مراجعة لكتاب تمهيد لنقد التراث الحديثي

هذا الكتاب

لا يتناول هذا الكتاب الأحاديث، بل موضوعه عمل أهل الحديث الموسوم في الأدبيات الدّينيّة بـ:”بعلم الحديث”، وتحديدا التّعريف به من خلال أهل الحديث أنفسهم، دون تدخّل من المؤلّف بالتّأويل أو الشّرح أو(…) فهو يقدّم المكتبة الحديثيّة ملخّصة، عبر تصنيف موضوعاتي يمكّنك من الاطّلاع على هذه المكتبة دون جهد العودة إلى مئات الكتب والمؤلّفات، والوقوف على حقيقة الأدوات الّتي اعتمدها المحدّثون في قبول الأحاديث ورفضها بنفسك ودون وسائط

ولهذا فالكتاب موجّه لجميع فئات المتلقين:

  1. المفكّرون والنّقاد والمؤسّسات ومراكز الأبحاث. فالكتاب يضع بين أيديهم الأسس الّتي انبنى عليها عمل المحدثين، بهدف الدّراسة والتّحليل والنّقد.
  2. لطلاّب وأساتذة الدّراسات الدّينيّة، فالكتاب بالإضافة إلى أنّه يعرفهم بحقيقة عمل أهل الحديث، هل هو علم أو هو أقرب إلى الإيديولوجيا، يوفّر لهم النّصوص الّتي يحتاجون إليها في أبحاثهم موثّقة بمصادرها، ويسهّل لهم طريق الوصول إليها.
  3. لعامّة النّاس؛ وخاصة النّخبة الّتي لا تسمح لها ظروف الاختصاص والعمل الرّجوع إلى كتب أهل الحديث وقراءتها، فالكتاب يقدّم خلاصة شاملة وجامعة للنّصوص الّتي تتضمّن الآليات المعتمدة في إنتاج الحديث؛ المقبول منه والمردود على حدّ سواء.

يقترح الكتاب منهجا جديدا في مقاربة الموضوع التراثيّ من الزّاوية النّقديّة، قوامه فسح المجال للمادة التراثيّة تعبّر عن نفسها وتكشف عن هويّتها، وبعد ذلك تتمّ مقاربتها بالتّحليل والنّقد، بمعنى أنّه منهج لا ينطلق من الدّعاوى ثمّ الاتّجاه نحو إثباتها والاستدلال عليها ولها، بالتّحليل والنّقد، كما ساد في الدّراسات التراثيّة المنجزة. وإنّما بالانطلاق من المادّة التراثيّة لتكون هي نفسها الشّاهد والدّليل على نتائج وخلاصات الدّراسة والنّقد.

توصل قراءة الكتاب إلى الإجابة على الأسئلة المرتبطة بالحديث، وبأدواره الّتي لعبها ويلعبها في الحياة الإسلاميّة، وهي أسئلة ترتبط بالإشكالات الكبرى في الثّقافة الإسلاميّة. فصول القسم الأوّل المخصّص للمقولات الّتي تشكّل منها عمل المحدّثين، وهي بمثابة الآليات المنتجة في المجال، وفي طليعتها مقولة السّند/الإسناد، قادرة على الإجابة عن سؤال كبير ومهم وهو: ما مدى كفاءة آليات المحدّثين –علميا ومنطقيا-على إنتاج نصّ يتمتّع بدرجة من الصدقيّة تقربه من الحقيقة؟ وهل غطت تلك الآليات /الشّروط تاريخ الرّواية؟ هل تمّ التزامها من واضعيها؟

بعد ذلك تأتي فصول؛ تتناول سمة بنيويّة في عمل المحدّثين، وهي سمة الاضطراب في ثلاثة عناوين رئيسيّة، الأوّل يتعلّق باضطراب آليات إنتاج الحديث (المقبول/المرفوض)، بين المحدّثين؛ بين محدث وآخر، بل قد يضطرب المحدّث الواحد نفسه، فما يشترطه هذا المحدّث، لا يعتبر عند غيره. يتعلّق الثّاني باضطراب مواقف المحدّثين، وغيرهم من علماء الدّين، حول نتائج ومخرجات العمل الحديثي. والثّالث يتناول الاضطراب الحادّ لأحكام الجرح والتّعديل رغم المجهودات الّتي قام بها مدوّنوها للتّخفيف من الاضطراب وإزالته.

