّيات، فبحسب براون، فإنّ “… الجمود عيبٌ يلازم الطّابع الروسيّ. وهو عيبٌ بات يكتنف جميع مناحي الحياة القوميّة ويؤرّق خصوصيّة تاريخها الّذي كان يميل نحو الرّكود على مدى فتراتٍ زمنيّة طويلة، تليها أحيانًا، ولحينٍ عابرٍ، فتراتٌ عاصفة من النّشاط، تتواكب مع انخراط الدّولة في التّقدم والنّهوض…” (Brown, 1991, p. 421)

هذا التّحدّي لم يشغل بال تشايكوفسكي وحده من رعيل مؤلِّفي العصر القومي الرّومنتيكي الّذين قاوموا بجهد مبنى السّوناتا الغربي الكلاسيكي الصّارم، (Newman ، 1963‏) ولم يكونوا سمفونيّين “طبيعيّين” (بالمعنى الكلاسيكي الخالص)، ربّما بحكم عوامل لا تنحصر في خروج الشُّغل السّمفونيّ عندهم من إطاره البنيويّ التّقليديّ الصّلب، الذّي يتحاشى التّصميمات الشّعوريّة ذات الطّابع الشّخصي، نحو نزوعه إلى شكل من أشكال كتابة السّيرة الذّاتيّة موسيقيّاً، بما يتضمّنه ذلك من رفع شأو المعالجات الشّخصانيّة للشّعور والعاطفة والانفعالات والوجدانيّة، لكن، حتّى هنا، فقد تميّز تشايكوفسكي عن مُجايليه من الروّاد الألمان وغيرهم بأنّه نزع نحو الدقّة العينيّة والتّكثيف. (Cooper, 1946, p. 24 & following) ففي حين كافح جاهداً في سمفونياته الثّلاث الأولى للحفاظ على صرامة الهيكل الكلاسيكي للكتابة السّمفونيّة، فإنّ التغيّرات الدراماتيكيّة في حياته الشّخصيّة والزّوجيّة حالت دون استمرار الاهتمام والحفاظ على هذه الهيكليّة والذّهاب في السّمفونيّة الرّابعة الى أبعد من حدود الوفاء للتّقليد. ومع الشّروع في كتابة السّمفونيّة الرّابعة تحوّل العمل إلى “وثيقة سِيَريّة شخصيّة وإنسانيّة دراماتيكيّة” من الدّرجة الأولى. (Brown, 1991, p. 441 & following) وتَحْتَ إلحاح التّجربة العاطفيّة الحادّة، سُنحَ لتشايكوفسكي، على ما يبدو، بأن يُطوّر موهبة “العذوبة الموسيقيّة” (tunefulness)، بحريّة لم يعهدها من قبل. وقد تحوّلت هذه الميزة، وبشكل لا يخلو من مفارقة، إلى رغبة قويّة في اللاّإلتزام بالهيكليّة التقليديّة واللّاوفاء للصّيغة الصّارمة للسوناتا الغربيّة، نحو سمفونيّة تشكّل وحدةً عاطفيّة لحنيّة متكاملة: “… كما في <السّمفونيّة> الخامسة، وجد تشايكوفسكي مع تراخي <أو فضفاضيّة> القصيد السّمفوني الّذي شقّ دربه مع فرانس ليسْتْ، بات ممكناً التّوفيق بين الكتابة الواسعة للأوركسترا والمفعمة بالعواطف، وبين الألوان الآليّة الّتي تعبّر عمّا ينجذب إليه بطبيعته.” (Cooper, 1946, pp. 24-25)

وجد تشايكوفسكي في التّخلّي عن الفاصل العابر، لا وسيلة تقنيّة لتجاوز المركّبات المغلقة لمبنى السوناتا وحسب، ولا “هدم” الجزء “العبوريّ” بقدر ما يرمز، بل يمثّل “الفصل” ذاته، ولكن، وجد في هذا “التّخلّي” رمزاً للتّعبير عن سُيولة المواد المتدفقّة في الشّكل السّمفونيّ الجديد الّذي تواكب مع تغيّرات هامة في الأجواء الثّقافيّة الاجتماعيّة والسّياسيّة في تلك الفترة في روسيا. هذه السُّيولة لم تكن تاجًا على رأس سيرورة العمل في السّمفونيّة السّادسة، بل سيرورة العمل، هذه المرّة، هي ما توّج مصداقيّة هذه السّيولة، وبكلماتٍ أدقّ يمكننا القول إنّ السّيولة وسيرورة التّأليف باتا يُشكّلا معًا وجودًا واحدًا. ويستطيع أي مؤلِّف موسيقيّ محترف أن يفهم ذلك من قراءة ملاحظةٍ صغيرة ذيّل بها تشايكوفسكي مُسَوّدةَ الحركة الأولى من السّمفونيّة السّادسة (Tchaikovsky, 2017): “بدأت الخميس، الرّابع من فبراير، وانتهيت الثّلاثاء، التّاسع من فبراير 1893”. (The Tchaikovsky commemorative museum, 1979)

