(فيلم وثائقي): تاريخ العبوديّة

عمق مأساة وإدانة لكلّ المجتمعات

قدّمت القناة الألمانيّة (DW) فيلما وثائقيا، سلسلة من أربع حلقات يتناول تاريخ العبوديّة، هذا التّاريخ الأسود في جبين البشريّة، والحقيقة أنّ الشّريط بقسوته وبحقائقه قد تصدم المشاهد الّذي لا يمتلك خلفيّة حول الموضوع، وقد يَعْجَب المتفرّج إذا علم أنّ الرّق من أبشع الممارسات الانسانيّة وأنّه لم يكن من صنع الإنسان البدائيّ وإنّما من صنع الإنسان المتحضّر. والفيلم يعتمد على مادة تاريخيّة بالغة الأهميّة، ويحاور باحثين على دراية بما يتحدّثون عنه، وهو يروي كيف أصبحت شعوب جنوب الصّحراء الكبرى الإفريقيّة على مرّ القرون المورد الأوّل لأكبر شبكة اتّجار بالبشر في التّاريخ.

الجزء الأوّل من الفيلم الوثائقي تاريخ موجز عن تجارة العبيد في القرن السّابع ميلادي حيث تحوّلت إفريقيا إلى مركز تجارة العبيد في عام 476 ميلادي. فعلى إثر انهيار الإمبراطوريّة الرّومانيّة الغربيّة بعد تعرّضها لهجوم شعوب بربريّة بعد أقلّ من 200 سنة في عام 641 بعد الميلاد أسّس العرب على أنقاض الإمبراطوريّة الرّومانيّة إمبراطوريّة جديدة امتدّت من ضفاف السّند إلى الصّحراء الجنوبيّة. وبذلك بدأت حقبة جديدة من تاريخ ممنهج للعبيد من الشّرق الأوسط إلى إفريقيا. وكانت هناك مدينتان تجاريتان هامّتان هما القاهرة في الشّمال باعتبارها أهمّ مدينة إسلاميّة ونقطة تقاطع لجميع طرق التّجارة الإفريقيّة، وتمبوكتو في الجنوب بصفتها معقلا للممالك الإفريقيّة الكبرى ونقطة انطلاق لطرق القوافل العابرة للصّحراء.

الجزء الثّاني من سنة 1375 إلى 1620 مع نهاية العصور الوسطى، حيث بدأ الأوروبيون يهتمّون بثروات إفريقيا، فالغزاة البرتغاليون كانوا أوّل من توجّه إلى القارّة السّمراء بحثا عن الذّهب وعند عودتهم أحضروا معهم الآلاف من الأسرى الّذين باعوهم كعبيد في أوروبا، ومن السّواحل الإفريقيّة واصلوا الإبحار إلى البرازيل وأسّس هناك البرتغاليون أولى المستعمرات المأهولة بالعبيد فقط، في جزيرة “ساو تومي” قبالة سواحل الغابون حيث وجدوا قصب السّكر المنتج الأكثر ربحيّة.

أمّا الجزء الثّالث من الفيلم يتناول الفترة من عام 1620 إلى عام 1789: في القرن السّابع عشر ميلادي كان العبيد يشتغلون في قطاع السّكر ما يقارب 7 ملايين، وتمّ استغلالهم من طرف الفرنسيين والإنجليز والإسبان ورغبتهم المفرطة في تحقيق الأرباح من زراعة قصب السّكر، خاصّة بعد انشاء طرق تجاريّة جديدة وجلب العبيد من إفريقيا إلى جزر العالم الجديد فأصبحت تجارة العبيد عملا ممنهجا ومنظّما.

الجزء الرّابع يتناول الفترة من عام 1789 إلى غاية 1888 وفيه يظهر الدّور الّذي لعبته ثورات العبيد. فقد تشكّلت في القرن الثّامن عشر بلندن وباريس وواشنطن مقاومة ضدّ تجارة الرّقيق، بعد انتفاضات العبيد في مستعمرة “سان دومينغو” الفرنسيّة، ونظرا لتذمّر السّكان المتواصل أنهت القوى الأوروبيّة تجارة العبيد عبر الأطلسي في عام 1807.

لكن كانت أوروبا في أوج الثّورة الصّناعيّة وبحاجة للعبيد كعمّال، قامت بإنشاء ألوانا جديدة للعبوديّة والاستغلال.

تاريخ العبوديّة لم يبدأ من حقول القطن بل يعود إلى أقدم الحضارات الإنسانيّة، منذ ثلاثة وعشرين قرنا من الزّمان قال أرسطو أنّ الرّق سيبقى ضروريا مادامت الآلة لا تعمل بنفسها وبهذا القول يبرّر المعلّم الأوّل الرّق ويجعل من حقّ الإنسان القويّ أن يمتلك إنسانًا ضعيفا ليكون الآلة المسخّرة للإنتاج وتنمية رأس المال في الأسرة والدّولة. غير أنّ ظاهرة الاسترقاق على الرّغم من اختراع الآلة الّتي تعمل من ذات نفسها وحتّى بعد إلغاء الرّق مازالت مستمرّة. فالرّق ألغي كمؤسّسة قانونيّة لكن قائم كمؤسّسة واقعيّة، ففي النّطاق الدوليّ نجده مخفيّا تحت اسم التّمييز العنصريّ والتّفرقة والاستعمار وتحت ما يعرف بالرّق الجنسيّ وهو يمارس في صوره المتعدّدة في كثير من أنحاء العالم.

