أفراح صغيرة خارج الحدود

الخميس 7 فبراير

الواحدة والنّصف بعد منتصف اللّيل، كلّ شيء على ما يرام، الجوّ خارج السّيارة الّتي تحملني إلى المطار يشعرني بفرح طفل، ينتظر لعبة يحلم بها منذ مدّة طويلة. حاولت أن أغمض عيناي، وأنام قليلا، فالطّريق نحو المطار تستغرق خمس ساعات متواصلة، لم أستطيع. فرحي يزداد كلّما تراءت أمامي صورة حبيبي.

بين الفينة والأخرى، تمرّ بي لحظات من القلق والخوف، سرعان ما تتبدّد، فأنا أوّل مرّة أسافر خارج الوطن، وأخاف ركوب الطّائرات والأماكن المرتفعة، قلقي وخوفي يتلاشى كلّما أحسست لست وحيدة ولن أكون وحدي، سأكون بمعية صهيب، ذلك الرّجل الّذي أحبّني في صمت ومضى إلى حال سبيله، تلك قصّة أخرى، تفاصيلها ليست للحكي هنا، ولكن جعلت كلانا يتوارى في صمت، وقابلته بعد عشرين سنة، بلا موعد، وبلا سابق تخطيط، أخاف أن أفقده ثانية.

المهم، وصلت إلى المطار، كلّ الإجراءات تمّت بسرعة متناهية، لم يحصل أي شيء يمكن أن يعيق سفري، أو يحول دون إتمامه، وكأنّ ثمّة أقدار خفيّة تدعوني لركوب هذه المغامرة،  وتقذف بي نحو مصير، لا أعرف نهايته، كلّ ما أعرفه، وأعيه جيّدا أنّني على موعد مع صهيّب. ما يحدث الآن يختزل بيننا كلّ المسافات، ويزيح أمامنا كلّ العقبات، عكس ما حدث منذ عشرين سنة مضت.

ما جرى بيننا تمّ عن بعد، اتّفقنا عن بعد، فالمسافة بين المدينة الّتي أقطن بها وتلك الّتي يقطنها، تفوق عشر ساعات من السّفر بالسّيارة، اتّفقنا أن نلتقي، اتّفقنا أن نكون بعدين، خارج الحدود، خارج حدود المعتاد، وحدود الوطن، اتّفقنا أن نمضي حيث يمكن أن نكون وحدنا بعيدا عن الكلّ، كان الأمر في البداية مجرّد مزحة، تحوّلت سريعا إلى حقيقة. اتّففنا أن نلتقى في المطار، ومنه نسافر، حجز كلّ منّا تذاكره وحجز صهيّب الفندق الّذي سيجمعنا.

عيناي تتجوّل في كلّ الاتّجاهات، تبحث عن صهيّب في ملامح المسافرين، لم أنتظر طويلا،  ها هو قادم من بعيد، أحسست قلبي ينطّ بين أضلعي فرحا. نفس الإحساس يعاودني، أحسّ أن ثمّة أقدار تدفعني دفعا، وتيسّر لي كلّ السّبل لكي يكتمل سفري، شعوري بالخوف والقلق عابر ومؤقّت، يفسح لأفراحي مساحات شاسعة لأطير بعيدا، وبلا حدود.

وقفت أتأمّل ملامح صهيّب، بي شوق كبير لأعانقه، وأضمّه إلى صدري، تردّدت قليلا، تلاقت عيناي بعينيه، لم أتمالك نفسي، وارتميت على صدره، لم أعبأ بالمارين ونظراتهم.

جلسنا فوق أقرب مقعد، مازال أمامنا ساعة من الوقت لنطير. بالفعل، لنطير. تحدّثنا، ضحكنا، صمتنا، تعانقنا. نسيت كلّ شيء، لا شيء يقلقني. لم أشعر حتّى وجدت نفسي داخل الطّائرة، أجلس قرب صهيب، وأنا أمسك بذراعه، أراقب حركاته وسكناته.

تحرّكت الطّائرة ببطء، بدأت تندفع نحو الأمام، تزداد سرعتها شيئا فشيئا، ثمّ انطلقت نحو الأعلى بسرعة مذهلة… وعلى بغتة، أحسست أنّني فقدت كلّ ارتباطاتي بالأرض، ولم تعد تعني بالنّسبة أي شيء، تملكني شعور بالفرح، شعرت وكأنّني أولد من جديد، لا أصدّق نفسي، أغمض عيناي ثمّ أفتحهما، كي أتأكّد أنّني لا أحلم. وأنّ الشّخص الّذي بقربي هو صهيب.

