بداية التّخلص من مبدأ الخلاص

تحيل فكرة الخلاص إلى وجود عالم آخر، سيكون إمّا هنا الآن، أو هناك غدا، أو هنالك بعد غد، وسيكون خاليا من المرض والموت والألم وأسباب الشّقاء كلّها. يتعلّق الأمر بحلم كامن في أعماق الوجدان البشريّ، صاغته الأساطير القديمة بأسلوب ملحمي، وأعادت صياغته معظم الدّيانات بأسلوب تبشيري، ثمّ حاولت بعض الفلسفات بدورها إعادة صياغته بأسلوب برهاني، وبنحو مُعَلمن أحياناً وشبه مُعَلمن أحيانا أخرى. لكنّ الأمر لا يتعلّق بحلم طارئ يسهل تبديده بالحجّة والاستدلال، بل نابع من إحساس غريزي بوجود عدالة سريّة تسري في الحياة والعالم والكون، قادرة على إعادة الأمور إلى نصابها سواء طال الزّمن أم قصر، وقادرة كذلك على إعادة توجيه الحوادث والأحداث نحو نوع من “النّهايات السّعيدة”. فمهما كثرت الآلام والمآسي والعذابات الّتي تملأ الأرض منذ بدء الحياة، ومهما عظمت الكوارث الّتي تملأ الكون منذ الانفجار الأعظم، فإنّ المنحى الإجمالي يجعل الأمور على ما يرام، بحيث لا تمثّل المآسي والكوارث سوى اختلالات ظرفيّة وأحيانا ضروريّة لأجل حفظ النّظام الكونيّ المحكوم منذ الأزل بالخير والكمال.

لكن ما الّذي يضمن تحقّق “النّهايات السّعيدة”؟

يمكننا أن نستحضر ثلاث فرضيات مختلفة: أوّلاً، هناك عناية إلهيّة عادلة وقادرة على إقامة الحقّ مهما طالت المآسي؛ ثانياً، هناك قانون طبيعي عادل وقادر على إعادة التّوازن مهما طالت الاختلالات؛ ثالثا، هناك منطق تاريخي عادل وقادر على إعادة توجيه البوصلة نحو التّقدم مهما طال الزّمن. وهذه الفرضيّات قادرة في مجملها على ضمان مواصلة “الحلم العظيم”، سواء باسم الأسطورة، أم الدّين، أم العلم.

علاوة على ذلك كلّه فإنّ التّركيب ممكن، بحيث قد تجتمع العناية الإلهيّة مع القانون الطبيعيّ وفق التّركيب الّذي تبنّاه روسو وأطلق عليه اسم “العناية الإلهيّة”، وقد تجتمع العناية الإلهيّة مع القانون الطبيعيّ ومنطق التّاريخ وفق التّركيب الّذي تبنّاه هيجل وأطلق عليه اسم “روح العالم”، وقد ينفصل قانون الطّبيعة ومنطق التّاريخ عن العناية الإلهيّة كما هو الحال في التّجربة الماركسيّة، بحيث تتّخذ النّزعة الخلاصيّة طابعا معلمنا. غير أنّ المشترك في هذه الفرضيات جميعها هو الاعتقاد بوجود نوع من المعقوليّة الموضوعيّة الّتي تسري في نظام الأشياء أو الأحداث، وتجعل الأمور على ما يرام، ولو إجمالا، أو آجلا، أو في أحد العوالم الممكنة.

على أنّ الديانات قد منحت لنزعة الخلاص بُعداً ماورائياً واسعا، لجأ إليه بعض فلاسفة الأمل بدورهم لإنقاذ فكرة الأمل والخلاص، على منوال مسلمة خلود النّفس لدى كلّ من روسو وكانط، وبحيث تبدو مآسي الأرض بأسرها كأنّها لا تساوي شيئا مقارنة بالحياة الأبديّة بعد الموت، والّتي سينعم فيها الأخيار والأبرياء بالسّعادة الأبديّة.

غير أنّ مبدأ الخلاص قد لعب دورا أساسيا في صناعة أحداث التّاريخ، وهو ما يستدعي بعض التّوضيح:

حين يتعلّق الأمر بالأحداث الّتي تصنع التّاريخ، هناك صنفان من الأحداث: هناك من جهة أولى، أحداث الحروب والمعارك والثّورات والفتن والّتي تعبّر عمن ما يسمّيه فرويد بدوافع الهدم والموت (الثاناتوس)؛ وهناك من جهة ثانية أحداث البناء والعمران والإبداع والابتكار والّتي تعبّر عن ما يسمّيه فرويد بدوافع الحبّ والحياة (الإيروس).

