العربي ناظرًا.. عبد الرحيم مودن وجهوده بدراسة الرّحلة / إدريس الخضراوي

يُصادفُ السادس والعشرون من شهر يونيو/حزيران ذكرى رحيل الكاتب والباحث المغربي عبد الرحيم مودن (1948-2014)، الذي يعدّ من بين أبرز كتاب جيل السبعينيات، ذلك الجيل القلق الذي طبع بقوة الحياة الثقافية بالمغرب، وحَملَ علامات دالّة في التاريخ والثقافة والمجتمع. يَصفُ مودن الزمن “السبعيني” الذي ينتمي إليه بأنّه “عمّق في الذين مارسوا- وما زال بعضهم يمارس ذلك إلى الآن- الكتابة، ذلك الإحساس الفاجع وهو ما زال مستمرّا إلى الآن- بهزيمة 1967 وانعكاساتها على مستوى القيّم والهوية ودور المثقف إلى غير ذلك من المجالات المختلفة”[1]. ومن الضّروري أن نشير في البداية إلى أن منجزه الفريد يظلّ شهادة وازنة على الإضافة اللماحة التي قدّمها هذا القاص والباحث للأدب المغربي، والأفق الذي رسخه في مجالات عديدة، كالمقالة، والقصّة القصيرة إبداعا ونقدا، وأدب الطفل وكتابة الرّحلة للفتيان، إضافة لحقل الدراسات الرّحلية، ذلك المجال النّظري المميّز الذي يختصّ بدراسة الرّحلة من منظور أكاديمي يتسم بالصّرامة العلمية في بناء المعرفة بهذا النتاج الأدبي العربي الواسع الذي “يضمّ ثقافة وأفكارا تشكّل حلقة لا يُستهانُ بها في سلسلة تاريخ الأفكار العربية”[2].
في هذا السياق، اعتبرت أطروحته بعنوان: “مستويات السرد في الرحلة المغربية خلال القرن التاسع عشر” التي أنجزها تحت إشراف الدكتور أحمد الطريسي أعراب، ونال بها دكتوراه الدولة من جامعة محمد الخامس بالرباط سنة 1996، من أهمّ المشاريع النقدية التي أسهمت في تغيير وجهة الدرس الرحلي، بالانتقال من الاهتمام بمحتويات ومضامين الرّحلة إلى الانشغال بسؤال أدبيتها وطبيعة خطابها، والبحث في مغامرة الكتابة بالكشف عن مختلف المكونات السّردية واللغوية التي أعطت هذا الشكل التعبيري الذي تفرّد بإثارة قضايا العصر، شرعية الانتماء إلى الأدب بعدما ظلّ لفترة طويلة قابعا في الهامش. ولا شك في أن هذا التحول الذي أسهم الأستاذ مودن في بلورته إلى جانب مجموعة من الباحثين المغاربة الذين انطلقوا من افتراضات نقدية ومنهجية مختلفة[3]، تتبدّى فيه آثار الحداثة النقدية قوية، ممثلة في أبرز تياراتها كالشكلانية الروسية والسرديات البنيوية في مرحلة شكّل فيها الاهتمام، في العالم العربي، بالنصية البديل المختلف عن ما كان سائدا في الدراسات المتأثرة بالمناهج التاريخية. ومن المعروف كذلك، أن أطروحته هاته صدرت في كتاب بعنوان: “الرحلة المغربية خلال القرن التاسع عشر”، مستويات السرد، عن دار الأهلية للنشر والتوزيع سنة 2006.
قد يُظلمُ مودن إذا جرى الكلام عنه فقط استنادا إلى ما قدّمه في هذه الأطروحة التي وصفها الباحث عبد النبي ذاكر بـ “القيمة”[4]، ذلك لأنّه لم يكتف بدراسة الرحلة وتحليل نصوصها في أعماله النقدية اللاحقة، ومنها “أدبية الرحلة” (1996)، و”الرحلة في الأدب المغربي” (2006)، بل اهتمّ أيضا بتحقيق نصوصها، وفي هذا السياق حقق “الرحلة التتويجية إلى الديار الإنجليزية للرحالة المغربي محمد الغسّال”، وقد نال بها جائزة مركز ارتياد الآفاق للأدب الجغرافي سنة 2013. ويعدّ هذا النّص الذي عاش مؤلفه (=محمد الغسّال) في القرن التاسع عشر، وُعرف بنشاطه السياسي والدبلوماسي في هذه الفترة التي تميزت بتزايد التكالب الأوروبي على المغرب، من بين النّصوص الرّحلية الأساسية التي اتجهت نحو الآخر أو الأجنبي، في وقت كانت فيه السّلطة السياسية تشجّع السفراء وكتّاب البعثات على تسجيل كلّ ما يتعلّق بمجتمعات الدول الأوربية من نظم سياسية واجتماعية.