بعد أكثر من نصف قرن، وتحديدًا عام 1947، كتب آرنولد شوينبرغ ملاحظة شبيهة على مخطوطة من أعماله الأخيرة بعنوان “النّاجي من وارسو” (A surviver from Warsaw): “من 11 آب الى 23 آب 1947” (Schönberg, 1947) (Strasser , 1995)، لكنّ المسألة لم تعد مسألة سيولة، لكن تعلّق الأمر هذه المرّة بالتواتر السّريع لتوثيق الجرح اليهودي بعد الحرب العالميّة الثّانية والتّأسيس لخطاب ثقافي موسيقي يهودي ما زال مستمرًّا وفاعلاً حتّى يومنا هذا. وهذا الخطاب الثّقافي لم يتأسّس بفعل المحرقة، لكنّه تفجّر بحكم وجوده السّابق وترسّخه في الذّهنيّة الشّعبيّة والمؤسّساتيّة اليهوديّة، فلو نظرنا نظرةً سريعة إلى ما كان يُسمّى “بروتوكولات المجتمع الموسيقيّ الشّعبي اليهوديّ”[5] فإنّنا سنفهم بسهولة حجم الوعي بأهميّة التّأسيس للتّربية والثّقافة الموسيقيّة الشّعبيّة، والوعي بالعلاقة الضّروريّة للشّعب اليهوديّ بين الموسيقى الشّعبيّة والموسيقى الجادّة، فمثلًا، من الجدير قراءة البنود الّتي وردت تحت البند “أهداف وحقوق المجتمع”، والّتي تتطرّق إلى أهميّة التّوثيق والتّعليم ونشر الثّقافة الموسيقيّة اليهوديّة وتمكينها من التّأثير على المبدعين لينهلوا منها ويؤسّسوا عليها إلخ… (Moricz, 2008, p. 52 & following)

هذه السّيولة الّتي لم تأت إلاّ بعد مخاضاتٍ كثيرة يمكن استشعارها عبر تطوّر أعمال تشايكوفسكي، كما في الكثير من رسائله إلى الأصدقاء، ولن نخوض في التّفاصيل أكثر ممّا تحتمل هذه المقالة، لكن ما زال من المفيد التّطرّق إلى جانب قد يُفيدنا في إغناء فهمنا لأحد أهم مكوّنات الموسيقى العربيّة: اللّحن.

*

التّنويع المُتقلّف أو اللّحن المُكتمل: عائق التّطوير الجدليّ

يعبّر “اللّحن” عن “مقولة اكتماليّة” بطبيعة تعريفه، وفي هذه “الاكتماليّة” طبعٌ طاغي قد يُخلّ، برأي تشايكوفسكي، بالتّوازن التّناسبي الّذي اعتبره المؤلِّفون الموسيقيّون الغربيّون (الأوروبيّون غالبًا) نموذجاً لجماليّة السّوناتا، وذلك من خلال إعلاء أهميّة اللّحن الأوّل (الموضوع أو الثّيم الأوّل) في السّوناتا على حساب المواضيع الأخرى الّتي يجب ألّا تخضع لمنطق المناقضة الضدّيّة كناتج طبيعي عن “اكتماليّة” اللّحن الأوّل، بل يجب أن تخضع لعلاقات تفاعليّة أكثر توازناً ونديّة. (Warrack، 1974‏)

اللّحن الاكتماليّ (completeness)، أو كما أسماه مارتين كوبر: “اللّحن المشحون بقوّة” (supercharged melody)، شكّل عائقاً عند تشايكوفسكي في سيرورة التّطور البنيويّ للسّوناتا وبالتّالي للعمل السِّمفونيّ؛ فالإزهار النّهائيّ الكلّيّ (full bloom) للّحن حال دون تطويره أو تطوير التّفاعلات مع المواد الأخرى داخل العمل الموسيقي.[6]

منذ شكّل التّطوّر الموسيقي داخل البناء الهيكليّ للسّوناتا شكلًا من أشكال الكشف الإبداعيّ عن مكنونات الإيقاع واللّحن والتّناغمات الهارمونيّة لمجمل الموضوعات المتعارضة داخل العمل الموسيقي الواحد، فإنّ الإفصاح المباشر والكامل داخل اللّحن المكتمل والمتفجّر بالعاطفة، لم يكن ليسمح بمزيد من هذا الكشف وما كان ليُفسح لأيّ سيرورةٍ تفاعليّة احتداميّة متوازنة أن تحدث. والسّبيل الوحيد الّذي بقي مُشرعاً أمام الموسيقيّ في هذه الحالة هو الاعتماد الكبير على الأجزاء الرّابطة، وسبيل التّكرار أو، بتعبير إدوارد سعيد، “التّنويع المتقلّف” (Exfoliating variation)، كما هو الحال في آداء أم كلثوم للكثير من أغانيها. (Waters, Summer, 1998, p. 105) هذا النّوع من التّنويع الّذي يأتي “حلًّا” لمشكلة انحسار إمكانيات التّطوير داخل العمل الموسيقي في العَوْد على بدْءٍ، تكراراً ومراراً، وما أسْميتُه هنا “مُشكلة انحسار إمكانيّات التّطوير داخل العمل الموسيقيّ”، هو ليس مُشكلة بالمعنى الّذي يجعل منها جزءًا من صُلب الهمّ الإبداعي والمعالجة الفنيّة في الموسيقى العربيّة، بل على العكس تمامًا، فمن العبث توصيف هذا المعطى (الطّبيعي) وغير المُفكّر به على أنّه مُشكلة أصلًا، ممّا يتطلّب أدوات توصيف ونقد جديدة تعوّض عدم صلاحيّة أدوات النّقد الغربيّة لهذا المضمار.

