تونس: كورونا يهدد ما تبقى من مكاسب الثورة / فاطمة بدري

في ظل تفشي الوباء وتأثيراته الوخيمة في جميع القطاعات، انتظر التونسيون أن تنصب اهتمامات السلطة على كيفية مواجهة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة. لكن ما حدث أن السلطة حاولت استغلال الأزمة لتمرير مبادرات وقرارات ملغومة التقت جميعها في هدف واحد وهو التضييق على حرية الصحافة.
هذا الموضوع تم اعداده بالتعاون مع Pulitzer Center
في 12 حزيران/ يونيو اعتُقل الصحافي آزر منصري، وهو مراسل قناة روسيا اليوم، بعد ان انتقل من العاصمة تونس إلى مدينة قرقنة جنوباً، لنقل تداعيات غرق مركب للهجرة غير الشرعية التي ذهب ضحيتها 53 شخصاً مطلع الشهر نفسه.

الاعتقال حصل حين انتبه أحد أعوان الحرس الوطني في محطة “بطاح قرقنة” في صفاقس المدينة، إلى وجود الصحافي. طلب منه تقديم تفاصيل الموضوع الذي أتى للعمل عليه. لكن الصحافي تمسك بحق التحفظ، فنُقِل إلى مقر مركز الحرس، حيث تعرّض لضغط لمدة 45 دقيقة، لكشف موضوع تقريره الصحافي. خلال التوقيف تم تهديد الصحافي بتحرير محضر ضده بتهم بدا واضحاً أنها كيدية، ولم يُخلَ سبيله إلا بعد تواصل نقابة الصحافيين التونسيين مع وزارة الداخلية التي تدخلت وأمرت بوقف احتجازه.

أثارت الحادثة توجس الصحافيين في تونس وعززت المخاوف من تبعات استمرار التضييق الأمني على الصحافيين خلال عملهم في ظل صمت السياسيين، وأعادت طرح سؤال، هل حرية الصحافة مكسب حقيقي في تونس؟ وهل مقومات استمرار هذا المكسب موجودة عملياً خصوصاً مع محاولات استغلال لظروف جائحة كوفيد 19 لتطويق حرية العمل الصحافي وحرية التعبير عموماً.
مكاسب ثورة 2011
يكاد يتفق الجميع على أن حرية التعبير هي المكسب الوحيد أو الأبرز لثورة الـ14 يناير 2011 في تونس، لكن الكثير من المطبات المتتالية تجعل هذا المكسب ــ إن صح التعبير ــ على المحك.

كان الإعلام التونسي بشقيه الخاص والعمومي، قبل الثورة، محكوماً بضوابط صارمة وخاضعاً لإشراف ونفوذ عدد من الهيئات الحكومية التي تحتكر جميع مراحل الإنتاج الإعلامي، منها وزارة الداخلية والوكالة التونسية للاتصال الخارجي المكلفة بتلميع صورة النظام والمسؤولة عن توزيع عائدات الإعلانات بحسب درجة الولاء آنذاك. وطبقاً لهذا المشهد، كانت المضامين متشابهة حد الرتابة فلا أحد يستطيع كسر القوالب التي وضعتها السلطة للجميع، لأن العقاب جاهز وقد ظهر بوضوح مع صحافة المعارضة السابقة التي مورست ضدها ضغوط سياسية واقتصادية كبيرة أرهقتها كثيراً، وجعلت صداها لا يتجاوز في أحيان كثيرة حدود مجموعات من المناضلين.

بعد رحيل بن علي وعلى وقع الاحتجاجات والصرخات المطالبة بالحرية والديمقراطية، حصلت تغييرات سريعة لتحرير الصحافة من قيود النظام السابق وفُتح المجال أمام حقبة أخرى بمؤسسات ومفاهيم جديدة. ولهذا كانت الخطوة الأولى التي أقدم عليها الساسة، وقف نشاط الوكالة التونسية للاتصال الخارجي وحذف وزارة الاتصال وتعويضها بالهيئة الوطنية لإصلاح الإعلام والاتصال كهيئة استشارية، إلى جانب بعث الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري التي تسهر على تنظيم القطاع بإسناد الرخص للبث الإذاعي والتلفزيوني وإنجاز كراسات الشروط التي تحدد واجبات حاملي الرخص وحقوقهم.