في هذه القراءة التي نتأمل فيها منجز هذا الناقد العروبي الفذ، تستوقفنا جهوده النقدية في تجديد درس الرحلة، وإبراز موقعها في الدينامية التي ميزت الدراسات السردية بصورة عامة في الحقل النقدي المغربي، وهي جهودٌ تظلّ، بلا أي تزيّد، ذات قيمة كبيرة بحكم انشغال صاحبها بإنجاز دراسات نسقية، تروم قراءة الرّحلة عن قرب، والقيام بنمذجة لنصوصها اعتمادا على مضامينها من جهة، وأدواتها الأدبية والفنية من جهة ثانية.
من أهمّ المشاريع النقدية التي أسهمت في تغيير وجهة الدرس الرحلي، بالانتقال من الاهتمام بمحتويات ومضامين الرّحلة إلى الانشغال بسؤال أدبيتها وطبيعة خطابها، والبحث في مغامرة الكتابة بالكشف عن مختلف المكونات السّردية واللغوية”وإذا بحثنا في كتبه عن الدوافع التي وجّهته إلى اختيار هذه الزاوية في درس الرّحلة، لوجدنا أنها تكمن ليس فحسب في كون الرّحلة كانت تُمثلُ نصّا بدون هوية، مائعا في مجموعة من النصوص السّابقة واللاحقة، وإنما أيضا في كون الأبحاث التي تناولت الرحلة من زاوية الموضوع أو انشغلت بالبحث في البعين التاريخي والجغرافي لم تعد، على أهميتها، تَستجيبُ للأسئلة المعقّدة التي ما فتئ الشرط الخاص بهذا الشكل التعبيري يطرحها على القراء والدارسين، بالنظر لما يميز بنيته من مرونة وانفتاح، وقدرة على امتصاص نصوص مختلفة، بحيث يحاورها الرحالة أو يحاكيها باروديا. وعليه، فهذا السياق النّقدي المطبوع بشروط منهجية خاصّة لم تعد ملائمة لفهم الخصوصية التي ينطوي عليها هذا الجنس الأدبي الذي استند في نشأته إلى تراث أدبي واسع يُشكّلُ فيه السّفر حجر الزاوية، وانطلق منه ليشقّ طريقه بنفسه، ويَفرضَ أسلوبه الجديد في وصف البلدان[5]، هو الذي ألهم الناقد إلى توجيه البوصلة نحو العناية بخصوصية الكتابة في أدب الرّحلة، والانكباب على بحث البنية المهيمنة فيها، وهي بنية السّفر التي تلقي بظلها الكثيف على مجموع مكونات الرحلة؛ السردية والتمثيلية والدلالية.
لعلّ ما زاد من فرادة منجز الباحث هو اهتمامه بدراسة نصوص رحلية عديدة، تتميز بانتمائها لأنماط مختلفة على اختلاف موضوعاتها “الحجية أو الزيارية، الداخلية أو الخارجية، الواقعية أو المتخيلة فضلا عن أنماط أخرى تَقتربُ أو تبتعد عن المتن الرحلي مثل الدليل والاستطلاع”.[6] ولما كانت الدراسات السابقة للرحلة تركز على البلاغ دون الإبلاغ، فقد انعطفَ مدفوعا بوعي عميق بضرورة الإنصات إلى صوت النصّ الرّحلي، نحو استكشاف المكونات السردية والتخييلية التي تعطي المشروعية للتعامل مع الرحلة بوصفها كتابة أدبية. ومن خلال التحليل النصي المحايث الذي لا يُهملُ الأبعاد الدلالية والثقافية للرحلة، استطاع مودن أن يحمل إلى نقد الرّحلة نبرة جديدة هي نبرة القطع مع القراءات البرّانية الخارجية، وأن يتجه إلى درس العناصر التي تَجعلُ نص الرحلة يتقاسم مع نصوص أخرى، شفهية أو مكتوبة، مقومات الانتساب إلى الأدب باعتباره ممارسة ثقافية متجذرة في البنية الاجتماعية والثقافية لمجتمع الرحالة. ورغم الحضور المهيمن للهاجس الأدبي في مقاربات الباحث، فإننا نجده في أعماله يُجادلُ بأن الرّحالة الذي يصدر في نصه عن تجربة واقعية أو افتراضية، لم يكن أبدا بمنأى عن شرطه الاجتماعي والثقافي. وعليه، فبالإضافة إلى المتعة الذاتية التي يحققها من وراء تدوين رحلته، فهو يرمي كذلك إلى التعبير عن التنوع الثقافي والقيمي، جاعلا من كل ذلك منفذا لاستجلاء رؤية العالم التي يرمي إلى إبرازها. وهذا ما يعزّزه قول الباحث التونسي الطاهر لبيب: “ولمّا كان الخطاب حول الآخر هو، أساسا، خطاب حول الاختلاف، فإن التساؤل فيه ضروري حول الأنا أيضا، ذلك أن هذا الخطاب لا يقيم علاقة بين حدّين متقابلين، وإنما علاقة بين آخر وأنا متكلّمة”[7].

