أمبادوقليس: نحو التّأسيس لأنطولوجيا التّعدد

في القضيّة ونقيضها: مدخل إشكالي

يتَّسم فكر أمبادوقليس  Empédocle1 بطابع تركيبي اقتضته ضرورة الخروج من فكر الوحدة نحو فكر التّعدد، ذلك أنّ مخرجات التّفلسف الإيليّ قد أحدثت صدمة قويّة في أسس الفكر الطّبيعي، خصوصا عندما قامت بهدم كلّ معرفة يمكن أن تستند على الحواس أو تنبع من العالم الخارجيّ، فجعلت من الفكر دائرة منغلقة لا يأتيها التّغيُّر من داخلها ولا من خارجها، لكن هذا الارتجاج سوف يتحوَّل إلى فجوة غائرة تفصل الفكر الطّبيعي إلى قطبين متنافرين يصعب إيجاد أسباب رأب الصّدع بينهما، خصوصا عندما يتمّ رصْد أوجه التّعارض بين منطلقات الفكر البارمنيدي وأسسه ونتائجه، وبين منطلقات المدرسة الهرقليطيّة وأسسها ونتائجها، فحيثما كان بارمنيدس يستبصر الثّبات والسّكون، كان هراقليط يبصر التّغير والحركة، وحيثما كان ينشد الأوّل التّأسيس لميتافيزيقا للوجود، كان الآخر يتطلّع إلى الوقوف عند الصّيرورة الفيزيقيّة للأشياء وجدلها الطّبيعيّ2.

في هذا السّياق الفكريّ المتوتّر يحدث المنعطف الأبرز في مسار تطوّر الفكر الطّبيعيّ، ومن داخل ثنايا هذا التّعارض بين طرحي الحكيمين (هراقليط وبارمنيدس)، ينبثق صوت يسائل أسس الطّرحين معا ويتوجّه بالنّقد الجذري إلى عمق معماريّة فكرهما، وذلك بهدف التّأسيس لخطٍّ إبستمولوجي ثالث، يقدِّم نفسه كبديل عن التّصورات الرّاديكاليّة الّتي تذهب إمّا في مسار التّبني الكلّي لإمكانات العقل، أو تثق بالمقدرات التّجريبيّة للحواس ثقة عمياء.

إلاّ أنّ هذا التّركيب لا يعني مجرّد إعادة خلط لتصوّرات الحكماء الطّبيعيين وتلفيق بعضها إلى بعض، بل هو عمليّة تأسيس لنمط جديد من الخطاب العقلانيّ يروم الإجابة على نفس الأسئلة الإشكاليّة الّتي طرحها هؤلاء، لكن وفق مسار معرفي ومنهجي جديد، ذلك لأنّ القول بإرجاع أشياء الطّبيعة إلى عنصر طبيعي واحد اصطدم دوما بسؤال: كيف يمكن لعنصر من العناصر أن يتحوّل إلى عنصر آخر؟ كيف يمكن أن تتحوّل النّار إلى هواء؟ أو يتحوّل الماء إلى تراب؟ صحيح أنّ سؤال الأصل ظلّ دوما الهاجس الّذي يوجِّه تفكير أمبادوقليس، لكنّه كان أكثر جرأة على التّساؤل: ما الّذي يمنع من أن يكون الأصل متعدِّدا؟

لذلك سوف يتوجّه تعامُله مع نتاج سلفه في مسارين أساسين: مسار الهدم، ومسار البناء، فهو يعيب على سلفه التّفكير في الكون من زاوية ما هو كلّي دون الالتفات إلى العناصر الجزئيّة، فأنكسمندر مثلا يتحدّث عن “اللاّمتناهي” بوصفه مبدأ كلّيا، وهراقليط يتحدّث عن “اللّوغوس” بوسْمه قانونا ناظما وشاملا، وأمّا بارمنيدس فإنّه ظلَّ حبيس “وحدته الأنطولوجيّة الكلِّيّة”. فضلا عن ذلك فإنّ موقف هؤلاء من الحواس ظلّ متراوحا بين الأخذ بها بالإطلاق، أو رفضها بالمطلق.