وبهذه المتغيرات تكون الدولة قد جُردت من الأدوات الرقابية القديمة المستخدمة للتحكم في الإعلام وتوجيهه، وباتت الصحافة لا تخضع لسلطة مركزية تحدد مسار المؤسسات الصحافية وخياراتها. لكن هذا لم يكن مفاده أن الصحافيين باتوا يباشرون نشاطهم بحرية مطلقة لا تنغصها بعض الإكراهات التي فرضها الساسة أنفسهم الذين سارعوا للتغيير السالف ذكره.
على خلاف التجارب الديموقراطية الأخرى في العالم التي بادرت إلى خلق مناخات وسياسات مواتية لاستمرارية المؤسسات الإعلامية ولضمان إرساء صحافة بمستوى عال من الجودة وتقديم خدمة عامة مقبولة، اختارت الحكومات المتلاحقة بعد الثورة عن قصد، لعب دور المتابع السلبي لواقع الإعلام في تونس، بل واتجهت نحو تكريس سياسة البقاء للمؤسسات المستعدة لربط علاقات محكومة بالمنفعة والمصلحة مع رجال الأعمال أصحاب الامتيازات المرتبطين غالباً برجال السياسة، فضلاً عن بعض الأحزاب التي انخرطت في هذه اللعبة بشكل مباشر وغير مباشر.

ونتيجة لهذا الواقع وجد الصحافي نفسه محكوماً بقوالب جديدة تختلف شكلاً عن تلك التي كانت أيام بن علي، ولكنها تحاكيها من حيث الجدوى والأهداف. فهذا التحالف الخفي عادة بين أصحاب المؤسسات ورجال السياسة والطامحين للشهرة فرض ضغوطاً على الإعلاميين ومنعهم من القيام بمهماتهم وفق القواعد المهنية الصحيحة. ولهذا السبب ظلت حرية الصحافة غير مكتملة، على رغم محاولات صحافيين مستقلين ومهنيين التصدي لهذه العراقيل ومساعي نقابة الصحافيين والهياكل المهنية الأخرى الكبيرة، بهدف دفع السلطات إلى تبني سياسة تنسجم مع نموذج الدولة الديموقراطية الذي تدعيه تونس ما بعد الثورة.

ولعل هذا ما يثير قلق حتى المنظمات الدولية بشأن حرية التعبير في هذا البلد، فعلى رغم حلول تونس بالمرتبة الـ72 عالمياً والأولى عربياً في مؤشر حرية الصحافة الصادر عن “منظمة مراسلون بلا حدود”، هذا العام، إلا أن هذا التصنيف لم يمنعها وبعض المنظمات الدولية من الإشارة إلى عودة مخاوف بشأن حرية الصحافة بهذا البلد.

وحذرت “العفو الدولية” و”مراسلون بلا حدود” في 3 أيار/ مايو من أن مكسب حرية التعبير في تونس مهدد، خصوصاً أمام تكرر محاولات التضييق على الصحافة.

وتدعم “نقابة الصحافيين التونسيين” هذا الموقف، إذ يقول محمد اليوسفي عضو المكتب التنفيذي المكلف بالحريات “ما زلنا نعيش في ظل ثقافة سياسية لم تستوعب بشكل كافٍ معنى حرية الإعلام وحرية الصحافة”.
“كورونا” لضرب الإعلام
لا شك في أن هذه المخاوف والتحذيرات لها ما يبررها ما دام السياسة في البلاد ما زالت تسعى لإيجاد آليات جديدة تسيطر من خلالها على الإعلام حتى في ظل أزمة “كورونا”. ففي ظل تفشي الوباء وتأثيراته الوخيمة في جميع القطاعات، انتظر التونسيون أن تنصب اهتمامات السلطة على كيفية مواجهة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة. لكن ما حدث أن نواب البرلمان من جهة ورئاسة الحكومة من جهة أخرى حاولوا استغلال الأزمة لتمرير مبادرات وقرارات ملغومة التقت جميعها في هدف واحد وهو التضييق على حرية الصحافة.