شدّد عبد الرحيم مودن في قراءته للرّحلة على أن السفر في تاريخ الرحلات العربية الإسلامية له وجهتان: وجهة الدين حيث تَتقصدُ الرحلة إلى رسم مسارات الحياة الأخرى؛ وفي هذه النصوص الحجية أو الحجازية، الزيارية والصوفية يَحضرُ المكون الديني بقوة، ويغدو النواة الرئيسة التي تتمحورُ حولها مقاصدُ الرحالة. ثم وجهة الدنيا حيث ترسم الرحلة مسارات الحياة الدنيا. وما يميز هذه النصوص هو ارتباطها بالحياة، حيث يَتداخلُ الجدّ بالهزل، والواقعي بالخيالي، والحقيقي بالأسطوري من أجل تجسيد منظور الرحالة إزاء الأمكنة والتقاليد ومختلف الناس الذين يحتك بهم أثناء السفر.
واعتمادا على هذا التمييز، ينبري الناقد إلى تقديم نمذجة للرحلة يُمكنُ بسط مقترحاتها كما يلي:
1. وجهة الدين:
يكمن أهمية ما يحمله المسعى المودني في ميدان الدراسات الرحلية، في المقاربة الجديدة لبعض أنماط الرحلة الدينية خاصة، الحجازي أو الزياري والصوفي، متجاوزا بذلك المشاريع السّابقة التي لم تميز بين هذه الأنماط بسبب انصرافها إلى العناية بالموضوع فقط. ومن مميزات المقاربة التي يقترحها نهوضها بمعالجة المتن الرحلي انطلاقا من موقع المتلقي للموضوعة الدينية المهيمنة في هذه النصوص، مستفيدا كذلك من المناهج النقدية الحديثة من أجل الاقتراب أكثر من طبيعتها الأدبية. ولما كان الموضوع الديني ليس حكرا على هذه النصوص وحدها، وإنما يَتحققُ في نصوص أخرى: شعرا ونثرا وكتابة وشفاها، فإنه سَيكونُ على الدّارس الذي يتقصّد إلى الكشف عما يفصلُ بين هذين النمطين، أن يبحث عن عناصر أخرى يستطيع معها بلورة فهم أعمق واقتراب واع يتخطى المضمون ليلامس البناء النصي بتركيباته المعقدة، ودلالاته وإيحاءاته اللانهائية.