اضطراب من شأنه الإجابة على أسئلة أساسيّة مثل: ما هي الأسباب والعوامل الّتي حكمت نشأة عمل أهال الحديث، والّتي بصمته في الاشتراط، وفي الموقف من نتائجه وأحكامه في التّجريح والتّعديل، هل هي أسباب وعوامل علميّة موضوعيّة، غايتها خدمة الحقيقة أم هي أسباب وعوامل إيديولوجيّة صراعيّة، غايتها الغلبة والانتصار؟ هل يصحّ بعد تراجع مؤسّسي ومؤلّفي أحكام الجرح والتّعديل عما أسسوا من أحكام وألّفوا من كتب، الاستمرار على إعمالها والعمل بها؟ فصل محوري في الكتاب يجيب على السّؤال الأكبر من الأسئلة؛ السّؤال المتعلّق بحقيقة الحديث وماهيته، هل هو كلام النّبي حقيقة، بمعنى هل ما تشتمل عليه المدوّنات الحديثيّة من نصوص، هل هي ألفاظ النّبي وعباراته، أو أنّ ذلك مجرّد أفهام الرّواة والنّقلة؟ وتمّ التّمهيد له بعرض النّصوص الّتي تعرف بعرف الثّقافة العربيّة في نسبة الكلام. فالعرب لا يرون أنّ التّصرف في كلام الغير الّذي ينسبونه إليه بعد ذلك قدحا فيه كما يقول الشّاطبي في الموافقات. بعد ذلك تمّ استعراض مظاهر تصرف الرّواة/المحدّثين في المتن المنقول، ثمّ تقديم الطّريق المعتمدة في نقل الحديث عبر جميع أجيال الرّواة بمن فيهم محدّثي عصر التّدوين، وهي نقل المعنى والفهم وليس نقل الألفاظ والعبارة.

وختم هذا الفصل بالنّصوص الشّاهدة على توسيع، مصادر الحديث لتشمل الأجيال الأولى من المسلمين؛ فقراراتهم وآراؤهم في الدّين والسّياسيّة والحياة، ثبّتها المحدّث حديثا أي مصدرا للدّين.

القسم الثّالث مخصّص للمحدّث والإيديولوجيا، حيث يبرز على لسان العمل، حقيقة المحدّث واختصاصه في الشّكل وعدم أهليته لمقاربة المتن، ودور المحدّث ووظيفته، والّذي/الّتي تبرز في علاقته بالسّلطة، وموقفه من المخالف والمعارض. وكيف تحوّل إلى سلطة جديدة في الثّقافة، وآليات تركت آثارا عميقة في حياة المسلمين وثقافتهم، إلى الدّرجة الّتي أصبحت فيها “الرّواية” أو “الحديث” السّمة الأبرز لثقافة المسلمين.

القسم الرّابع  هو بمثابة البناء المؤسّس على ما سبق، فموضوعه مقاربة الحاجة إلى النّقد من زاوية الأسباب والعوامل الّتي تفرض ذلك، وهي الّتي تتكشّف من الأقسام السّابقة، ويضيف هذا القسم عاملا لا يقلّ أهميّة ممّا تعرضه الفصول قبله، ويتمثّل في الوضع والكذب، وهو العامل الّذي يتّضح على لسان عمل أهل الحديث، أنّه لم يكن مجرّد ظاهرة عابرة وعاديّة؛ بل كان حركة ممنهجة لها أساليبها وغاياتها وأعضاؤها: أفرادا وجهات حتّى أنّه يبدو ممّا تعرضه النّصوص، أنّ الجميع وقع فيه ومارسه بما في ذلك المحدّثون أنفسهم.

وختم هذا القسم، بنماذج للنّقد تبرز آفاقه ونتائجه المنتظرة، من خلال مثالين:

الأوّل يتعلّق بمفاهيم حديثيّة. والثّاني يرتبط بأحاديث وروايات وضعت تحت مجهر النّقد، فانتهى فيهما النّقد إلى نتائج حاسمة؛ نتائج تشكّل ملامح لما يمكن أن تتوصّل إليه الدّراسة التّحليليّة النّقديّة للتراث الحديثيّ عامّة.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This