وعلى سبيل المثال، فإنّ “اللّحن” في الموسيقى العربيّة غير معرّفٍ بتجرُّدٍ مطلق من عنصر اللّغة التّخاطبيّة، بل، وكما فعل الفارابي، فإنّ تعريف الألحان يتكوّن داخل الوعي بصنفين، يقع الثّاني بينهما داخل أفق اللّغة التخاطبيّة. إذن، فالأمر هنا ليس كما هو الحال في تعريفات اللّحن في الثّقافات الموسيقيّة الغربيّة، حيث هناك فصل كامل بين تعريف اللّحن وبين إمكانيّة استخدامه مقروناً بحضور النصّ التّخاطبيّ، وفي هذا الكثير من الدّلالات الثّقافيّة والاجتماعيّة، كما أنّ صناعة الموسيقى نفسها غير مُعرّفة خارج أفق الألحان، وبالتّالي فلا تعريف للموسيقى، عربيًّا، بمعزلٍ تامّ عن مدار التّخاطب الكلاميّ: … فلفظُ الموسيقى معناه الألحان، واسمُ اللّحن قد يقع على جماعة نغمٍ مختلفةٍ رُتّبتْ ترتيبًا محدودًا، وقد يقع أيضًا على جماعة نغمٍ ألِّفت تأليفًا محدودًا وقُرنت بها الحروف الّتي تركَّب منها الألفاظُ الدّالّةُ المنظومةُ على مجرى العادة في الدّلالة بها على المعاني، وقد يقع أيضًا على معانٍ أخَرَ غيرِ هذه… (الفارابي، صفحة 47)

وفي سياق التّعريف المكوّن من صنفين، يتوضّح مزيدًا المعنى من وراء “الألفاظ الدّالة المنظومة” في التّعريف المقترن بالصّنف الثّاني: “… وهذه هي الأصواتُ الإنسانيّة الّتي تُستعمل في الدّلالة على المعاني المعقولة وبها تقع التّخاطبات.” (الفارابي، صفحة 47) والصّنف الثّاني: “… يتقدّمُ <الصّنفَ> الأوّلَ بحسب تقدُّم الغاياتِ للتّوطئات”. (الفارابي، صفحة 48) ومن النّاحية الوظيفيّة، اجتماعيًّا ونفسيًّا، فقد حصر الفارابي أصناف الألحان في ثلاثة: الألحانُ الملِذَّةُ والألحانُ الانفعاليّة والألحانُ المخيّلةُ. (الفارابي، صفحة 66) لكن، ظلّت جميع محاولاته لفهم صنعة الألحان في ظلال حضور الصّنعة الشّعريّة أو “الأقاويل الشّعريّة” وتبعيّتها لها. (الفارابي، صفحة 1183) وفي حين يميل ثيودور أدورنو إلى تقييم الحدث الموسيقي عبر منهجيّة نقديّة تفصل الموسيقى إلى ما هو شعبيّ من جهة، وما هو جادّ من جهة ثانية، فإنّه لم يبتعد كثيرًا عن رؤية الفارابي كما نقرأها في باب “غاياتُ الألحان ومدخلها في الإنسانيّة” في “كتاب الموسيقى الكبير”، حين يُتبِع “أفعال الهيئة الموسيقيّة” إلى “أفعال الهيئة الشّعريّة” الّتي تحوي مواضيعُها “جميع الموجودات الممكنة أن يقع بها علم إنسان”. (الفارابي، صفحة 1183) ومنها “ما ليس إلينا فعلها” ومنها ما إلينا فعلها وتسمّى “الأشياء الإراديّة”. وهذه الأشياء منها:

هيئاتٌ وأخلاقٌ وعاداتٌ، ومنها أفعالٌ وانفعالاتٌ، ومنها الهيئات النّفسانيّة <…> ومنها أحوال الأبدان <…> وبالجملة فإنّها هي الّتي يُقالُ إنّها خيراتٌ أو شُرورٌ، في الإنسان أو له <…> فالألحانُ إذًا، إنّما تُقرن أكثر ذلك بالأقاويل الّتي يُنحى بها نحو هذه الأشياء، وهي المخصوصةُ عندنا باسم الأقاويل الشّعريّة، وإن كان كثيرٌ من النّاس يُسمِّي بهذا الاسم جميعَ الأقاويل الموزونة. والأقاويل الشعريّة، منها ما يُستعملُ في الأمور الّتي هي جِدٌّ، ومنها ما شأنها أن تُستعمَل في أصناف اللَّعِب. (الفارابي، الصفحات 1183-1184)