وبالاستناد إلى هذا الفهم، يَستخلصُ مودن أن الرحلة الحجازية أو الحجية تتميز بالهيمنة الواضحة لبنية السفر، وبالهدف الدّعوي الذي يؤكده حضور المناسك العاكسة للدلالات البعيدة والقريبة للفعل الديني. إن الرحلة بهذا المضمون الديني الذي يؤثثُ مشاهدها، إنما تغدو نصا للوعظ والإرشاد والتأويل والدعوة للتعبّرِ. وإذا كان البعد الفقهي يلقي بظلال لغة المنطق والحِجاج على نص الرحلة الحجازية، فإن هذا البعد لم يكن حائلا أمام الرحالة ليطلق العنان لمشاعره وأحاسيسه حيث تحضر لغة ذاتية، يتقاطع فيها الشعري بالنثري، والسردي بالوصفي، والفردي بالجماعي. ويتبيّن بالتالي، أن الرحلة الحجازية بما أنها تنتمي إلى مرجعية مشتركة شيدتها قوافل الحجيج عبر العصور المختلفة، فإن نصها يتميز بخاصية التناص أو تداخل النصوص. “فكل رحلة حجية تحيل على رحلات سابقة من خلال السند والإسناد، وهذه السجلات لا تخصُّ الأموات بل تصدق أيضا على الأحياء الذين يقدمون الخبر، إفادة ومحكيات، للرحالة على طول امتداد الطريق نحو الحج. (مودن، ص20) لا شكّ أن هذا التداخل بين النصوص والمحكيات والأخبار، يَجعلُ الرحلة الحجازية تتميز سرديا باللاخطية. فرغم قيامها على الذهاب والإياب، وهو ما يصرّ الرحالة على التصريح بتاريخه خاصة التاريخ الهجري، فإنّ السرد يخضع لهواجس الرحالة ومخاوفه، فيتداخل الماضي بالحاضر، ” الهنا” بـ “الهناك”. ويفسّر هذا البناء النصي “انتشار أسلوب الاستطراد -معرفيا وأدبيا-الذي يتوقف عند المحطات السابقة الصغيرة لإيقاع السرد، ويفسر أيضا طغيان ظاهرتي الإطناب والاستطراد في الرحلة الحجية. فالإطناب يعود إلى سيطرة النزعة التعليمية من خلال تكاثر المرئيات، أو الموصوفات من جهة، ومن خلال تشغيل ذاكرة الرحالة – من جهة ثانية-عن طريق استدعاء محفوظاته ومعارفه تعميما للفائدة أو إضاءة لما يرويه”. (مودن، ص20-21).
تلتقي الرحلة الزيارية مع الرحلة الحجية في الموضوع الديني، غير أنها تتميز بقيامها على المتلقي الثابت، وهو الولي الصالح أو صاحب المزار، أما شخصية الزائر فهي متجددة ومتنوعة، دون أن يعني ذلك أن السّرد يتسم بالتعدد. لا يكفّ السرد في الرحلة الزيارية عن أداء وظيفتين: فهو من جهة وسيلة لتقديم خطاب وظيفي يرسم فيه المرسل صورة دقيقة للمكان بحدوده وأشيائه وأعلامه. ومن جهة أخرى، فهو يجمع بين الارتحال وطقوس ممارسة الزيارة. وبهذا المعنى يغدو السرد في هذا النمط من الرحلة تذليلا لمصاعب الطريق: طريق الوصول وطريق الانتماء إلى المكان أو الفضاء. (مودن، ص104) إن هذا الاهتمام بالسرد هو الذي جعل النص الزياري يقترب من نصوص أخرى تقدم خرائط سردية واضحة للمكان بتفاصيله وتعدد عناصره ومستوياته ومنها: الحرْكات المخزنية. غير أن هذا التفاعل بين الزياري ونصوص الرحلة، لا يخفي اختلافا وتفردا مردّهما أن السّرد في النص الزياري يظل، في تفرعاته وتموجاته واستقصاءاته، خاضعا لتأثير شخصية صاحب الضريح “الذي تحول مكان دفنه إلى مركز إشعاعي يضيء الأمكنة السابقة على المزار والأمكنة التالية عليه”. (مودن، ص104).
إذا كانت الرحلة الزيارية تمحض الاهتمام بالعالم حيث ترصد تفاصيل الأمكنة التي يعاينها الرحالة في طريقه إلى المزار، فإن الرحلة الصوفية تقوم على هدف مركزي وأساس؛ يتمثل في رصد الذات ومتغيراتها، ومن ثم فالخطاب يتجه إلى هذه الذات قبل مخاطبة الآخر. واستنادا إلى هذه الخاصية، يقوم النص الرحلي الصوفي على التوازي بين السارد والمتلقي، بل إنهما يصيران شخصية واحدة. يرصد مودن مظاهر هذا التوازي كما يلي: مظهر الفعل حيث الرسالة السردية وإن كانت تنطلق من الذات باتجاه الذات، فإنها لا تتطابق معها في الغالب، وإنما قد تدخل معها في تعارض وجدل. وهذا ما تظهره نصوص بعض المتصوفة كالغزالي والنفري وابن عربي. وبالاستناد إلى هذا المظهر تبدو الرحلة الصوفية رحلة ديالوجية(dialogique)، لكن هذا الحوار لا يرقى إلى تلك الحوارية التي ألمعت إليها تحليلات الباحث الرّوسي ميخائيل باختين، ما يعني أن البعد المهيمن في هذه الرحلة هو البعد المونولوجي(الصوت الواحد)، فالخطاب فيها لا ينطلق من “أسفل” إلى ” أعلى ” مثل الرحلة الزيارية، وإنما من الذات إلى الذات وذلك بقصد التموقع. وعليه، فما يعمق هذه المونولوجية هو مظهر التناوب بين المرسل والمتلقي.