الصنف الأوّل من الأحداث والّذي عادة ما يتمّ التّركيز عليه في دروس التّاريخ، غالبا ما يحرّكه مبدأ الخلاص. كيف ذلك؟ لا شيء يدفع الإنسان إلى أن يقاتل بشراسة غير اليقين بأنّ القتال لن يطول، وسيعقبه خلاص عظيم يطول. والواقع أن لا أحد باستطاعته أن يقاتل بشراسة في حرب تستغرق سنوات طويلة دون الشّعور بأمل عظيم ووشيك. لذلك كانت أشدّ الحروب شراسة هي على الدّوام تلك الّتي اعتقدت بأنّها ستكون الأخيرة قبل “السّلام العظيم”، “النّصر العظيم”، أو “الفوز العظيم”، أو أي بشرى عظيمة ووشيكة تحظى بقدر كبير من اليقين. إنّ أسوأ المعاناة الّتي تفاقمت على الدّوام هي تلك الّتي اعتقدت بأنّها تمثّل المعاناة الأخيرة، إنّما “النّصر صبر ساعة” كما يتردّد في بعض الأدبيات الجهاديّة، لكن تلك السّاعة عادة ما تكون جحيما انتحاريا يدمّر كلّ شيء من أجل لا شيء.

الصّنف الثّاني من الأحداث يحركه مبدأ الخيبة. على أنّ الخيبة -خلاف الانطباع السّائد- فإنّها عادة ما تكون خلاّقة أو فرصة للخَلق. لا ننس أنّ اللّحظات الّتي يقرّر فيها الملوك تشييد المدن العظيمة هي نفسها لحظات اليأس من أي أمل عظيم يقودون الجيوش إليه، ولذلك أيضا نفهم كيف أنّ جلجامش عقب استسلامه للخيبة بعد خسارة معركة الخلود، فكّر في إعادة ترميم أسوار مدينة أوروك لكي تصير أكثر جمالا ودواما. ولذلك أيضا نفهم حكمة فولتير على لسان (كانديد) الّذي بعد أن تحطّمت آراءه التّفاؤليّة في غمرة رحلاته الطّويلة، أطلق في نهاية الرّواية عبارته الشّهيرة: علينا الآن أن نحرث حديقتنا.

عادة ما تكون الخيبة خلاّقة، ويكون الخلاص مدمّرا في المقابل.

لماذا؟

يمثّل الاعتراف بالخيبة فرصة لإثارة دوافع الإيروس (الحبّ، التّسامح، الموسيقى، إلخ)، أمّا التّعلق بوعود الخلاص فغالبا ما يثير دوافع الثاناتوس (الغضب، التّعصب، العنف، إلخ). لذلك نفهم أيضا كيف أنّ اللّص لا يصبح مستعدا للموت في العمليّة، إلاّ لحظة استحواذه على الكنز؛ لأنّها لحظة امتلاك الأمل واليقين بأنّه سيعيش حياة الأثرياء!

الأمل!؟ يدرجه سبينوزا ضمن الأهواء الحزينة (الأخلاق)، ويدرجه فولتير ضمن الشّرور (مأساة ليشبونة).

اليقين!؟ يدرجه كارل بوبر ضمن عوامل العنف والقمع والتّعصب (المجتمع المفتوح وأعداؤه).

غير أنّ البعد الخلاصي كان على الدّوام ملازما للحضارات والسّياسات القديمة طالما كان الأمر يستدعي قدرا كبيرا من الاستعداد للتّضحية، ولأجل ذلك كان لكلّ مشروع بعدا خلاصيا ملازما له، متمثّلا في الأمل العظيم، والوعد الصّادق، واليقين المطلق، بأنّ الخلاص وشيك، لا سيّما حين يستدعي الأمر قدراً كبيراً من التّضحية.

بناء عليه يمكننا إعادة قراءة كثير من أحداث التّاريخ على المنوال التّالي:

يعكس الاستعمار نوعا من البعد الخلاصيّ للحداثة قبل أن تحاول التّحرّر منه بفضل جهود ما يسمّى بنزعة ما بعد الاستعمار، كما تعكس الستالينيّة نوعا من البعد الخلاصيّ للماركسيّة قبل أن تحاول التّحرّر منه بفضل جهود روّاد ما يسمّى بالماركسية الثّقافيّة، كما يعكس الإسلام السّياسي نوعا من البعد الخلاصيّ للإسلام والّذي يجب أن يتحرّر منه بدوره بفعل جهود ما يسمّى بالإسلام الإصلاحيّ.

تقوم الرّؤية الخلاصيّة على أساس أنّ عالما دون مآس هو عالم  ممكن، ولأجل تحقيقه قد نحتاج إلى بعض الإجراءات الضّروريّة، من قبيل الثّورة، أو المقاومة، أو الجهاد، أو الصّلاة، أو الأدعية، أو الدّعاية الانتخابيّة، أو غير ذلك من التّكتيكات، وإنّنا بذلك النّحو نساعد مشيئة الأشياء على أن تصبح الأشياء على ما يرام.