أمَّا في مسار البناء فقد سعى الرّجل إلى الاستفادة من التّراكم الّذي عرفه الفكر الطّبيعي منذ طاليس، وذلك وفق الكيفيّة الّتي تسمح له بتحصيل نموذج معرفي جديد ينأى عن التّقليد الحرفيّ3، ويحافظ أيضا على تماسكه ووحدته، لذلك سوف يشغِّل أمبادوقليس مفهوم الصّيرورة الهراقليطي في نفس الوقت الّذي يحتفظ فيه بالمبدأ البارمنيدي القائل بأنّ “الوجود موجود واللاّموجود غير موجود”.

هل ينبغي بالضّرورة أن تتأسّس الهويّة على الوحدة؟ هل يوجد بالضّرورة أصل وحيد تنبثق عنه كلّ هذه الكثرة من الموجودات؟ ألا يمكن أن تصدر الكثرة عن الكثرة نفسها؟ ألا يمكن تأسيس الهويّة على الاختلاف بدل التّطابق؟ كيف يمكن إحداث التّركيب بين طرحين بلغ التّعارض المفاهيمي والأنطولوجي بينهما مبلغه؟

الأصل الكوسمولوجي: من الوحدة إلى التّعدد

تنطلق نظريّة أومبادوقليس من الاعتراف بأهميّة الحواس في العمليّة الإدراكيّة، وتقرّ بأنّ أوّل مصدر لما نكوّنه من معارف هو الحواس باعتبارها تشكِّل قنوات للاتّصال بين العالم الخارجيّ وعالم الإدراك الدّاخليّ، إلاّ أنّه يثير الانتباه إلى ضرورة عدم الاكتفاء بالصّور الحسيّة المنعزلة، فالرّؤية الإدراكيّة الشّاملة لا تتمّ عبر التقاطات جزئيّة، وإنّما ينبغي تجميع الصّور الحسيّة المتعدّدة وإخضاعها لنظام العقل الّذي يسمح بإضفاء معنى كلّي على ما تقدّمه من معطيات متناثرة؛ استنادا على هذا التّصور يقبل أمبادوقليس بإمكانيّة تغيّر الأشياء وكثرتها لأنّ الصُّور الحسيّة تقدّم هذه المعطيات بوصفها واقعا خارجيا لا سبيل إلى رفعه، كما يقبل أيضا بالطّرح البارمنيدي القائل باستحالة أن يصدر الوجود عن العدم أو يتلاشى الوجود إلى عدم. لذلك يقرّ الرّجل بأنّ أشياء الطّبيعة وكلّ الموجودات هي عبارة عن درجات متفاوتة من الامتزاج الطّبيعيّ بين الجذور الأربعة.

على خلاف الحكماء الطّبيعين السّابقين، يقوم أمبادوقليس بتكثير الأصل الأنطولوجي للكون، إذ تقوده الملاحظة الحسيّة الموجَّهة إلى ظواهر الطّبيعة في تركيباتها الجزئيّة إلى القول بوجود عناصر أوّليّة يسمّيها “الجذور الأربعة Les quatre Racines” وهي النّار والتّراب والماء والأثير، هذه الأسطقسات الأربعة هي عناصر أبديّة، لم تُخلق ولن تفنى، وكلّ أشياء الكون وظواهره إنّما تعود في أصلها الأنطولوجي المتناهي إلى أحد هذه العناصر، على اعتبار أنّ ما يحدث في الكون من تغيّرات هو نتاج لدرجات الاختلاط الكمّي بين هذه العناصر، فالتّراب يظلّ ترابا ولا يتحوّل إلى هواء، مثلما أنّ الماء يظلّ ماء ولا يتحوّل إلى نار؛ ما يحدث فقط هو عبارة عن تغيرات تطرأ على كميّة اختلاط العناصر ببعضها، مع الاحتفاظ بنفس كيفيَّتها النّوعيّة (التّراب تراب، والهواء هواء…). والملاحَظ في هذا التّصور الّذي يعرضه أمبادوقليس أنّه يسعى إلى الاستفادة من تحليلات الصّيرورة الّتي قدّمها هراقليط، وإذا كان هذا الأخير قد أوقع العلم الطّبيعي في مشكلة التّعارض مع مبدأ عدم التّناقض المنطقيّ، عندما آخذت عليه المدرسة الإيليّة قوله بإمكانيّة تحوّل الأشياء إلى نقيضها، فإنّ أمبادوقليس عمل على بناء تصوّر طبيعي يحافظ على التّفسير التّجريبيّ الّذي اضطلع به هراقليط، مع الحذر من السّقوط في “التّناقض المنطقيّ” الّذي يؤدّي إلى إفراغ الفكر من مطابقته لذاته ويفصله عن الوجود.