ويقول اليوسفي لـ”درج”: “سجلنا تضييقات كثيرة على حق النفاذ إلى المعلومة ومحاولات لتوجيه الإعلام، بذريعة أزمة كورونا، ليكون مجرد بوق دعاية للحكومة والسلطة ومجرد صحافة ناقلة لبلاغات وزارة الصحة وتصريحات رئيس الحكومة، والحال أن هذا يتضارب مع أدوار الإعلام الحقيقية المتمثلة في التفسير والتحقيق والإخبار والتقصي والبحث عن الحقيقة بالآليات المهنية المعروفة ونقد أداء الحكومة والوزارات وسلطة الإشراف إن لزم الأمر، فضلاً عن محاولات تمرير مبادرات مشبوهة لم نستطع التعاطي معها بثقة واطمئنان”.

وتجاهلت السلطات أزمات المؤسسات الإعلامية الاقتصادية ومتاعب العاملين في القطاع جراء الوباء والتفتت إلى مسائل ثانوية، فعلى رغم إعلان تقرير نقابة الصحافيين التونسيين عن طرد 190 صحافياً وصحافية خلال أزمة “كورونا”، وتدهور أوضاعهم الاجتماعية، إلا أن نواب البرلمان والحكومة لم يكترثوا لهذا المأزق، بل سارعوا إلى البحث عما من شأنه تضييق الخناق أكثر على حرية التعبير.

ففي 29 آذار/ مارس الماضي قدم النائب عن “حزب تحيا تونس” مبروك كورشيد إلى البرلمان مشروع قانون ينص على وجوب تعديل فصول في مجلة الإجراءات الجزائية بهدف معاقبة من يتعمد الإساءة إلى الغير (في إشارة إلى النواب والسياسيين)، عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

مشروع القانون طرح من أجل “التصدي للجريمة الالكترونية المتعلقة بهتك الأعراض والمساس من شرف الأفراد والجماعات دون وجه حق بغاية الحد من انتشار الإشاعات التي تمس من اعتبار الأشخاص ومن رمزيتهم السياسية والاجتماعية”.

وواجه القانون معارضة كبيرة من جميع مكونات المجتمع التونسي شعبياً وإعلامياً وحقوقياً، بعدما تبين أن الغاية الحقيقية منه هي كمّ الأفواه وخنق حرية التعبير وبث الرعب في النفوس بجملة من الأحكام الزجرية التي لا تراعي حتى مبدأ التناسب بين الجريمة والعقاب.

ينص مشروع القانون على أن يعاقب بالسجن لمدة تتراوح بين عام وعامين وبخطية تتراوح من 10 إلى 20 ألف دينار تونسي (نحو 6 آلاف و500 دولار أميركي) كل من يتعمد الإساءة إلى الغير أو إزعاج راحته عبر الشبكات العمومية للاتصالات. واضطر كورشيد إلى سحب مشروع القانون تحت ضغط الرأي العام والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان. كما تراجع عن المبادرة الكثير من النواب الذين وقعوا عليها من البداية.

وفي 4 أيار الماضي تقدم ائتلاف الكرامة (النافذة الخلفية لحركة النهضة) بمبادرة تشريعية لدى البرلمان تتعلق بتنقيح المرسوم عدد 116 لسنة 2011 المنظم لعمل الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري أو ما يعرف بـ(الهايكا)، تهدف بحسب الائتلاف إلى حل مشكلة تجديد تركيبة الهيئة وحذف التراخيص لإنشاء القنوات التلفزيونية الفضائية.