وصلنا، لم يكون الفندق بعيدا عن المطار، أو هكذا أحسست، الغرفة رقم 238 كانت كما تخيّلتها، بسيطة وفسيحة، شرفتها تطلّ على البحر، وتعطني الإحساس أنّني ما زلت في الطّائرة، ومنفصلة عن الأرض.

أقفلت الباب، كنت متلهفة لهذه اللّحظة، تعانقنا بحرارة، قبلاته ولمساته تعطيني المزيد من الإحساس بالعطش، كلّ قطعة من جسدي تناديه، تستجديه، تستعطفه الماء، الماء…، تمنيت أن استبدل كلمة اسمه بفرح.
نزلنا إلى المطعم، لم أتناول دوائي كالمعتاد، معدتي لم تكن تستحمل الأكل. أكلت كثيرا، شهيّتي مفتوحة، لا أشعر بأيّ ألم أو ضيق في معدتي، شعرت أنّ الفرح في كلّ مكان، أو كلّ الفرح الّذي ينتشر في هذا العالم هو لي، ولي وحدي.

كان فرحي يزداد كلّما اقتربت الشّمس من المغيب، سعادتي لا توصف، سأنام إلى جانب صهيّب، كلّ الأشياء ما عادت تساوي أيّة قيمة. أخجل أن أطلب أو أتمنّى أي شيء أخر. ما تمنيت لسنوات طوال، ها هو يتحقّق في بلد بعيد، نحن وحيدين وغريبين، بلا قيود، بلا عيون تراقبنا. شعرت أنّني أسيرة عنده، وأنّني ما كنت بعيدة عنه، كنت أسكنه وكان يسكنني، يفهمني، يجيبني قبل أن أسأل، يِأسرني بعينيه البرّاقتين، تداعبني، تشعرني أنّي خرجت من الدنيا لتمضية هذه اللّيلة ، ثمّ أعود لحال سبيلي.

الجمعة 8 فبراير

استيقظت مبكرة، تمنيت أن يطول اللّيل، لكنّه مرّ كلمح البرق، فتحت عيناي، كان بجانبي، يحرسني كما قال، قبّلني: صباح الخير حبيبتي. أوّل مرّة أنام، واستيقظ والفرح لا يسعني، شهيّتي للأكل مفتوحة، لم أعد بحاجة للأدوية، أتناول كلّ وجباتي بحجم الفرح الّذي يغمرني.

خرج صهيّب لإنهاء بعض الأعمال، بقيت أنتظر في الغرقة، نسيت أحزاني، وتخلّصت من مخاوفي. عاد في المساء، التقينا في مطعم الفندق كما اتّفقنا، كان العشاء لذيذا، لم أعد أتذكّر عدد المرّات الّتي أتناول فيها وجبة العشاء.

شرب صهيّب قهوته السّوداء، صعدنا إلى الغرفة، أغلقت الباب، شعرت أنّني أنفصل عنّي كلّ العالم، كلّ التّفاصيل بعد ذلك انحفرت في ذاكرتي، يستحيل علي نسيانها، فرح كالجنون، ضحك حتّى الجنون، ليلية مسربة من عوالم أخرى، لا عهد لي بها، عشت جنون العشق، حين كان يضمّني لصدره، كنت أنسى، كنت أنسى كلّ شيء، لم أعد أفكر في أي شيء، كلّ شيء يتلاشى، ينتهي حين أشعر أن ثمّة تفاصيل لا تنسى، كنت أسيرة، أعدّ بالدّقائق والثّواني قبل أن تنتهي هذه اللّيلة، ليعود ليلي كنهاري، وأعود من حيث أتيت.

السّبت 9 فبراير
استيقظت بمزاج سيء للغاية، اليوم الأخير، تعانقنا، قبّلني بحرارة، أنساني ذلك هواجسي، قال: أنهي بعض الأعمال، وأعود سريعا لنخرج نتجوّل في المدينة. شعرت بفرح، تحسّن مزاجي، قلت لنفسي: أمامي ليلة أخرى، سنمضيها معا.

نزلت إلى المطعم، أخدت وجبة الفطور في مطعم الفندق، وصعدت إلى الغرفة، جلست في الشّرفة، أنظر إلى البحر، كان هادئا وممتدا في الأفق البعيد، أكتب بعض الكلمات، أتذكّر تفاصيل اللّيلتين السّابقتين، أغمض عيناي، أتمنّى أن يتوقّف الزّمان في هذه اللّحظة.

سمعت دقّات على الباب، وصل صهيّب، غيّرنا ملابسنا بسرعة، وخرجنا، أمسكت بذراعه، وتمشينا كثيرا، توقّفنا كثيرا، كان الطّريق طويلا، لم نشعر بالتّعب، تحدّثنا، ضحكنا، تعانقنا، ركضنا، جلسنا وقفنا نتأمّل المحلاّت والأطفال، والعشّاق والعمّال والبنايات الشّاهقة والفنادق الممتدّة على طول الشّاطىء…، لم أشعر بالملل، حديث صهيّب ممتع ومثير، ينتقل من موضوع لآخر، يمزح بين الفينة والأخرى، يضفي على كلامه مسحة من الدّعابة، تشعرني بفرح يجعلني أتمسّك أكثر بذراعه، وأتطلّع إلى عينيه الواهجتين.