ذلك التناوب الذي “يرسخ الطابع المونولوجي عبر لعبة التناوب القائمة على معاناة الذات متوزعة بين العقل والعاطفة، الأخلاق والأهواء، العقل والنقل، القيم والنفعية “. (مودن، ص106) وإذا كان الرحالـة الصوفي يلتقي مع “الولي الصالح” في الرحلـة الزياريـة في “اللازمنية”، فإنهما يختلفان في الأبعاد والدلالات المتحققة عنها. فبينما تمثل لازمنية “الولي الصالح ” في النص الزياري خلاصا جماعيا، بحكم أن “الولي” جزء من الجماعة، فإن الصوفي غالبا ما يأخذ من الرحلة الزيارية فكرة الخير، الذي يتجسد من خلال “الخلاص الفردي”. وكما يَختلفُ النصان على مستوى الزمن، يختلفان أيضا على مستوى المكان. ففي النص الأول يتحدد المكان بكونه الفضاء الذي يدفن فيه “الولي الصالح”، أما في النص الصوفي، فإنّ المكان غير محدد الملامح، بل يأخذ بعدا مجازيا، ولذلـك فإن أسماءه مستوحاة من أسمـاء النعيم والجحيم الأخـرويين. ومن الواضح أن المقدس يَنهضُ في هذه النصوص الرحلية بتأدية جملة من الوظائف أهمها؛ أنه لم يعد محصورا في الجانب الديني، بل امتد للتعبير عن الهوية الثقافية كما يتحقق ذلك في نماذج من الرحلة السفارية. وبحكم الانتقال شرقا وغربا، فإن الرحلة المغربية استثمرت هذا المقدس بدافع مواجهة الغريب والعجيب القادم مع الحداثة. وبذلك غدا المقدّس معيشا يوميا، وليس ممارسة محصورة في الزوايا والأضرحة والقبب. (مودن، ص152).

2. وجهة الدنيا:
اهتمّ الأستاذ مودن كذلك بدرس مجموعة من الرحلات المغربية انطلاقا من جوانب متعددة: كالسرد والسارد في رحلة ابن بطوطة، والمكان في الرحلة المغربية، والمتخيل والمقدس والعلاقة مع الآخر. فماهي خصوصية الرحلة الدنيوية بالقياس إلى الرحلة الدينية؟