المبادرة دعت إلى انتخاب أعضاء الهيئة المرتقبة من البرلمان بالأغلبية المطلقة (ما لا يقل عن 109 نواب) أي العدد الممكن تحصيله مع الكتل البرلمانية التي تدعم المبادرة من وراء الكواليس (حركة النهضة وقلب تونس) متجاهلة أن الدستور ينص في فصله 125 على انتخاب أعضاء الهيئات الدستورية بأغلبية معززة (ما لا يقل عن 145 نائباً).

أما التنقيح المتعلق بإلغاء تراخيص إحداث الإذاعات والتلفزيونات، فقد أريد منه تجريد الهايكا من هذا الدور لأنه وبمقتضى الفصل 16 من المرسوم 116 فإن الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري تتولى البت في مطالب منح الإجازات المتعلقة بإحداث واستغلال منشآت الاتصال السمعي والبصري، كما تتولى أيضاً ضبط كراسات الشروط واتفاقيات الإجازة الخاصة بمنشآت الاتصال السمعي والبصري وإبرامها ومراقبة احترامها.

وفي تعليقه على هذه المبادرات التشريعية، رأى اليوسفي أنها محاولة لاستغلال ظرفية “كورونا” لتمرير مشاريع قوانين خطيرة ومشبوهة تهدف
إلى إعادة تكميم الأفواه وتتبع المدونين والصحافيين.

وأوضح أنه على “رغم خطورة المبادرات جميعاً، لكن مبادرة ائتلاف الكرامة هي الأخطر على الإطلاق، لأنها من جهة تأتي في سياق بحث بعض الأطراف السياسية عن هيئة على المقاس تقوم على المحاصصة السياسية وبلا مشروعية، ومن جهة أخرى ترمي للسطو على الهايكا والتطبيع مع الوضعية القانونية لبعض وسائل الإعلام الناشطة بصفة غير قانونية ومدعومة من أطراف سياسية مشاركة في الحكم وضرب مسار كامل انطلقنا فيه بهدف إصلاح الإعلام بالشراكة مع الهياكل المهنية والمجتمع المدني والمنظمات الدولية”.

وفي 29 نيسان/ أبريل أقر رئيس الحكومة التونسية إلياس الفخفاخ إجراءات قال إنها تهدف إلى مساندة قطاع الإعلام المتضرر من أزمة “كورونا”، لكنها أثارت جدلاً كبيراً ووصفت بأنها أقرب إلى الرشوة منها إلى الدعم.

وتضمنت القرارات التعهد باقتناء اشتراكات في النسخ الإلكترونية للصحف من قبل الدولة والهياكل العمومية، في حدود 1.2 مليون دينار وتقتطع من الاعتمادات المرصودة في الميزانية، بعنوان الاشتراكات في الصحف الورقية لسنة 2020. والتعهد الحكومي بالتكفل بنسبة 50 في المئة من معلوم البث لسنة 2020، للقنوات الإذاعية والتلفزيونية الخاصة.

قد تبدو هذه القرارات للوهلة الأولي مهمة ولا تشوبها شائبة لكن بمجرد التمعن قليلاً تتضح أهداف هذه الخطوة الحقيقية. فالتفاتة الفخفاخ توجهت إلى المؤسسات الخاصة من فضائيات وإذاعات ومواقع إلكترونية، التي تعد فضاءات خصبة للتوجيه وتعي الحكومة أن بإمكانها ترويضها وتحصيل حملات مديح تؤمنها متى تشاء بمجرد دعمها مادياً. في المقابل، غاب عن رئيس الحكومة الاهتمام بالصحافة المكتوبة التي تعيش مؤسساتها ضائقة مالية كبيرة قديمة وتفاقمت بفعل أزمة كورونا، وقام باستثنائها وعياً منه بأن أغلبها عصية عن التسييس. كما تم استبعاد الإعلام العمومي لإدراكه صعوبة كسب وده وهو الذي لم يتوانَ على نقد أداء الحكومة والانتصار لمطالب الشارع.

عن موقع درج

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This