إنّ الرّق احتلّ منذ القدم مكانة هامّة في كافّة المجتمعات، وهي ظاهرة إنسانيّة لا يعرف لها بدء. ونستطيع أن نقول بأنّ ظاهرة الرّق بدأت مع استقرار الإنسان وانتقاله من مرحلة الصّيد إلى مرحلة صناعة الأدوات وتشكّل الحياة الّتي تتطلّب اليد العاملة. فالرّق كان نظاما عالميا مشروعا بين أمم العالم القديم، الّتي أقرّت الرّق وعملت به سواء اليونانيّة، الفارسيّة، اليهوديّة، الرّومانيّة، المسيحيّة، أو الإسلاميّة. فالرّق عندهم بمثابة نظام للإنتاج والاستغلال. ففي الحضارة البابليّة حوالي القرن 18 قبل الميلاد انتشرت ظاهرة العبوديّة بسبب الدّين لأنّ المجتمع كان إقطاعيا حيث كان يتمّ استرقاق الفلاّحين في حالة عدم تسديد الدّيون وهو ما أكّده قانون حمورابي.

أمّا الحضارة المصريّة (3150 قبل الميلاد) فقد عرفت كسائر الأمم السّابقة ظاهرة الرّق لكن كان الاسترقاق في الأغلب حكرا على طبقتي الكهنة والمحاربين فقط. وفي الحضارة الإغريقيّة (1100 قبل الميلاد) ظاهرة الرّق عادة قديمة راسخة عندهم.

الحضارة الرّومانيّة (275- 426 قبل الميلاد): مارست الرّق بأبشع الصّور وقد حرموا العبيد من أدنى حقوقهم الإنسانيّة حيث يقومون بتنفيذ الأعمال الشّاقة دون أجر أو اعتراض.

فظاهرة الرّق ظاهرة عالميّة قديمة قدم الإنسانيّة، لكنّ مسبّباتها تتشابه لدى مختلف الشّعوب.

لنقف قليلا بعيدا عن أحداث الفيلم الوثائقيّ:

في شمال إفريقيا كان استرقاق السّود موجودا وثابتا منذ فترة الاحتلال الرّومانيّ، وقد أسهم البربر منذ تلك الفترة في تجارته، فهذه التّجارة لم تدخل مع العرب، لكنّها نشطت وتوسّعت معهم بالمنطقة، وما يدّل على وجود هذه التّجارة في الفترة الرّومانيّة إحدى رسوم الفسيفساء في حمّامات تيمقاد (صورة تمثّل عبدا أسود يقوم بصيانة الموقد).

لم تكن مدينة تنبكت أوّل مدينة رائدة في تجارة العبيد، بل إنّها مارست هذا الدّور متأخّرة جدّا، ذلك أنّ أهمّ مدن تجارة العبيد في المنطقة كانت مدينة غانة ثمّ غاو ثمّ التكرور، ثمّ مالي، ثمّ ولاتة، ثمّ تأتي تنبكت، ودورها مثل دور تادمكة وتاكدة وغيرها، أي أنّها مناطق تجميع لأنّ مناطق جلب العبيد بعيدة عنها في الجنوب، وحتّى في القرن 10 هجري/16 ميلادي، عندما بلغت تنبكت أوج ازدهارها، كانت مدينة غاو هي المشهورة بسوق الرّقيق، كما أبرز ذلك الحسن الوزان “ليون الافريقي”، في كتابه وصف إفريقيا.

لم يكن ملك مالي سندياتا ماري جاطة أوّل ملك سوداني ينظم التّجارة بالمنطقة، بل سبقه لذلك ملوك غانة وخاصّة بسي وتنكامنين، حيث حدّدت الضّرائب في الأسواق وعلى السّلع، وأهمّية سندياتا في تاريخ مالي هو توحيده للشّعوب السّودانيّة في دولة قويّة وثريّة، والرّوايات الشّفويّة الّتي تنسب له إبطال الرّق ليست سوى أساطير حاولت إعادة بناء شخصيّة هذا الملك.

مكتبات تنبكت الّتي تمّت الإشارة إلى أنّ مؤلفاتها تعود لمرحلة مملكة مالي غير صحيح، ذلك أنّ النّهضة العلميّة السّودانيّة ترتبط بمملكة السنغاي وما بعدها في مراحل دعوات الإصلاح الدينيّ في الفترة الحديثة، ورغم علمنا بوجود فقهاء ومدرّسين في عهد مملكة مالي إلا أنّ ذلك يمثّل بداية تشكّل الحركة العلميّة الّتي كانت مرتكزة أساسا على المغاربة والصّنهاجيين.

لم يكن الأفارقة ضحايا هذه التّجارة فقط، بل كانوا فاعلون في انتشارها، فهم الّذين كانوا يشنّون الغارات ويختطفون العبيد الّذين يباعون للتّجار العرب والبربر والأوروبيين، كما كانوا يشترون الرّقيق البيض الّذي يجلبه تجّار المشرق، وقد أورد ابن بطوطة والعمري ما يدلّ على وجود الخدم والجواري البيض في بلاط ملوك مالي .

يبقى من المفيد التّذكير بتجارة الرّقيق الجديدة في عالمنا المعاصر، وهي تجارة الجنس الّتي قنّنتها أوروبا وجعلت لها الجمعيات والمؤسّسات ومراكز الإنتاج، وفي الوقت الّذي تزعم فيه محاربة العبوديّة ترسّخها بعد أن أضفت عليها ثوب العمل والإسترزاق.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This