كيف يدبّر الشّباب الفقراء حياتهم الجنسيّة (ج1)

الملخّص التّنفيذي: تعتبر الحياة الجنسيّة عند الفئة الفقيرة من المجتمع، بمثابة نوع من التّفاخر والاعتزاز بالذّات، وهذا ما يفسّر أنّ الممارسات الجنسيّة عند الفقراء وبالضّبط فئة الشّباب، تعدّ بمثابة الحلم المثاليّ من أجل تحقيق الإشباع الجنسيّ، وبما أنّ المغاربة يعيشون بؤسا جنسيا، وانفجارا يجعل غالبيّة الشّباب أكثر عدوانا وعنفا نتيجة الحرمان والانفصام الّذي يسم علاقة المغاربة بالجنس حسب مجموعة من الدّراسات والتّقارير الدّوليّة والوطنيّة. وعليه يتمّ طرح سؤال أساسي في هذا الصّدد، هل يمكن القول أنّ الطّبقات الكادحة والفقيرة هي  الأكثر عرضة للفقر الجنسيّ؟ وما هي الكيفيّة الّتي يتمّ بها تحقيق الإشباع الجنسيّ عند الشّاب الفقير؟  وماهي طقوس المرور الّتي يمرّ بها الشّباب الفقراء تعبيرا عن حياتهم الجنسيّة.

على سبيل التّقديم:

تشكّل قضيّة الحياة الجنسيّة عند الشّباب المغربيّ بشكل عامّ والشّباب الّذين ينتمون إلى الطّبقات الفقيرة [1]على وجه الخصوص قضيّة سوسيولوجيّة تحتاج إلى الدّراسة والتّحليل ومحاولة تعميق الفهم والبحث فيها، فإذا كان أبناء الطّبقة الغنيّة يستطيعون الدّخول والخروج في ومن علاقات جنسيّة أو على الأقلّ يمكنهم تسوق الجنس من السّوق الجنسيّة، فإنّ أبناء الطّبقات الفقيرة يعانون من “شحّ الأمكنة” أو ما يصطلح عليه بين عموم الشّباب بـ”أزمة برتوش” حيث يجد الشّباب الفقراء أنفسهم أمام أماكن جديدة بمعنى أخر ينتجون فضاءات جديدة لتدبير حياتهم الجنسيّة.

في ظلّ القانون المغربيّ[2] والشّريعة الإسلاميّة باعتبارهما المرجعان الأساسيان اللّذان يبرزان الكيفيّة الّتي يجب على الشّباب تدبير حياتهم الجنسيّة وهي الزّواج، فإنّ الشّباب المغربي على وجه الخصوص كما يبيّن ذلك عبد الصمد الدّيالمي[3] يتحايلون عن القانون والدّين من أجل تدبير الحياة الجنسيّة. فالممارسات الشّرجيّة أو الفميّة هي ممارسات يتمّ التّحايل من خلالها على الدّين بالإضافة إلى الاستمناء. ثمّ أنّ هناك بعض الأماكن الّتي يتمّ الولوج إليه من أجل الاستفادة من خدمات معيّنة كمراكز التّدليك[4] لكن في حقيقة الأمر تقدّم أيضا خدمات جنسيّة وقس على ذلك من التّناقضات الّتي تبرز أهميّة الجنس لدى كلّ المجتمعات دون استثناء.

إنّ ما يهمنا من خلال هذا البحث ليس هو معرفة الشّباب المغربي بشكل عامّ وإنّما الكيفيّة الّتي يدبّر بها حياته الجنسيّة، ومعرفة الكيفيّة الّتي يستمدّ بها الفقراء معرفتهم الجنسيّة[5] بدرجة أولى ثمّ بدرجة ثانية معرفة أنواع وطبيعة الممارسات الّتي يُقدّم عليها أبناء الفقراء بداية من الطّفولة مرورا بالمراهقة وصولا إلى مرحلة ما بعد المراهقة.

سنعتمد من خلال هذا البحث على دراسة سيرة حياة لشاب هو طالب جامعي ينتمي إلى منطقة قرويّة وإلى عائلة فقيرة، اعتمدنا على المؤشّر الاقتصاديّ في تحديد وضعيته الاجتماعيّة والاقتصاديّة على اعتبار أنّ والده هو المعيل الوحيد للأسرة لا يتعدّى دخله الشّهري 1500 درهم، بالإضافة إلى أنّ والده ووالدته دون مستوى تعليمي.