لذلك سوف يعتبر حكيم أغراكاس أنّ العناصر الأساسيّة (الأسطقسات) هي عناصر جذريّة لا يقبل أحدها أن يرجع إلى الآخر، كما أنّها أزليّة ليس لها بدء أو انتهاء؛ لكنّه أيضا يقرّ بالصّيرورة عندما يعتبر أنّ كلّ ظواهر الطّبيعة هي عبارة عن تناسب كمّي تمتزج فيه العناصر بشكل تحافظ من خلاله على الهويّة الثّابتة لكلّ عنصر ضمنها، وأنّ هذا الاختلاط بين العناصر قابل للتّغير وإعادة امتزاجها على نحو يسمح بانبثاق التّنوع والتّعدد الظّاهرين في الطّبيعة.

 الحضور الأسطوري: تمثُّلات تيولوجيّة أم صور شعريّة؟

على أنَّ الطَّريف فيما يقدّمه أمبادوقليس حول الجذور الأربعة هو إضفاؤه طابعا إلهيا عليها، إذ يعتبر أنّ “النّار هي زيوس الباهر، وهي أيضا Hélios أي الشّمس، وهي أيضا هيفايستوس Héphaistos ربّة النّار. والماء هو نستِس Nestis الّتي تحوّلت دموعها حسب الأساطير إلى ماء يشربه الإنسان. أمّا هيرا Hera فيطلقها على الهواء تارة وعلى الأرض تارة أخرى. وكذلك اسم البطل الإلهي إيدونوس 4Aidonneus يطلقه تارة الأرض وأخرى على الهواء” ، لكنّ توظيفه لهذه الأساطير يطرح مشكلا على مستوى التّأويل، حيث يصعب تحديد مقاصده من وراء ذلك، خصوصا عندما نضع طرح أمبادوقليس في إطار سياقه الثّقافي العام الّذي يتميّز بفصل خطاب الفكر الطّبيعيّ عن سائر أشكال الخطاب الأخرى، مع استحضار أنّ هذا الخطاب الجديد جاء ليعلن عن بدء عمليّة عقلنة الكون والتّفكير فيه على ضوء اللّوغوس والانفصال عن خطاب الميتوس. فهل يعني توظيف أمبادوقليس للأساطير الدّينيّة أنّنا نشهد تراجعا عن الخطّ الّذي بلوره الحكماء الطّبيعيون السّابقون أم أنّ الأمر يقتضي البحث عن تأويل أكثر مرونة؟

يخلص الدّكتور الطيّب بوعزة إلى أنّ الأمر يتعلّق بتوظيف لاهوتي مقصود، ويستعين في ذلك بما تناقله الدكسوغرافيون من تعزيز لهذا المسار التّأويلي، يقول الطيّب بوعزة: “ونخلص من ذلك إلى أنّ الدّوكسوغرافيين القدماء (أيتيوس، وهيبوليت، وفيلوديم، وسطوبي) قدموا تأويلا دينيا صريحا لأسطقساط أومبادوقليس، وإن اختلفوا قليلا في تعيين دلالات تلك الرّموز. ولا نرى هذا التّمثل الثيولوجي للجذور الأوليّة مُناشزا للنّظريّة الأمبادوقليسيّة. كما لا نراه مستبعدا بالنّظر إلى السّياق الثّقافي الّذي تشكّلت فيه تلك النّظريّة”5 ، غير أنّ هذا القول وإن كان غير “مناشِز”لأطروحة أمبادوقليس إلاّ أنّه يجعل الأطروحة في كليتها متّجهة في سياق مغاير لمسار براديغم الحكمة الطّبيعيّة الّذي كان هدفه الأساس هو علمنة الفكر اليوناني وفصل خطابه حول الكون عن التّأويلات الدّينيّة.