جنح الفارابي، كما أدورنو، وكما ربّما من قبلهما أرسطوطاليس الّذي يذكره الفارابي في كتابه في هذا السّياق، إلى نقد حكميّ تقييميّ، وضع الموسيقى في مكانتيْن: جادّة أو خيّرة من جهة، وشعبيّة أو هزليّة “تخسّ عند من مقصده التّخييل” من جهة ثانية. (الفارابي، الصفحات 1186-1187)

*

التّراخي المُسْهِب والأثر الاجتماعي: من أسفل إلى أعلى

إنّ امتلاك المغرفة في الثّقافتين الموسيقيّتين الغربيّة (الأوروبيّة) والشّرقيّة (العربيّة)، يسهّل على الباحث الدّخول والخروج من منظورٍ ضيّقٍ بعينه، ويُساعد على فهم أكثر انفتاحًا على حقائق الأمور كما هي في سياق تشكّلها التّاريخي والاجتماعيّ والإبداعيّ الفرديّ، لا كما يراد لها أن تكون داخل منظار أيديولوجيّ أو نقديّ متزمّت ومنغلق.

الموسيقيّون الغربيون أنفسهم خاضوا أسئلةً صعبة في صلب تجربتهم مع موروثهم الثّقافيّ، وربّما ليس من باب المفارقة، أنّ بعض “الحلول” جاءت متقاطعةً ومتواشجةً مع ما في صُلب طبائع الموسيقى الشّرقيّة العربيّة وخواصها الممَيِّزة. فالابتعاد عن الصِّيغ البنيويّة الصّلبة واجتراح أنواع جديدة، مثل السّوناتا ذات السّمات المسرحيّة البالاديّة[7]، كما في بعض سوناتات البيانو عند سيرجي بروكوفييف، وصعود البالادا نفسها أو الفانتازيا وبروزهما كجانريْن موسيقيّين هامّين في النّصف الثّاني من القرن التّاسع عشر، كما في أعمال فرانس ليسْتْ، والإكثار الزُّخرفي كما في معظم أعمال البيانو لفردريك شوبان، والقصيد السّمفوني، مروراً بالكثير من التّجارب، وصولًا إلى القرن العشرين والمَتْح المباشر من الموسيقى الشّرقيّة كما فعل بيللا بارتوك[8] بعد زيارته إلى مصر ومشاركته في مؤتمر الموسيقى العربيّة في القاهرة عام 1932 بمبادرة الملك فاروق، فسجّل الموسيقى الشّعبيّة في الصّعيد المصريّ وألّف موسيقى تمتح موادها منها. (Madian, 26-28 June)

إذن، هذا التّراجع للموروث النّمساوي الألمانيّ من جهة، بما فيه من علامات حياة، لحساب أساليب قابلة للمقاربات مع الموسيقى العربيّة الغنائيّة الكلاسيكيّة، يمكن أن يشكّل إضاءات مّا على بحثنا. فها هو ليندساي ووترز ينقل عن إدوارد سعيد محللًا:

.. ويجد سعيد أن ثمّة موت موسيقي في الموروث النّمساوي/ الجرمانيّ، وأيضًا دلالات حيويّة في (التّضييق الوقور للبؤر) <magisterial narrowing of focus> و(التّأمل الذّاتي الباطني البطيء المهيب) لأوليفييه ميسيان Olivier Messaien، وريتشارد شتراوس <Richard Strauss>. فما يميّز هذه الموسيقى هو تماسكها <consistency> والتّراخي الجميل[9] <elaborative “letting go”> في زيادة التّفاصيل أو التّلوين الجذريّ، الّذي يرى أنّه يميّز مقطوعة شتراوس “التّحوّل – Metamorphosen “[10]. وهذه الموسيقى ليست نموذجيّة بسبب تحكم المؤلِّف المطلق بل بسبب استعداد المؤلِّف لأن يضيف التّفاصيل أو يلوّن بأسلوب يمكن أن يقارن بموسيقى الأغنية العربيّة الكلاسيكيّة، أي أغاني أم كلثوم. ويريد سعيد أن نعتقد أن مثّل هذا العمل، أي التّنويع وإضافة التّفاصيل، هو جزء من العمل، جزء من إقامة مجتمع مدنيّ من القاعدة وإلى أعلى، وليس من القمّة وإلى أسفل… (Waters, Summer, 1998, p. 105) (سعيد، الحق يخاطب القوة، 2000، الصفحات 142-143)

 