“إذا كانت الرحلة الزيارية تمحض الاهتمام بالعالم حيث ترصد تفاصيل الأمكنة التي يعاينها الرحالة في طريقه إلى المزار، فإن الرحلة الصوفية تقوم على هدف مركزي وأساس؛ يتمثل في رصد الذات ومتغيراتها”
يتبيّن من خلال القراءة الاستكشافية التي أنجزها الباحث للنصوص الرحلية المندرجة ضمن وجهة الدنيا أن هذه النصوص تتميز، فضلا عن الخصائص الفنية والسردية، بالموضوعات التي كانت تستأثر باهتمام الرحالة، وتشده إلى جزئياتها وتفاصيلها. ومن أهم هذه الموضوعات؛ العلاقة بالآخر بما تنطوي عليه من توترات أو توافقات. ومعروف أن هذه العلاقة شكلت بؤرة السرد في الرحلة المغربية بحكم الموقـع الجغرافي للمغـرب والمتاخم للقارة الأوروبية. وما يستخلصه مودن من اشتغاله على هذا النمط من النصوص هو أن الرحالة المغاربة لم ينظروا للغرب في الفترة الحديثة في سياق تحولاته الاستعمارية، وإنما كانوا يعنون برصد عناصر التحديث فيه دون التماهي معه كليا، لأن التحفظ الديني كان يظل قائما. وبحكم هذه العلاقة، تميز خطاب الرحلة المغربية المتجهة غربا بمجموعة من المقومات منها، أولا، حضور عنصر المقارنة بين القديم والحديث. في هذا السياق يرى الباحث أن الرحالة يُمارسُ نوعا من الوصف المقارن يُظهرُ جوانب مختلفة من المدنية الغربية، داعيا في الوقت ذاته إلى الاستفادة منها من أجل تجاوز البنى التقليدية في مجتمعه. إن هذه المقارنة التي كان ينجزها الرحالة المغربي ألقت بظلها على لغته فجاءت مطبوعة، وهذا هو المقوم الثاني، بالمفارقة بين الوجدان والعقل. ولما كانت الرحلة المغربية المتجهة نحو الغرب حديثة قياسا إلى رحلات قديمة مثل رحلة ابن فضلان، ويحيى الغزال، وابن بطوطة، فإن الرحالة المغربي تميز معجمه بالحداثة، حيث يَستعملُ مفردات بدل أخرى: “الأوطومبيل” عوض “العربة” و”القطار” عوض “بابور البر” و”الطائرة” والأسماء الأخرى مثل “سكة الحديد” و”البلايا “، دون أن يعني ذلك انفصالا كليا عن وجدان الرحالة. فارتباطه بالماضي وحنينه للذاكرة كثيرا ما يعبر عن نفسه من خلال استحضار الأندلس بذلك الحنين المخالط بالحزن والتأسّي. (مودن، ص155)
لنقل إن هذا الوصف المقارن الذي ينصب على التاريخ والمكان والعادات والتقاليد، هو الذي جعل مودن يذهب في تحديده لهذه الرحلة نحو الآخر بكونها رحلة المعرفة من جهة والحوار من جهة أخرى، خاصة وأن الرحالة يَخوضُ سجالا بين ثقافته وثقافة المُرتَحَلِ إليهِ، بين الأنظمةِ الفكريةِ والوجدانيةِ والأنظمةِ المُضادّةِ. وبهذا المعنى تكون الرحلة المغربية نحو الغرب استجابة للذات الجماعية قبل أن تكون تعبيرا عن تجربـة ارتحالٍ فرديـةٍ. فالغـرب بوصفـه آخرَ يظل فيها “موضوعا دائما للـرصد ومتابعـة الجزئيات المختلفـة سـواء تعلق الأمر بالحياة اليوميـة، أو-من جهـة أخـرى-تعلـق ذلـك بمظاهـر القـوة العسكريـة -والاقتصادية لدول الغرب “. (مودن، ص159)

على غرار النصوص العربيةِ القديمة والحديثةِ، انبرت الرحلةُ المغربيةُ خلال القرنِ التاسع عشر إلى استثمارِ المتخيلِ للتعبير عن رؤية أو موقف إيديولوجي من مجموعة من القضايا التي تأخذ باهتمام الرحالةِ. والمتخيلُ ها هنا لا يحضر بوصفه خطابا مفارقا للواقع، وإنما هو بنية للتعبير عن هذا الواقع بشكل أعمق وأقوى. إنه، كما يقول الناقد البحريني نادر كاظم، ليس مجرد صُوّرَ وأوهامِ، وإنما هو كذلك ذاكرة الجماعة وخزان هائل للرموز والصور والتيمات والمرويات والخطابات والقيم التي هي بمثابة الإطار المرجعي لهوية المجتمع[8]. ومن بين الرحالة الذين استثمروا الخيال بن المؤقت المراكشي في رحلته الأخروية التي شكلت محضنا هاما للمتخيل. ويرى الباحث مودن أن هذا الرحالة استقدم المتخيل من النصوص والمرويات العربية القديمة التي اطلع عليها، واستطاع أن يستفيد منها في “تحويل هذا الرصيد إلى مقاربة إصلاحية جديدة يستثمر فيها المتخيل إلى أقصى مداه تحقيقا لهذا الهدف -الهدف الإصلاحي -المركزي.[9] وبالرغم من حضور المكونات التراثية بقوة ضمن نسيج هذا النص، فإن إدراجه ضمن الرحلة هو الذي يفسّر الهيمنة التي تكتسيها بنية السفر، إذ تخضع لها كل العناصر النصية الأخرى. ولذلك كانت مقصدية الكاتب من وراء ذلك كله، ماثلة في “الرغبة في تأسيس فضاء عادل لمحاكمة أهل الأرض، بل إن هذه الأخيرة أصبحت مثوى لكل فساد، وما على أصحاب النفوس الطيبة إلا انتظار القَصَاصِ. ولعل تحويل العالم الأخروي إلى محكمة عريضة لا أول ولا آخر، لمحاكمة المذنبين هو محاولة لاستخدام آخر الأسلحة المتوفرة في جعبة المصلح أو صاحب النص”. (مودن، ص140)