كما أنّ هذا الشّاب يعتبر نفسه فقيرا وأنّ الظّروف الّتي نشأ فيها تعبّر على ذلك، وذلك من خلال مجموعة من المؤشّرات الكميّة والكيفيّة، بالإضافة إلى ذلك ينتمي إلى وسط قروي تنعدم فيه شروط التّرفيه، زيادة على ذلك أنّ البناء الاجتماعي للعلاقات بين جنسين مختلفين داخل هذا الفضاء يعود إلى خلفيّة دينيّة، حيث يعتبر المبحوث نفسه أن الدّين الإسلامي شكّل بالنّسبة إليه نقطة مهمّة في مسار حياته والّذي أثّر على حدّ تعبيره عن حياته الجنسيّة.

فالمعطيات الّتي يمكن إدراجها داخل هذا البحث هي معطيات ترتبط بعدد من الدّراسات الّتي تمّ الاطّلاع عليها وكذلك النّتائج الّتي تمّ التّوصل إليها من خلال البحث الميدانيّ. حيث سيتمّ توجيه مختلف مراحل الدّراسة بنظريّة مسار الحياة على اعتبار أنّ هذه النّظريّة تقدّم عدّة مفاهيم غنيّة يمكن الانطلاق منها في فهم وتحليل الموضوع المراد دراسته، بالإضافة إلى المزج بين مجموعة من الأبحاث والدّراسات المنجزة حول الجنسانيّة بشكل عامّ كدراسة عبد الصمد الدّيالمي[6] وفوزيّة بورج [7]وكذلك بول باسكون[8] وغيرهم.

يمكن تقديم في هذا السّياق بعض النّقاط والمفاهيم الأساسيّة الّتي ترتبط بنظريّة المسار المعتمدة في الدّراسة:

نظريّة دورة الحياة -life course[9]

إنّ الحديث عن نظريّة دورة الحياة هو حديث بالأساس عن براديكم نظري يهدف إلى دراسة السّيرورة الاجتماعيّة والتّاريخيّة للأفراد والجماعات خلال مراحل تاريخيّة مختلفة، في حقيقة الأمر تمّ الاعتماد على هذا النّموذج من طرف الدّيموغرافيين الّذين يهدفون إلى دراسة تطوّر الأسر عبر الأجيال، من خلال معرفة التّطورات والتّغيرات الّتي تطرأ على الأسر. لكنّ هذا الأمر ليس بالجديد في الحقل السّوسيولوجي فإذا عدنا إلى مدرسة شيكاغو سنجد عددا من الدّراسات الّتي تمّ الاعتماد فيها على سيرة حياة[10].

يعتبر كلّ من Glen H. Elder [11] وMonica Kirkpatrick Johnson من المنظّرين لهذا التّصوّر النّظريّ من خلال تبنّي هذا الطّرح النّظريّ، حيث نجد أنّ عددا من الأعمال الّتي أنجزها ألدر يعتمد فيها على عدّة مفاهيم داخل حقل “مسار الحياة”, حيث اعتمد هذا الأخير على نهج هذا التّصور في معرفة تغيّر مسار الأسرة وبين من خلال دراستها أنّ للأسرة مسار حياة يتميّز بوجود أحداث تحدث انتقالا في المسار كما أنّ هناك نقط تحوّل الّتي تغيّر المسار.

تنطلق هذه النّظريّة من مجموعة من المسلّمات الأساسيّة:

تهدف هذه النّظريّة إلى دراسة التّحولات أو التّغيرات الّتي تطرأ على الأفراد والجماعات من خلال مجموعة من الأحداث “الطّلاق”، “الزّواج“، “ولوج سوق الشّغل”، “الطّرد من العمل” “الإصابة بالمرض” كلّها أحداث تغيّر مسار حياة الأفراد، وبالتّالي فالمسار هو سلسلة من الأحداث المتعاقبة والمختلفة في الزّمان. فعندما نتحدّث عن التّخرج من الجامعة ثمّ البحث عن وظيفة والولوج إليها ثمّ الزّواج بعدها ولادة الطّفل الأوّل، فإنّنا نتحدّث عن مسار حياة شخص معيّن هذا المسار يتميّز بأحداث متعاقبة تختلف في الزّمان والمكان.

ينبني هذا التّصور النّظري على بنيّة مفاهيميّة أساسيّة وهي:

المسار  “course “هو عبارة عن سلسة من الأحداث الّتي تحدث وفق مراحل تاريخيّة مختلفة حيث يتمّ تعرفها اجتماعيا وترتيبها في الوقت والسّياق التّاريخيّ المناسبين.

عندما نتحدّث عن مسار حياة عاملة الجنس فإنّنا نتحدّث عن سلسلة من الأحداث الّتي تحدث في مراحل تاريخيّة مختلفة سواء تعلّق الأمر بحدث مرتبط الافتضاض أو الطّلاق، أو حدث أثناء مزاولة العمل.