وإن كنّا نوافق إدوارد سعيد على هذه المقاربة من حيث المبدأ، وعلى ما يمكن أن تعرض لنا من إضاءات، إلاّ أنّ المسألة من وجهة نظرنا تحتاج إلى المزيد من الفحص. فالادّعاء بأنّ بُنيّة الموسيقى العربيّة الغنائيّة هي محاكاة مّا لبُنيّة اجتماعيّة تنهض من أسفل إلى أعلى تستحقّ الفحص والتّأنّي، وإن كانت الشّيفرة الموسيقيّة في هذا السّياق تُغري بتأويلات من هذا القبيل، فهل الميكانيكيّة الذّهنيّة الّتي تقف خلف صناعة هذه الموسيقى هي حقًّا بهذا الوارد وتعي هذه العلاقة وعيًا بنيويًّا فاعلًا؟ وإن كان رأي سعيد صائبًا فإنّ في سيرورة هذه الثّقافة الموسيقيّة ما يثير الشّكوك بذلك، للوهلة الأولى على الأقلّ، أو ربّما يجدر فحص الأسباب الّتي أودت بهذا الثّقافة الغنائيّة إلى مناحي غريبة عن هذا التّأويل واستقراءاته، عبر متابعة فاحصة لهذه الظّاهرة، وتتبّع جذورها وتداعياتها، لا موسيقيًّا فحسب بل اجتماعيًّا كذلك. ففي حين يرى “سالمِن” إلى الموسيقى الشّعبيّة بوصفها “راسبًا” (Sediment) داخل الفنون الجادّة في القرن التّاسع عشر والعشرين، (Salmen) فإنّ سعيد، وعلى خلافٍ تامّ معه، يرى أنّ عنصر إضافة التّفاصيل والتّلوينات الخاصّ بالموسيقى العربيّة الشّعبيّة هو تعبير ما عن “المتعة” أو “البهجة” و”آلام الموسيقى” الّتي تؤدّي بالعمل الموسيقي لأن يكون “مُعدِياً وينتشر في أنحاء المجتمع”، ويرى في هذه الصّورة على أنّها “صورة واعدة”. (Waters, Summer, 1998, p. 106)

في معرض حديثه عن “الأسلوب الأخير عند بتهوفن” وهي مقالة كتبها عام 1937 ونُشرت في “لحظات موسيقيّة” (Essays on Music) عام 1964، يرى أدورنو بعكس سعيد، أنّ إهمال بتهوفن التّواصل مع النّظام الاجتماعيّ الرّاسخ، والّذي هو جزء منه، وإقامته لعلاقات متناقضة، غريبة وانعزاليّة، وتحوّل أعماله الأخيرة إلى شكل من أشكال المنفى، هو بالذّات ما يجعلها ظاهرة بالغة الأهميّة وأعمالاً ذات قيمة جماليّة عالية:

… الحديث عن النُّضج في الأعمال الأخيرة عند الفنّانين المرموقين لا يشبه النُّضج الّذي نألفه في الفواكه. فهي <الأعمال الأخيرة> لا تكون، في غالبيتها، دائريّة، وإنّما مثلّمة، بل وربّما مدمَّرة وتَلِفَة. فهي مُرّة وشائكة وتخلو من الحلاوة، غير مُستسلمة للبهجة المجرّدة. إنّها تنتقص من التّناغميّة الّتي تتطلّبها الجماليّة الكلاسيكيّة من الأعمال الفنيّة عادةً، وتظهر تتبُّعًا للتّاريخ <بوصفه عمليّة> وليس تطورًا. بنظرة عاديّة يمكن شرح ذلك بحجّة أنّ هذه الأعمال هي وليدةُ ذاتيّة مُنفلتةٍ العقال، أو بتعبير أفضل، “شخصانيّة” تتفجّر عبر غلاف النّسَق والهيكل نحو سبلٍ أفضل للتعبير عن الذّات وإعادة تشكيل التّناغم عبر نُشوز المعاناة الشّخصيّة وازدراء السّحر الشّعوريّ موسومًا بالثّقة في تحرير الرّوح. (Adorno, Essays on Music, 2002, p. 564)

ولكن سعيد، وفي سياق مقالته بعنوان “أفكار حول الأسلوب الأخير” يردّ على هذا الطّرح بقوله:

… يستخدم أدورنو في شيخوخته وهو يرى الموت يتقدّم نحوه وسنوات البداية الواعدة أصبحت خلفه، نموذج بتهوفن الأخير ليحلّ مشكلته مع النّهاية. لكنّ النّهاية هي شيء متحقّق بذاته، وليست تحذيرًا أو هاجسًا داخليًّا أو محوًا وإلغاءً لشيء آخر. إنّ اقتراب المرء من المرحلة الأخيرة يعني الوصول إلى النّهاية وهو واعٍ تمامًا، محتشد بالذّكريات، ومدرك تمام الإدراك للحاضر (حتّى ولو تمّ ذلك بصورة خارقة للطّبيعة). مثله مثل بتهوفن يصبح أدورنو مشخصًا لحالة الوصول إلى النّهاية، معلقًّا مبكرًا وفضائحيًّا، وحتّى كارثيًّا، على الحاضر. (سعيد، أفكار حول الأسلوب الأخير، 2004، صفحة 39)

هذا الشّكل من الإسقاط الأيديولوجيّ في التّحليلات ذات الطّابع الاجتماعيّ للعلوم الموسيقيّة نجده كذلك في “فهم التّغيُّرات الموسيقيّة” عند عالم الاجتماع الموسيقيّ النّمساويّ (Kurt Blaukopf).