في المقابل يمكن الأخذ بالتّأويل الّذي يقدّمه ج. بيرني J. Burnet عندما يعتبر أنّ أمبادوقليس لم يقدّم قرابينا تعبديّة ولم يسجد لهذه الآلهة تقربا إليها، لذلك فهذا التّوظيف الأسطوري لا يعدو أن يكون مجرّد قبس شعري6  قصَدَ من خلاله أمبادوقليس إلى إضفاء بعد جمالي على خطابه العقلاني، مع الوضع في عين الاعتبار أنّ هذا التّقليد ليس جديدا في الأدوات الّتي يعتمدها الخطاب الطّبيعي، ذلك أن بارمنيدس اعتمد في قصيدته حول الطّبيعة على توظيف عدّة أساطير لاهوتيّة عند حديثه عن رحلته من الشّك إلى اليقين، دون أن يحيل ذلك بالقطع على تمثّلات لاهوتيّة يصدر عنها خطاب بارمنيدس، فضلا عن ذلك فإنّ توظيف “الشّعر” في حدّ ذاته كقناة تعبيريّة يحمل دلالات جماليّة متعدّدة وهو ما يؤكّد هذا الطّرح الّذي ذهب إليه المؤرّخ الانجليزي.

على أنّ التّفكير في الجذور الأربعة بوصفها أصلا متكثرا للمبدأ الواحد يدفع إلى التّساؤل عن كيفيّة حدوث الامتزاج، بتعبير آخر، إذا كانت هذه الجذور الأربعة ذات هويّة ثابتة، وكلّ جذر/عنصر مستقلّ عن العناصر الأخرى، أي أنّ النّار مستقلّة من حيث كينونتها عن الهواء أو الماء، فكيف أمكن لها أن تأتلف أو تتمازج؟ كيف يمكن للعناصر الأوليّة المنفصلة والمختلفة من حيث كيفها أن تمتزج ببعضها وتأتلف؟ ما هي القوّة المحرّكة لهذا الامتزاج أو الانفصال؟

جدليّة المحبَّة والشّقاق:

في البدء كانت المحبّة وكان الوجود امتدادا دائريا تتآلف فيه كلّ العناصر وتتّصل بواسطة قوّة المحبّة، لكنّ الشّقاق (الكراهيّة) شرع يتسرّب إلى هذه الوحدة فيفصل بين ما هو متّصل ويباعد بين المتقارب ويجعل من المؤتلف مختلفا، إلى أنّ صارت كلّ الجذور منفصلة عن بعضها ومتفرّقة، ثمّ يأتي زمن المحبّة من جديد فيعيد رتق العناصر فيما بينها ويمزجها جاعلا بينها السّلم والوئام، ثمّ يحلّ الشّقاق مرّة أخرى ليفصل ويشتت ويباعد، ومن ثمّة كانت المحبّة قوّة توحيد دالةً على الوحدة، وكان الشّقاق قوّة تكثيرٍ دالةً على التّعدد داخل جدليّة من العود الأبدي الّتي ليس لها بداية وليس لها نهاية 7؛ هكذا يصدر العالم عن الجذور الأوليّة وتحدّث كلّ ظواهر الطّبيعة، بواسطة المحبّة والشّقاق: تندمج الأشياء وتمتزج بفعل المحبّة فيكون الاستواء، ثمّ تنفصل العناصر عن بعضها بفعل الشّقاق فتّتخذ مسارا جديدا من أجل إعادة الظّهور. إنّها دائرة من العود الأبدي حيث لا يفنى شيء ولا يخلق شيء من عدم، هو فقط عبور مزدوج بين الوصل والفصل تصدر عنه درجات متفاوتة من الامتزاج والاختلاط، أو التّنافر والانفصال.