أمّا فيما يتعلّق بالتّعريف الاجتماعيّ للمسار يمكننا إدراج التّدرج الطّبيعيّ في المدرسة فعندما نتحدّث عن طفل في ربيعه الثّامن فإنّنا نتحدّث بالأساس عن المرحلة الابتدائيّة أمّا عندما نتحدّث عن شاب في عقده الثّاني فإنّنا نتحدّث عن مرحلة التّعليم العالي، هذه التّصنيفات يتمّ بناؤها اجتماعيا وترتيبها وفقا لمعايير اجتماعيّة وقانونيّة أيضا.

الرّحلة الاجتماعيّة” social pathways

يشير مفهوم الرّحلة الاجتماعيّة إلى الجانب المؤسّسيّ والمعياريّ لحياة الإنسان، كما أنّه يمكن استعمال مفهوم مسار حياة بدل الرّحلة الاجتماعيّة خصوصا وأنّ المسار عبارة عن رحلة اجتماعيّة تتأثّر بالسّياق التّاريخيّ والاجتماعيّ للأفراد والجماعات فالانتقال من الطّفولة إلى المراهقة ثمّ الدّخول إلى عالم الكبار يمكن اعتباره مسارا هو عبارة عن رحلة اجتماعيّة، كما هو الحال بالنّسبة للأسرة؛ فتكوين أسرة يشكّل رحلة اجتماعيّة تختلف مكوّناتها من مرحلة إلى أخرى في البداية تتكوّن من شخصين على الأقلّ بعد مدّة يظهر مولود جديد مشكّلا بذلك  حدثا داخل الرّحلة الاجتماعيّة. بيد أنّ هذه الرّحلة تتميّز أيضا بنقاط تحوّل قد تطرأ في أي لحظة كان يتوفى أحد أفرادها قد يشكّل في حدّ ذاته حدثا قد يغير مسار الرّحلة الاجتماعيّة كاملة.

الانتقال”” transition: يشير مفهوم الانتقال إلى التّغيير من مرحلة إلى أخرى أو التّغيير الحاصل عبر موقف معيّن، أو التّغيير الحاصل من فترة إلى أخرى أو من حالة أو دور لآخر. يعرف الانتقال بأنّه فترة تغيّر قصيرة. يختلف الانتقال عن المرحلة باعتبار أنّ الانتقال يرتبط بنهاية المرحلة السّابقة وبداية المرحلة اللاّحقة أمّا المرحلة ترتبط فقط بفترة زمنيّة طويلة وتنتهي ببداية المرحلة الموالية؛ فالانتقال من المراهقة إلى البلوغ يعتبر أفضل مثال لفهم الفرق بين المرحلة ولحظة الانتقال. بالإضافة إلى ذلك يمكن القول أنّ الانتقال دائما ما يصاحبه تغيّرا سواء في الأدوار الاجتماعيّة أو في شبكة العلاقات الاجتماعيّة؛ فعندما يصبح الموظّف رئيسا فإنّه يوسّع من شبكة علاقاته كما أنّ أدواره الاجتماعيّة والمهنيّة تتبدّل.

نقطة التّحول: يشير هذا المفهوم إلى جميع الأحداث الّتي تحدث تغيّرا جوهريا في دورة الحياة، حيث ينتج أيضا عن نقطة التّحول تغيرا وظيفيا، فيمكن اعتبار المرض نقطة تحوّل حيث ننتقل من خلالها الشّخص من وضعيّة صحيّة له نشيط داخل الأسرة والعمل إلى شخص مصاب غير قادر على القيام بوظائفه الاجتماعيّة والمهنيّة.

الحدث: يشكّل الحدث حقيقة يمكن تسجيلها في لحظة معيّنة والّتي تتعلّق بالفرد في زمان ومكان محدّدين، قد يكون الحدث متكرّرا ومتوقّعا ويمكن أن يكون غير متوقّع ويمكن أن يكون خاصّا بالفرد أو الجماعة. فمثلا فقر الأسرة يشكّل حدثا ينتج عنه ردّة فعل متوقّعة وهي البحث عن موارد ماديّة مباشرة.

المحور الأوّل: التّنشئة الجنسيّة:

إنّ الحديث عن التّنشئة أو التّربيّة الجنسيّة هو حديث بالأساس عن مجموعة من المعارف والخبرات والتّجارب والقيم الّتي يتمّ تداولها وتشاركها بين الشّباب وأقرانهم أو داخل أسرهم بأشكال مختلفة وبدرجات متباينة.