في نظر بلاوكوبف فإنّ مؤرّخي الموسيقى قد أهملوا دراسة تأثير القوى الاجتماعيّة الفاعلة على تاريخ الموسيقى؛ هذه القوى الّتي، برأيه، قد تدخّلت دائمًا في التّركيبة العلائقيّة الجدليّة بين مضامين الأعمال الإبداعيّة الفنيّة وأشكالها الهيكليّة البنيويّة، ففي حين تتّبع الهيكليات البنيويّة قوانين جوهريّة فإنّ المضامين تستند إلى هيكليّة السّيرورات الاجتماعيّة، هكذا برأيه، ويُثني قائلًا، إنّ التّركيز المفرط على دراسة القيود البنيويّة قد عمَت أبصار الكثير من الباحثين الموسيقيّين عن دراسة الاعتبارات المناسبة للقوى الاجتماعيّة الفاعلة الّتي تختار القيود الهيكليّة للمواد الموسيقيّة وتستخدمها. (Honigsheim, 1989, p. 16)

باعتقاد بلاوكوبف أنّه من العسير فهم التّغيرات في الأساليب الموسيقيّة بمعزل عن سياقات تاريخها الاجتماعيّ. كذلك فيما يتعلّق بالمواقف الجماليّة الّتي تتشكّل ضمنيًّا داخل الأبعاد الاجتماعيّة والسّياسيّة والاقتصاديّة: “… إنّ مُساهمة علم الاجتماع للعلوم الموسيقيّة تبدأ من تفكيك هذه العلاقات <…> علم الاجتماع الموسيقيّ يشرع في إعادة موقعة الشّروط الاجتماعيّة والسّياسيّة والاقتصاديّة، لا بوصفها تؤثّر على لون الممارسات الموسيقيّة وطبائعها من الخارج وحسب، لكن في كونها تحدّد أكثر مكوّناتها الدّاخليّة جوهريّة. (Blaukopf & Gallen, 1950, p. 14)

وهو يرى، بناءً على ذلك، أنّ دور علم الاجتماع يكمن هنا في قدرته على إزالة العوائق الاجتماعيّة الّتي من شأنها وقف مسار التّطوّر الموسيقيّ.

يُلمّح باول هونجشايم إلى غياب الشّواهد التّجريبيّة في ادّعاءات بلاوكوبف وتأكيداته المتكرّرة على أهميّة العوامل الاجتماعيّة في تحديد مسارات التّغيّرات الموسيقيّة، وبالنّتيجة فإنّ هذه التّأكيدات لا تقوم على إنجازات منهجيّة لتحليلاتٍ علم اجتماعيّة، بل تستند إلى التزاماتٍ أيديولوجيّة في النّقد الاجتماعيّ. (Blaukopf & Gallen, 1950, p. 17)

يقف بلاوكوبف موقف المعارض إزاء المؤرّخين الّذين يرون إلى “علاقة تراسليّة” بين التّطوّر الفنّي البحت من جهة، وبين العوالم الاجتماعيّة السّياسيّة من جهة ثانية، مُعتقدين أنّ “العلاقة بين الحقائق الجماليّة والحقائق الجماليّة السّياسيّة الاجتماعيّة لا حضور عينيّ لها في غمار العمل الفنّي، لكنّها دومًا تجد لنفسها ملجأً داخل التّصورات الّتي تشكّل في الأعمال الفنيّة “روح العصر” Zeitgeist.

خاتمة:

بالنّسبة لنا، تشكّل هذه المقالة مدخلًا ضروريًّا لفهم بعض طبائع الموسيقى العربيّة، بوصفها موسيقى شعبيّة غنائيّة في متنها، وارتجاليّة في هامشها الآليّ المحض موسيقيّ، وفهمها من حيث هي موسيقى وظيفيّة اجتماعيّة، لا وجود لها لذاتها بتجرّد، ممّا يجعل من هذا المدخل فاتحة هامّة لدراساتٍ تؤسّس لنقدٍ موضوعيّ يُساهم في معالجة أسئلة كثيرة هامّة تُحيط برافد الموسيقى العربيّة الجادّة الّذي بدأ يتشكّل ويتراكم في القرن العشرين وصولًا إلى يومنا هذا.

******

[1] Ludwig van Beethoven: Piano Sonata in F minor, op. 2, no. 1, 1795.

[2] Ludwig van Beethoven: Piano Sonata No. 23 in F minor, opus 57, colloquially known as the Appassionata.

[3] نسبة إلى مدينة “بون” الّتي كانت مدينة تنويريّة بامتياز في ذلك الوقت.