يضيف أمبادوقليس أنّ هذه الجدليّة من العود الأبدي لا تنفصل عن قيمتي الخير والشّر، فحيث توجد المحبّة يكون الخير بما هو وحدة وهويّة وتطابق وتوحيد، وحيث يوجد الشّقاق يكون الشّر بما هو تعدّد وصراع وخضوع للشّروط الماديّة الّتي تحكم الحياة في دورتها الأبديّة8. لكن بأي معنى يمكن أن نفسِّر مفهومي الحبّ والكراهيّة؟ هل هما عبارة عن مشاعر إنسانيّة خالصة أضفى عليها أمبادوقليس طابعا أنطولوجيا، أم أنّهما بالفعل عبارة عن وجود موضوعي مستقلّ عن الذّات؟

يشير التّأويل الأرسطي9 إلى أنّ ما يتحدث عنه أمبادوقليس ليس مجرّد كيان معنوي رمزي، بل يتعلّق الأمر بكيانين ماديين ومجسّمين، ذلك أنّ المحبّة هي علّة فاعلة Cause efficiente من حيث كونها تصل بين العناصر المتباعدة وتُلْحمها، وهي أيضا علَّة ماديّة Cause matérielle من حيث كونها جزء من هذا الامتزاج الطّبيعي بين العناصر.

والواقع أنّ نظريّة أومبادوقليس الكسمولوجيّة وعلى الرّغم من أهمّيتها الفلسفيّة، فإنّها تحمل في طيّاتها مسبِّبات تجاوزها، فالقول بتعدّد الجذور الأساسيّة، وإن كان مقبولا من النّاحية التّجريبيّة إلّا أنّه يظلّ موضع شكّ وتساؤل من النّاحية العقليّة، لأنّ العقل بطبيعته يتطلّع إلى التّوحيد، فالتّفكير الطّبيعي عندما يبحث عن مبادئ الكون وقوانينه، فإنّه ينطلق من مسلمة أنّ العقل نفسه يتضمّن مجموعة من المبادئ الّتي تجعله مطابقا لذاته  بحيث تتّسم هذه المبادئ بالوحدة، من ثمّة أصبحت مهمّة “الحكماء Les sages” هي اكتشاف الرّوابط بين مبادئ العقل ومبادئ الكون، أي تطبيق التّفكير العقلاني على ظواهره المتعدّدة من خلال منهج صارم ومستقلّ عن كلّ مصادر المعرفة اللاّعقليّة، وذلك بهدف العثور على تجليات التّماهي بين  وحدة المبادئ العقليّة ووحدة القوانين الّتي تحكم الظّواهر الكونيّة داخل نظام اللّوغوس10 .

فضلا عن ذلك، إذا كان يُحسَب لأمبادوقليس تفكييره في مفهوم القوّة المحرّكة، فإنّ ما يؤاخَذ عليه هو إضفاء صفات إنسانيّة عليها، فالقول بأنّ المحبَّة تشكِّل عامل وصْل بينما تضطلع الكراهيّة بعمليّة الفصل، هو قول يفسِّر الكون وفق رؤية ذاتويّة تتّخذ من المشاعر الإنسانيّة وسيلة لتفسير الطّبيعة، ونسجِّل هنا أنّ هذه الفكرة الأمبادوقليّة سوف تشكِّل مدخلا معتمَدا بقّوة في التّأسيس المعرفي للنّظريّة السّوفسطائيّة حول المعرفة، والّتي ستجعل من أطروحة “الإنسان مقياس كلّ شيء” شعارَها المركزي بما هي تصريح مباشِر وإعلان عن النّزوع نحو أنسنَة الحقيقة وجعلِ المصالح الفرديّة معيارها الأساس.

خلاصات أساسيّة:

لقد أحدث أمبادوقليس منعطفا هامًّا في مسار الفكر الطّبيعيّ، إذ وجّه بحثه شطر مساءلة مفهوم الأصل في حدّ ذاته فنقله من مستوى الوحدة إلى مستوى التّعدد، ومن مبدأ التّطابق إلى مبدإ الاختلاف؛ ومن هنا أصبح الوجود يتحدّد لا باعتباره تصوُّرا ماهويا ذا خصائص قابلة للحصر داخل تعريف قطعي الدّلالة، بل يغدو منفتحا على الأفق اللاّمتناهيّة لإمكانات الظّهور والتّجلي والحضور، فالعلاقة بين الفكر والوجود ليست علاقة سيطرة وتملُّك، بل على العكس من ذلك، لا يمكن احتواء معنى الوجود إلاّ باعتباره قابلا للسَّفر الحرِّ بين للانكشاف والانحجاب.