إن طموح الباحث إلى إنجاز التقصي المطلوب في أدب الرحلة مستفيدا من حواره العميق مع تيارات نقدية متعددة، يبدو جليا من خلال حرصه على توسيع المفهوم عن الرحلة من مجرد كونها نصا يوثق الارتحال من مكان إلى آخر، إلى كونها نوعا أدبيا له مكوناته البنيوية والأدبية ووظائفه النصية والاجتماعية، إن هذا الطموح النظري والنقدي لم يقتصر فقط على الاشتغال على الأنماط المختلفة للرحلة من حيث خصوصية الكتابة فيها، وكذلك المتخيل بما يحفل به من معطيات أدبية، وإنما اتسع لينحو بالمقاربة باتجاه تفكيك العلاقات بين الرحلة وغيرها من أشكال التعبير الأخرى -شفهية أو مكتوبة-والتي تلتقي معها في حضور بنية السفر. ومن هذه الأشكال نجد الدليل والاستطلاع. وإذا كان الدليل والاستطلاع يلتقيان مع الرحلة في الارتباط بالمكان والاستناد إلى السفر، فإنهما يختلفان عنها في جوانب أخرى، وهو ما يتعيّن أخذه بالاعتبار عند أي قراءة لنصوص من هذا النوع. وارتباطا بالدليل يرى عبد الرحيم مودن أن السرد فيه يَنهضُ على عنصر الإخبار قبل أن يتأسس على تقنيات السرد المتوفرة في النصوص الأخرى. ولهذا ينحو الدليل نحو التكثيف والاختزال والمباشرة. وهي مقومات أسلوبية تنبع من كون بنية السفر فيه خاضعة لقصدية صاحب الدليل فردا كان أو مؤسسة. وبحكم هذه القصدية، يَستفيدُ الدليل أيضا من الصور، ويستثمر الخرائط والتاريخ كما يستفيد من العجيب والغريب، وذلك من أجل تحقيق الغاية من استعماله، والمتمثلة في “دفع المتلقي لاستهلاك هذا المنتوج عن طريق الارتحال أو السفر إلى هذه الأمكنة”. (مودن، ص75) ولا شك أن هذه المقومات البنائية التي يقوم عليها الدليل، تجعله أقرب إلى الاستطلاع منه إلى الرحلة. فالاستطلاع وإن كان يتقاسم مع الرحلة والدليل حضور بنية السفر، فإن ارتباطه بالجهة الساهرة على إنجازه، يجعله خطابا مُرتَهَـنًا للبعد الإخباري. وعليه، فالحكي مهما تنوع أو تعدد، فإنه يبقى حريصا على تقديم ما هو هام، فضلا عن أفقيته التي تتقصد إلى إنجاز المهمة الاستطلاعية من بداية إلى نهاية محددتين. وعلى هذا الأساس يستنتج الباحث أن السرد في الاستطلاع والدليل وسيلة لا غاية بخلاف الرحلة “التي تقوم على إعادة اكتشاف المكان عن طريق السرد إلى الحد الذي يصبح فيه المرتحل، إذا لم يكتب رحلته، مجرد مسافر. وفي حالة كتابته لرحلته يصبح رحالة جديرا بهذا الاسم بعد أن جمع بين رحلة الجسد ورحلة الكتابة، هذه الأخيرة التي سمحت له بالارتحال -من زوايا مختلفة-في الأمكنة والفضاءات المتعددة “. (مودن، ص77)