فالكيفيّة الّتي يتمّ الحديث بها عن الجنس داخل الأسرة تختلف كثيرا عن الكيفيّة الّتي يتمّ بها الحديث عنه بين الأقران.

فالأسرة تعتبر موضوع الجنس من بين الموضوعات المرفوضة داخل البيت وحتّى وإن تمّ الحديث عنها يتمّ بشكل محدود جدّا وغالبا ما يتمّ معاقبة الأبناء عند حديثهم عن أي موضوع جنسي”مكنتش تنهضر على الجنس فالدّار حينت حشومة وتنخاف إلى اضربني با ولا مي” فالحشمة أو الحياء داخل الأسرة من بين الأحداث الّتي تجعل الجنس مرفوضا وغير قابل للحديث عنه وبالتّالي فمساهمة الأسرة في التّربيّة الجنسيّة لا تعدوا كونها مساهمة بسيطة تجعل من الأعضاء التّناسليّة لأبنائهم وبناتهم أعضاءً غير معروفة ولا يمكن تسميتها إلاّ بـ”الحْجر[12]” أو “المَاعْن” وفي مرحلة متقدّمة يمكن تسميّة الخصيتين بـ” البَيْضات”.

في ذات السّياق يمكن القول أنّ الخطاب داخل الأسرة يختلف باختلاف المراحل العمريّة وهنا يمكننا التّمييز بين مرحلة ما قبل المراهقة ومرحلة المراهقة ومرحلة ما بعد المراهقة، حيث الانتقال من مرحلة إلى أخرى غالبا ما يرتبط بحدث معيّن والّذي يساهم في الانتقال من مرحلة إلى أخرى.

حيث أنّ هذا الخطاب يعكس المعرفة الجنسيّة لدى الشّباب بشكل عامن بمعنى آخر أنّ المعرفة الجنسيّة لدى الشّباب الّذين ينتمون إلى وسط فقير، تتغير بتغيّر المراحل العمريّة، حيث أنّ هذه المراحل لا يمكن ربطها بالزّمن وإنّما بأحداث وبالتّالي فيمكننا التّمييز بين البلوغ الاجتماعيّ والبلوغ البيولوجي، كما أنّنا يمكن التّمييز بين المعرفة الجنسيّة المبنيّة علميا والمعرفة الجنسيّة المبنيّة اجتماعيا، فالثّقافة الجنسيّة المبينة اجتماعيا ترتبط أساسا بالوضع الاجتماعيّ، وهذا ما يمكن أن نستشفّ من خلاله أنّ معرفة الفقراء حول الجنس هي ثقافة  “فقيرة” تعكس فقرهم.

أوّلا: مرحلة ما قبل المراهقة: تتميّز هذه المرحلة أساسا بما يمكن أن نسمّيه بالمعرفة السّطحيّة حول الجنس، أو بالمعرفة الطّفوليّة، حيث يتمّ تصوّر أنّ الممارسات الجنسيّة بين الرّجل والمرأة هي تعذيب من طرف الرّجل على المرأة.” فاشْ كُنت صغير باقي مَعارفْ والو شْفت خَالي فُوق مْراتو مْشيت تَنبكي عنْد مِي قُلت ليها خالي تِضْرب فْمراتو” فالتّصور الّذي يحمله الطّفل في هذه المرحلة يقتصر فقط على ما تنتجه الأسرة من خطابات، والّذي يمكن القول من خلاله أن ّالأسرة تحاول استبعاد الجنس من مواضيعها ممّا يجعل الطّفل يبحث عن إجابة لمجموعة من الأسئلة كـ: كيف ولدت؟ ما الفرق بين جسد المرأة وجسد الرّجل؟ ..إلخ.

ثانيا: مرحلة المراهقة: ترتبط مرحلة المراهقة بلحظة أساسيّة وهي لحظة الانتقال من عالم الطّفولة[13] الّذي يتميّز بنوع من البراءة والبرودة نحو إيثار المواضيع والبحث عن كلّ ما يرتبط بالجنس، إلى عالم المراهقة أو ما يمكن تسميته بالبلوغ الاجتماعيّ، حيث تصبح المواضيع الجنسيّة أكثر إيثارة في عالم المراهقة.

قبل الحديث عن ما يعرفه المراهق عن الجنس لابدّ من الوقوف عند الكيفيّة الّتي يقوم بها المجتمع بتصنيف الشّخص مراهقا، وذلك من خلال مجموعة من العبارات ك“قُوقْعتي”,”شَمِيتي رِيحْت طْوابك”,”شميتي صْنانك”,تْكادو الكْتاف”.