وعند هذه الثّنائيّة من الظّهور والتّواري، تصبح الطّريق المؤدّية بهراقليطس نحو الصّيرورة هي نفسها المؤدّية ببارمنيدس نحو الثّبات11. ففي حقيقة الأمر ليس ثمّة أي تعارض بين طرح هذا وطرح ذاك، فالوجود يكشف بالضّرورة عن نفسه ويتجلّى للعَيان من خلال طريقة فهمنا له، يقول هايدغر: “الآن يبدو أنّنا قد وصلنا إلى النّقطة الّتي كنَّا نقصد ونأمل بلوغها. بما أنَّ الوجود كطبيعة (Physis) يتكوَّن ويتشكَّل من خلال الظّهور والمناظر والمشاهد، فإنّه يقف ويتجلّى في الأساس، وبالتّالي، وبالضّرورة، وبشكل دائم من خلال إمكانيّة الظّهور والّتي هي بدقّة تغطِّي وتخفي الموجود بالحقيقة، أي، تكون في التّخفي والاختباء. (…) فأينما يوجد تخفِّي الموجود واختباؤه، يوجد هناك أيضا إمكانيّة للظّهور”12 .

وبعد، فإنّ منجز التّفلسف مع الحكماء الطّبيعيين، – وبالخصوص مع بارمنيدس وهراقليط وأمبادوقليس – يكشف عن جوهر الحقيقة، لا بوصفها حقيقة قضويّة ذات بناءات منطقيّة واستدلاليّة، ولا بوصفها حقيقة للموجودات تحكمها العلاقة المتوترة بين ثنائيّة الذّات والموضوع، بل بوصفها “إسفارا ” (Lichtung) عن حقيقة الوجود، ذلك الإسفار الّذي يشير إليه المتصوّف الإسلامي ابن عربي حين يقول “تتلوَّن الحقيقة بوعي العارف، مثلما يتلوَّن الماء بلون الإناء”. وعند هذا الأفق من القابليّة المطلقة للاحتواء الكلِّي يصبح الوجود “متآصِلا” بالحقيقة، فتنمحي تلك الحدود المتوهَّمة والفاصلة بين الماديّ/الرّوحانيّ، الواقعيّ/ المثاليّ، التّجريببيّ/العقلاني…

******

[1]  ولِد أمبادوقليس Empédocle بمدينة أغراكاس جنوب صقلية حوالي عام 490 ق.م، وتوفي حوالي 430 ق.م، لم يتبق من مؤلفاته سوى شذرات مبثوثة في قصيدتين طويلتين: في طبيعة الأشياء، وفي التطهير. ومن أبرز من تتلمذ على يديه السوفسطائي الشهير غورغياس Gorgias.

[2]  حول فلسفة كل من بارمنيدس وهراقليط وتصورهما لمسألة الأصل الكوسمولوجي، يمكن الرجوع إلى المقالات المنشورة للكاتب على موقع الأوان:

https://www.alawan.org/author/ghamri/

[3] John Burnet, L’Aurore de  la philosophie Greque ;Edition Française par Aug. Reymond, Payot-Paris, 1919, P 258.

[4] نجيب بلدي، دروس في تاريخ الفلسفة، أعدها للنشر الطاهر وعزيز- وكمال عبد اللطيف، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الثانية 2004.ص33.

[5] الطيب بوعزة، أفول التفلسف الأيوني، مركز نماء للبحوث والدراسات، بيروت 2016، ص92.

[6] « Empédocle n’adressait pas de prières et n’offrait pas de sacrifices aux éléments, et l’emploi des noms divins est essentiellement un accident dû à la forme poétique dans laquelle il exposa son système ».

John Burnet, Ibid, P 261.

[7] John Burnet, Ibid, P 263.

[8] Charle Renouvier : Manuel de philosophie ancienne, Tome I, Paris , Paulin-Libraire-Editeur, 1844, P-P 178/179.

[9] John Burnet, Ibid, P 264.

[10] Renouvier, Ibid. P 95.

[11]  هايدغر: مدخل إلى الميتافيزيقا، ترجمة عماد نبيل، دار الفارابي، بيروت، لبنان،  ص348

[12]  المرجع نفسه، ص360 .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This