توقفنا لنأخذ قسطا من الرّاحة في إحدى الحدائق، تابعنا السّير، كنّا في منتهى الفرح، أضعنا الطّريق، كنّا نسير ثمّ نعود إلى نفس المكان، لم نعد نعرف وجهتنا، سألنا المارّة، دلّنا أحد حرّاس شركة ديلتا للبناء على الوجهة الصّحيحة، تمنيت أن لا يفعل، ونظلّ تائهين، نسير ونسير.
وصلنا إلى الفندق، أخذنا وجبة الغذاء، صعدنا إلى الغرفة مسرعين، في كلّ مرّة أقفل الباب، أجدني متلهفة لاحتضانه، لا أستطيع مقاومته سحر عينيه، والدّفء الّذي يغمرني به حين أكون بين دراعيه، تمضي السّاعات وكأنّها دقائق، أتمنى أن يتوقّف الزّمان.

حان وقت العشاء، قصدنا المطعم، تعشّينا، دخلنا إلى المقهى، تحدّثنا الكثير، وتوقّفنا عند بعض التّفاصيل في حياتنا، ضحكنا، شربنا عصيرا وكوب قهوة سوداء، أخذنا بعض الصّور للذّكرى، ثمّ كان عليّ أن أتركه في بهو الفندق، كان عليه أن ينهي ما تبقى من التزاماته وأشغاله.

صعدت إلى الغرفة وحيدة، أقفلت الباب، أوّل مرّة، كان شعوري مختلفا عن كلّ المرّات السّابقة، حزينة ووحيدة، بدأت أرتّب الملابس في الحقائب، وعيناي تدمعان بحرقة، بكيت بألم، أنهيت ترتيب الملابس، غسلت وجهي كي أبدو هادئة، لا أريد أن يراني صهيّب حزينة، ولا أريد أن تكون ليلتي الأخيرة  معه حزينة.

كنت أتحسّس أقدام المارين في ردهات الفندق، أستسرق السّمع، أنتظر دقّاته على الباب. تظاهرت بالنّوم، حين سمعت دقاته على الباب، كي أخفي كآبتي وملامحي الحزينة، ضمّني إلى صدره، شعرت بالتّحسن، بدأ الفرح يسري في جسدي شيئا فشيئا، ويحملني بعيدا بعيدا. رنّ هاتفي، كان رقم هاتف أختي الكبرى يناديني، خفت، تردّدت، وأغلقت الهاتف، غضب منّي، أوّل مرّة يغضب، أحسست بكلماته تجرحني تمزّقني، كان عليّ أن أردّ على أختي، من يسأل عنك في هذا الوقت، فهو يحبّك، وعلينا أن نبادل الحبّ بالحبّ، زادت كلماته الأخيرة حزني، تلاشت أفراحي، شعرت بأنّني أختنق، لا أقوى على الكلام، سبقتني دموعي، بكيت، خجلت من نفسي، تصرّفت بغباء، ما كان عليّ أن أتصرّف بهذه الطّريقة، لا أريد أن تمرّ آخر ليلة لي معه في هذا الجوّ الحزين، لا يمكنني أن أتركه ينام غاضبا منّي، يجب أن أعتذر، أن أعانقك.  قبل أن أستجمع قواي للكلام، كان يمسح دموعي، ويهمس في أذني: أحبّك تعالي بين ذراعي. فرحت، أحسست أنّنا أصبحنا شخصين في شخص واحد، الحبّ الحقيقي يقتل الكبرياء، ويمحي كلّ أحساس زائدة بالكرامة، الحبّ فرصة ليصبح الإنسان أفضل وأجمل وأرقى، طاقة متجدّدة تمنح الفرح والضّوء في الظّلام.

أتأمّل وجه صهيّب النّائم بجانبي، لم أستطع النّوم، كنت أنظر إليه شاردة، أتخيّله معي في أماكن كثيرة، وفي أوقات مختلفة، أستعيد لحظاتي معه بكلّ التّفاصيل. غفوت قليلا، فتحت عيناي كان ضوء النّهار يملأ جنبات الغرفة. حملنا حقائبنا، أمعنت النّظر في رقم الغرفة في أعلى الباب، وودّعتها كما لم أودع أحدا من قبل، تمنيت أن أعود إليها ثانية وثالثة، أصبح هذا الرّقم   238يختزل جنوني وعشقي، والجزء الأكبر من حياتي، حفر الرّقم  في ذاكرتي، يقترن بذكرى ولادتي الثّانية. ركبنا السيّارة، الّتي ستنقلنا إلى المطار، ساعات قليلة ونفترق.