من المؤكّد أن القراءة التي أنجزها المرحوم عبد الرحيم مودن لنصّ الرحلة، وهو نص جامع بالمعنى الذي أشار إليه جيرار جينيت في كتابه الذي يحمل هذا العنوان[10]، تتميز بكونها مساهمة راسخة، وذات قيمة علمية. ورغم أنها ليست القراءة الوحيدة التي نحت هذا المنحى الاستكشافي لنصّ الرّحلة، فإن ما تميز به هذا الأديب من موسوعية، واطلاع على التراث، ومعرفة عميقة تتغذى من شغف لا حدود له بالمجال الذي اشتغل به واهتمّ بالتفكير فيه، كل ذلك جعل جهوده في الدّرس والتحليل تَحفلُ بإمكانيات هائلة لتعميق الوعي بالرّحلة من حيث الهوية الأجناسية، والأنماط، وأيضا من حيث أدبية أو سردية الرّحلة، فضلا عن المتخيل بوقائعه وأحداثه التي تخرق العادات المألوفة، وتصيب المتلقي بالتردد والحيرة، وتلقي به في دهاليز العوالم غير الطبيعية. وعليه، نعتقد أن ما يقدّمه منجز هذا الباحث من إضاءات عميقة عن نصّ بقدر ما “كان ميدانا فسيحا للمغامرة الأنطولوجية، كان أيضا، ميدانا خصبا لمغامرة الكتابة التي ترسخ شكلها عبر تراكمات النص”[11]، يجعلنا نستذكر قولته المعروفة في مقدمة كتابه “الرحلة في الأدب المغربي”، والتي يرى فيها أن ميدان “الدراسات الرحلية ما يزال في حاجة شديدة إلى معالجات علمية متعددة تنظرُ في بناء هذا المتن، ومستويات إبلاغه للقارئ أو المتلقي. ولم يعد كافيا – وهو أمر لا يخلو من أهمية أدبية وتاريخية -الحديث عن موضوعات الرحلة من جهة، أو عن – من جهة ثانية – كمِّها الكبير في الأدب العربي عامة، والمغربي خاصة، بل أصبح الحديث عن هذين الجانبين ضرورة لمعالجة أدبية هذا المتن في خصوصيته السردية وتقاطعه، من جهة ثالثة، مع أنماط السرد الأخرى الموازية لوجوده النصي”.[12]

مراجع:
[1] – عبد الرحيم مودن، الإرث “السّبعيني” في القصّة القصيرة عند كتاب الحساسية الجديدة، مجلة الآداب، ملف الأدب المغربي، العدد الأول والثاني، يناير – فبراير 1995، ص122.

[2] – عبد النبي ذاكر، الرحلة العربية إلى أوروبا وأميركا والبلاد الروسية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، منشورات السودي، الإمارات العربية المتحدة، أبو ظبي 2005، ص18.

[3] – من بين النقاد المغاربة الذين بادروا إلى إحداث تغيير ملموس في حقل دراسات الرحلة ضمن أفق نقدي ومقارن بعد الجهود التي قام بها مجموعة من الأساتذة الرواد في ميادين التحقيق والتأريخ والفهرسة، يمكن التفكير على سبيل المثال بعبد الجليل الحجمري، سعيد علوش، عبد النبي ذاكر، سعيد يقطين، شعيب حليفي، الطائع الحدّاوي، بوسيف لواسطي، سليمان القرشي، أحمد بوغلا، بوشعيب الساوري، إبراهيم الحجري، خالد التوزاني…إلخ.

[4] – عبد النبي ذاكر، الدرّاسات الرّحلية المغربية بين سنتي 1898-1998، مجلة الثقافة المغربية، العدد 16، ماي 2000، ص153.

[5] – صالح المغيربي، أدب الرحلة في الغرب الإسلامي من القرن الثاني عشر إلى القرن الرابع عشر، ترجمة أحمد طرشونة، المركز الوطني للترجمة، تونس 2013، ص23.

[6] – عبد الرحيم مودن، الرحلة في الأدب المغربي، دار أفريقيا الشرق، الدار البيضاء 2006، ص6.

[7] – الطاهر لبيب، في: صورة الآخر: العربي ناظرا ومنظورا إليه، تحرير الطاهر لبيب، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1999، ص21.

[8] – نادر كاظم، تمـثيـلات الآخر، صورة السود في المتخيل العربي الوسيط، المؤسسة العربية للدراسات والنشر – وزارة الثقافة ، البحرين ، 2004 ، ص15.

[9] – عبد الرحيم مودن، الرحلة في الأدب المغربي، م م، ص130.

[10] – جيرار جينيت، مدخل لجامع النص، ترجمة عبد الرحمن أيوب، الطبعة الثانية، سلسلة المعرفة الأدبية، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء 1986.

[11] – عبد الرحيم مودن، مستويات السرد في الرحلة المغربية خلال القرن التاسع عشر، أطروحة دكتوراه تحت إشراف الأستاذ أحمد الطريسي أعراب، كلية الآداب- الرباط، السنة الجامعية، 1994-1995.

[12] – مودن: مستويات السرد، ص5.

*باحث من المغرب

عنوان الكتاب: أدبية الرحلة المؤلف: عبد الرحيم مودن

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This