[4] يسمّى هذا الجزء باللّغة الروسيّة Связующая партия ، أي: الجزء الرّابط أو الموصل.

[5]  protocoles of the society for jewish folk music، تأسّس “المجتمع الموسيقي الشّعبي اليهوديّ” في مدينة سانت بيترسبورغ الرّوسيّة بين الأعوام 1908-1922.

[6] من الضّروري بمكان أن نسوق هذه الأمثلة وفهمها بعمق، لفحص بعض طبائع “الموسيقى العربيّة الشرقيّة” على ضوئها فيما بعد. فمن طبائع هذه الموسيقى، للتّمثيل وليس الحصر، غياب أو تعوّق مفهوم “التّطوير” أو “تفاعل المواد” أو “الهيكليّة المتناميّة” أو “البنيويّة التّفكيكيّة” الخ… وغابت كذلك الأبحاث الّتي تعنى بفحص معنى أو أسباب هذا “التّعوّق”.

[7] نسبة إلى الصّيغة الشّعريّة ذات الطّابع السّردي المُموسق: Ballad

[8] شكل أفق التّمازج بين الغرب والشّرق هاجساً عند عدد من الموسيقيين، وقد ذهب بارتوك إلى تسميّة مرحلة من مراحل أسلوبه التّأليفي بين الأعوام 1926 و1945 بـ “Synthesis of East and West”

[9] أقترح ترجمة أخرى للتّعبير، هي “التّراخي المُسْهِب” بدلا من “التّراخي الجميل”، وللقارئ أن يختار.

[10] Metamorphosen هي كلمة في صيغة الجمع باللّغة الألمانيّة (لغة شتراوس) وبالتّالي وجب تصحيح التّرجمة إلى “تحوّلات” بدلاً من “تحوّل”.

******

المراجع:

  1. Adorno, T. W. (2002). Essays on Music. University of California press Ltd. .
  2. Adorno, T. W., & Simpson, G. (1941). On popular music/ The musical material. (9), 17-48.
  3. Beranek, L. L. (May, 1992). Music, Acoustics, and Architecture. (45-8), 25-46.
  4. Blaukopf, K., & Gallen, S. (1950). Musiksoziologie. Eine Einführung in die Grundbegriffe unter besonderer Berücksichtigung der Soziologie der Tonsysteme. Verlag Zollikofer.
  5. Brown, D. (1991). Tchaikovsky: The Final Years, 1885-1893. New York: W.W. Norton & Company.
  6. Cooper, M. (1946). Music of Tchaikovsky. (G. Abraham, Ed.) New York: W.W. Norton & Company.
  7. Elias, N. (1994). Mozart, Portrait of a Genius. Edited by: Michael Schröter. Ghana, Frankfurt and Bielefeld.: Late of Universities of Leicester.
  8. Ernst Bloch ، و Peter Palmer‏. (1985). Essays on the philosophy of music. Cambridge university press.
  9. Feher, F. (December 1987). Weber and the rationalization of music. The international journal of politics, culture and society. 1, 147-162.
  10. Hepokoski, J., & Darcy, W. (2006). Elements of Sonata Theory: Norms, Types, and Deformations in the Late-Eighteenth-Century Sonata. Oxford University Press.
  11. Honigsheim, P. (1989). Sociologists and Music, An introduction to the study of music and society (2 ed.). (P. K. Etzkorn, Ed.) New Jersey : New Brunswick.
  12. J H Warrack. (1974‏). Tchaikovsky symphonies and concertos. British Broadcasting Corporation.
  13. Acoust. (March 2005). Concert Halls and Opera Houses: Music, Acoustics, and Architecture . (117)، 987-988.
  14. Johnson, P. (1984). Marxist Aesthetics: The foundations within everyday life for an emancipated consciousness. Routledge.
  15. Keller, H. (1966). Peter Ilyich Tchaikovsky (Vol. 1). (R. Simpson , Ed.)
  16. Kreis, G. (2011). Die philosophische Kritik der musikalischen Werke. In: Richard Klein, Johann Kreuzer, Stefan Müller-Doohm (Hrsg.): Adorno-Handbuch. Leben – Werk – Wirkung. Stuttgart : J. B. Metzler Verlag.
  17. Madian, A. (26-28 June). Innovation and Sustainable Development. Alexandria, Egypt: Bibliotheca Alexandrina .UNCTAD/ ICTSD/ BA Regional Arab Dialogue. Intellectual Property Rights (IPRs).
  18. Martin, P. J. (2004). Sounds and Society, Themes in the sociology of music. Manchester & New York: Manchester university press, Oxford road, UK. . preface viii.
  19. Moore, R. (2012). Digital Reproducibility and the Culture Industry: Popular Music and the AdornoBenjamin Debate. Fast Capitalism(9 Issue 1).
  20. Moricz, K. (2008). Jewish Identities: nationalism, racism and utopianism in twentieth-century music. Univ. of California press.
  21. Peter (1985). Essays on the philosophy of music. Cambridge University Press .
  22. Ranciere , J. (2010 ). DISSENSUS, On Politics and Aesthetics. (S. Corcoran , Ed., & S. Corcoran , Trans.) London, New York: Jacques Ranciere and Steven Corcoran.
  23. Salmen, W. (n.d.). Volksmusik als Sediment in der Kunst des 19. und 20. Jahrhunderts. In Verflechtungen im 20. Jahrhundert, Komponisten im Spannungsfeld elitär – popular aus der Reihe (Vol. 10). (W. Salmen , G. Schubert, & Schott Music, Eds.) Frankfurter Studien.
  24. Schluchter , W. (1985). The rise of western rationalism, Max Weber`s developmental History . (G. Roth, Trans.) Berkeley. Los Angeles. London: University of California press.
  25. Schluchter , W. (n.d.). The rise of western rationalism, Max Weber`s developmental History. Max Weber`s developmental history. (G. Roth, Trans.) Berkely. Los Angeles> London: University of California press 1985.
  26. Schönberg, A. (1947). Survivor from Warsaw, Op. 46 is a work for narrator, men’s chorus, and orchestra. Retrieved from Arnold Schönberg – A Survivor from Warsaw, Op 46 [With Score]: https://www.youtube.com/watch?v=LBNz76YFmEQ
  27. Schutz, A. (1970). On Phenomenology and Social relations . (H. R. Wagner, Ed.) The university of Chicago press.
  28. Strasser , M. (1995, Feb). A Survivor from Warsaw’ as Personal Parable. Music & Letters(Vol. 76, No. 1), 52-63.
  29. Tchaikovsky, P. I. (2017). Symphony No. 6 in B minor, Pathétique, Op. 74. The final symphony, 1893, The first movement, Adagio – Allegro non troppo in B minor. (S. M. Entertainment, Producer) Retrieved from Symphony No. 6 in B Minor, Op. 74 “Pathétique”: I. Adagio – Allegro non troppo: https://www.youtube.com/watch?v=bPjQXMcoa6s
  30. The Tchaikovsky commemorative museum. (1979). Альбом “Дом-музей Чайковского в Клину, М. Советская Россия . Klin. Muzyka publishing house.
  31. Theodor Adorno‏، Walter Benjamin‏، Ernst Bloch‏، Bertolt Brecht، و George Luckacs. (2002). Aesthetics and Politics‏ (6). Fredric Jamson. Printed in the UK by CPI Bookmarque, Croydon, CRO 4TD.
  32. Waters, L. ( Summer, 1998). In Responses Begins Responsibility: Music and Emotion. boundary 2, Vol. 25, No. 2, Edward W. Said, pp. 95-115.
  33. Waters, L. (2000). In responses begins responsibility: music & emotion, In “Edward Said and the work of the critic: speaking truth to power . (P. A. Bove, Ed.) Duke University press .
  34. Weber, M., & Riedel, J. (2009). The Rational and Social Foundations of Music. (D. Martindale, G. Neuwirth, Eds., & D. Martindale, Trans.) Martino Pub.
  35. Williams S. Newman . (1963‏). The sonata in the classic era. University of North Carolina Press.
  1. إدوارد سعيد. (1997). الثّقافة والإمبرياليّة. (كمال أبو ديب، المترجمون)، بيروت: دار الآداب.
  2. إدوارد سعيد. (خريف،2004). أفكار حول الأسلوب الأخير. مجلة الكرمل (81).
  3. إدوارد سعيد. (2000). الحقّ يخاطب القوّة. (فاطمة نصر، المترجمون) إصدارات سطور.
  4. إدوارد سعيد. (2015). عن الأسلوب المتأخّر، موسيقى وأدب وعكس التيّار (الإصدار 1). (فواز طرابلسي، المترجمون) بيروت: دار الآداب.
  5. الفارابي. (بلا تاريخ). كتاب الموسيقى الكبير. القاهرة: دار الكاتب العربي للطّباعة والنشر.
  6. الكندي. (1969). رسالة الكندي في خُبر صناعة التّأليف. (يوسف شوقي، المحرر) القاهرة: مطبعة دار الكتب.
  7. المسعودي. (1964). مروج الذّهب ومعادن الجوهر (المجلّد 4). (محمد محيي الدين عبد الحميد، المحرر) القاهرة: مطبعة السّعادة.
  8. شربل داغر. (1998). مذاهب الحسن، قراءة معجميّة – تاريخيّة للفنون في العربيّة (الإصدار 1). المملكة الأردنيّة الهاشميّة: المركز الثّقافي العربي، الجمعيّة الملكيّة للفنون الجميلة.
  9. صفي الدّين الأرمويّ. (1984). كتاب الأدوار والرّسالة الشّرفيّة في النّسب التّأليفيّة (المجلّد 6). الجمهوريّة الألمانيّة الاتحاديّة: معهد تاريخ العلوم العربيّة والإسلاميّة في إطار جامعة فرانكفورت. سلسلة ج. عيون التراث.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This