في طريقنا نحو المطار، تذكّرت يوم الخميس، عندما كنت ذاهبة نحو المطار، كانت مشاعر القلق والخوف تعترني، ولكن كنت أنطّ من الفرح، سأكون برفقة من أحبّ، الآن لم أعد أخاف من الموت، ولا يساورني قلق المغامرة ولا الخوف من ركوب الطّائرة. الألم يعتصر قلبي وكياني، كيف أعيش بعيدة عن صهيّب، عاودتني أوجاع المعدة من جديد، أحسست بألم شديد في معدتي، أشعر كأنّها ستنفجر.

ركبنا الطّائرة، طوال الرّحلة، كان صهيّب يتكلّم، يضحك كثيرا، يمازحني، أحسّ أنّه يحاول أن يخفّف من حزني، لا أشعر بأيّ تحسّن،
بدأت الطّائرة بالهبوط، وصلنا، تمنيت أن نبقى في الجوّ، وأن لا تنتهي رحلتنا، لا أريد أن تلامس قدماي الأرض، خرجنا من المطار، وجدنا أنفسنا في محطّة القطار، أخذنا تذكرتين  في اتّجاهين مختلفين، لم يعد الطّريق واحد، تعانقنا، توادعنا.

أكاد أختنق، أستدير إلى الوراء، مازال واقفا في مكانه، كنت أودّ أن يضمني إلى صدره، كنت أتمنى أن أصرخ بأعلى صوتي، وأقول أمام الجميع: أنّني أحبّه بجنون ولا أستطيع  العيش  من دونه، لكن كلانا  اتّخذ قراره في لحظة مّا، وكانت الظّروف أقوى منّا، وهي الّتي قالت كلمتها الأخيرة. ركبت القطار،  كتمت دموعي، والألم يعصرني من الدّاخل.

وصلت إلى البيت، أسرعت إلى غرفتي هربا من الأسئلة الّتي قد تلاحقني، لا أستطيع الكلام، أتقلّب في فراشي، تمنيّت أن أفقد الوعي كي أرتاح ولو قليلا، عقلي يكاد ينفجر من التّفكير، عدت إلى حياتي كما كانت في السّابق، هو الآن بين أحضان زوجته، أشعر  بسكّين يقطّع أحشائي، لا أستطيع فعل أي شيء، علي أن أتقبّل الوضع، قلبي يحترق، أشعر أنّني سأجن من كثرة التّفكير، منذ أن عدت من السّفر وأنا أتعذّب، أتألّم، رسائله ومكالماته تحسن مزاجي قليلا، وتشعرني بالفرح.

كنت أعرف منذ البداية مصيري، هل أعماني الحبّ إلى هذه الدّرجة؟
رغم كلّ العذاب الّذي أعيشه في بعده، و يبقى حبّي له أجمل وأروع شيء في حياتي، لن أنسى كلّ اللّحظات الّتي قضيّتها معه، كلّ التّفاصيل محفورة في ذاكرتي، منقوشة في جزء من جسدي. في قلبي أفراح صغيرة، أسمّي صهيب “فرح”، كلّ أشيائه فرح،
لا أستطيع أن أمحو من مخيّلتي لمساته، قبلاته، وجسده الّذي يبدو على الدّوام ماثلا أمامي، شامخا ومنتصبا، سأظلّ أشتهيه ما حييت، ولن يطفأ عطشي سوى أن أكون بجانبه، ويندي بعرقه جسدي.

لا أصدّق نفسي، لم أجرؤ أن أتعرى لأيّ رجل من قبل، لم أتوقّع في يوم من الأيّام أن أقبل بنصف حبّ أو أقلّ، أن يكون كاملا، ولي وحدي أو أن لا يكون.

ضعفت، نسيت كلّ شيء، تهت في كلّ الاتّجاهات، لا شيء يهمّني، الوضع يختلف الآن، كان حبّي الأوّل، أحببته قبل الزّواج، بقي حبّه يسكنني، وانفجر كبركان حينما رأيته، ولم أستطيع إيقافه، كلّ التّبريرات لا تقنعني، ولا تجدي. كلّ ما أعرف، وأنا متأكّدة منه هو: أنّني أحبّه، وأعشقه بجنون الحياة، لم أعشق قبله، ولن أعشق بعده، إشتقت له كثيرا، إشتقت أن أتنفّس الهواء الّذي يتنفّسه.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. ياسمين

    أكثر من رائعة.. راقت لي..

أضف تعليق

Share This