على ذلك الأساس تمتلئ الدّنيا بشعارات صاخبة من قبيل أنّ الفجر قادم، والنّصر قريب، وساعة الخلاص آتية، وما إلى ذلك من آمال قائمة على الاعتقاد بأنّ اتّجاه الأمور على ما يرام، طالما ذلك ممّا تضمنه العناية الإلهيّة، أو قوانين الطّبيعة، أو حتميّة التّاريخ. لكن رغم تلك الأماني العظيمة إلاّ أنّ تعاقب الأيّام يعلمنا أنّ اللّيل الزّائل يعقبه نهار بدوره يزول، وتعلّمنا الحياة أنّ في كلّ حبّ كبير هناك قدر كبير من الكراهيّة الّتي تنفجر بين الفينة والأخرى، وتعلّمنا السّياسة أنّ في كلّ قوّة عظيمة هناك قدر عظيم من الهشاشة الّتي قد تنكشف بنحو مفاجئ، وتعلّمنا إدارة المؤسّسات بأنّ الجهد الأكبر الّذي يبذله المدراء يتعلّق بتدبير الأزمات وانعدام اليقين، كما يعلّمنا التّاريخ أنّ كلّ الثّورات مغدورة في كشف الحساب النّهائيّ. لكن ما القول عن الثّور الفرنسيّة مثلا؟ حين تنجح ثورة بعد أزيد من مئة عام من الحروب الأهليّة، والرّعب، والإرهاب، وتكون منذ اللّحظة الأولى قد قتلت بنفسها وباسمها وبمقصلتها خيرة قادتها وأبنائها، فمعنى ذلك أنّ الّذي نجح تحديداً هو الجيل الّذي جاء بعد مئة عام عن فشل الثّورة، ولم ينجح إلاّ لأنّه قرّر أن يطلق فكرة الخلاص الثّوري، لأجل بناء جمهوريّة جديدة بالمعطيات المتوفّرة، وبعيدا كلّ البعد عن عقيدة “الحلّ النّهائيّ”.

إنّ ما يميّز اللّحظة الرّاهنة من العالم، بصرف النّظر عن الإرهاب الانتحاريّ، والّذي كلّ ما يفعله أنّه يؤكّد ما ينوي إنكاره، هو انهيار الإيديولوجيات الخلاصيّة كافّة سواء في شكلها الفرديّ أم الجماعيّ، سواء في شقّها الوضعي أم الديني، وسواء في مظاهرها العلميّة أم الغيبيّة. وذلك بفعل ما يصطلح عليه ماكس فيبر بسيرورة نزع السّحر عن العالم.

غير أنّ الأمر يتعلّق بسيرورة لا تزال متواصلة. لذلك قد نلاحظ في بعض الأحيان وجود أثر باهت للنّزعة الخلاصيّة لدى بعض فلاسفة الخيبة، وأقدم مثالين في هذا الباب:

-المثال الأوّل، يمثّل نيتشه أحد أبرز فلاسفة الخيبة، إلاّ أنّ حماسته الشّديدة لفكرة الإنسان المتفوّق، ولفكرة العود الأبدي ضمن أحد مستويات تأويلها، تحتمل نوعا من التّوظيف الخلاصيّ.

-المثال الثّاني، يندرج لوك فيري بدوره ضمن فلاسفة الخيبة بالمعنى الإجماليّ، إلاّ أنّ حماسته القويّة لفكرة “الإنسانيّة المتحوّلة”، ولفكرة “حبّ الأبناء”، قد تحتمل شكلا من أشكال التّوظيف الخلاصيّ.

معنى ذلك أنّ التّخلص من الخلاص يمثّل سيرورة متواصلة، ومتخلّصة بدورها من “عقيدة الخلاص”.

لقد تخلّصت الفلسفة اليوم، إلى حدّ بعيد، من البعد الخلاصيّ الّذي جعلها خلال العقود السّابقة منحازة إلى روسو على حساب فولتير، إلى هيجل على حساب شوبنهاور، إلى سارتر على حساب كامو، وجعلها تقرّر أن تكون بداية الفلسفة الحديثة مع ديكارت في أوائل القرن 17 بدل مونتين في أواخر القرن 16، وجعلها تهمّش الفلسفة الرّومانيّة جملة وتفصيلا. غير أنّ الملاحظ كذلك أنّ الفلسفة بعد أن تخلّصت من البعد الخلاصيّ فإنّها راجعت تاريخها مجدّدا، ثمّ ساهمت في تخليص العقل المعاصر من “عقيدة الخلاص”، أو هكذا تحاول.

خلال عصر ما بعد الخلاص، لم يعد دور الفلسفة أن ترسم للإنسان أي أمل عظيم بالخلاص، فقد اكتشفت بنفسها بأنّ كلّ أشكال الخلاص ليست سوى تعبير عن الرّؤية السّحريّة للعالم، ولو بلغة العلم والعقل بعض الأحيان.

فأي دور يبقى للفلسفة في عالم اليوم؟

الإجابة في كلمة واحدة: العزاء.

لكنّ العزاء هنا بمعناه الفلسفي، والّذي يمنح للإنسان شجاعة العيش في هذا العالم هنا الآن، دون التّعلق بأي أمل في عالم آخر، في مكان آخر، أو في زمن آخر.

لكن، ألا ينطبق مبدأ اللاّتوقع على “ما بعد الموت” أيضاً أو بالأحرى؟

هذا صحيح، لكن..

في سبيل العيش كلّ ما لا يمكن توقّعه يجب نسيانه.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

أضف تعليق

Share This