إذا كان البلوغ البيولوجي يرتبط بمجموعة من التّغيرات الفيزيولوجيّة كنضج الأعضاء التّناسليّة وغيرها من المؤشّرات، فإنّ البلوغ الاجتماعي يرتبط بتغيّر في الوظائف والأدوار المنوطة بالمراهق وكذلك بتغيّر الخطابات حوله.

في هذه المرحلة يصبح دور الأسرة في التّنشئة الجنسيّة غير واضح وذلك من خلال محاولة المراهق الخروج عن السّلطة المفروضة عليه وبناء شبكة علاقات جديدة، بمعنى الأسرة لم تعد هي المؤسّسة الوحيدة الّتي يمكن من خلالها توجيه المعرفة الجنسيّة، بل تظهر وسائل أخرى يستمدّ منها المراهق معرفته الجنسيّة كـ” المواقع البورنوغرافيّة” فمرحلة المراهقة كنت تنتفرج بزاف فالبورنو” حيث أنّ في هذه المرحلة يكون فضوله أكبر حول معرفة كلّ ما يتعلّق بالجنس وبالتّالي الأسرة لا يمكنها أن تقدّم إجابات للمراهق فيعمل المراهق على أخذ المبادرة والبحث بنفسه، غير أنّ المعرفة الجنسيّة المقدّمة من طرف المواقع البورنوغرافيّة هي معرفة مشوهة “داكشي لكنت تنشوف فالبورنو كولو كذوب وهادشي معرفتو حتى كبرت” بمعنى أنّ ما يمكن من خلاله تحديد المعرفة الخاطئة أو المعرفة الصّحيحة هو ما مدى توافق الممارسات الجنسيّة الفعليّة مع التّصورات الموجودة مسبقا في مخيّلة الفرد، وبالتّالي فالمعرفة الجنسيّة الّتي يستمدّها الفرد من مجموعة أقرانه هي معرفة صحيحة لأنّها لا تخرج عن سياق التّجارب الفعليّة لهم وبالتّالي فنقل التّجارب بين الأصدقاء يكون ذات مصداقيّة مقارنة بما يتمّ تصوره في الأفلام البورنوغرافيّة.

ثالثّا: مرحلة ما بعد المراهقة:

يرتبط التّفكير في الجنس وتشكّل الوعي في هاته المرحلة بالأساس من خلال التّجارب الفعليّة والواقعيّة الّتي يخوضها الشّباب، ” أول مَرة عْرفت الجِنس عْرفُتو عن طريق إمْرأة”، بمعنى أنّ الاحتكاك مع الجنس الآخر في هاته المرحلة يشكّل مصدرا لتشكّل وبناء المعرفة الجنسيّة.

بالإضافة الى ذلك يمكن الحديث عن الكتب والقصص والرّوايات الّتي تهتمّ بالجنس كمصدر لتشكّل وبناء المعرفة الجنسيّة ” أول مَرة قريت على الجنس كان كتاب ابراهيم الفقهي تحفة العروس”  وهنا يمكننا الحديث بالأساس على أنّ تشكّل المعرفة الجنسيّة الأولى ينبني على القراءة الأوليّة وهنا تبنى المعرفة السطحيّة حول المعرفة الجنسيّة لتنتقل بالتّالي إلى الممارسة الواقعيّة، الّتي بدورها تخضع الى مجموعة من طقوس المرور من بينها مشاهدة أفلام البورنوغرافيا وغيرها من الممارسات الّتي يلجأ إليها الشّباب الفقراء من أجل التّنفيس عن رغباتهم الجنسيّة.

المحور الثّاني : ما معنى الجنس؟

إنّ البناء الاجتماعي والثّقافي لمفهوم الجنس يختلف تماما على التّعريف العلميّ، فالكيفيّة الّتي يعرفون بها الفقراء الجنس، وكذلك الطّريقة الّتي يتصوّرون بها العلاقات الجنسيّة والممارسات الجنسيّة الفعليّة، تعكس في الحقيقة وضعهم الاجتماعي والاقتصادي[14].

فالفقراء في كثير من الأحيان ينظرون إلى الجنس على أنّه شيء يمارس في الخفاء ولا أحد يمكن أن يعرف الكيفيّة الّتي يمارس بها الجنس؟ ومتى يمارس؟ ومتى لا يمكن للرّجل أن يمارس الجنس مع المرأة؟

هنا يمكننا التّوقف عند مسألة أساسيّة وهي الكيفيّة الّتي يتغيّر بها التّفكير في مفهوم الجنس من مرحلة إلى أخرى أي مرحلة ما قبل المراهقة، مرحلة المراهقة، ومرحلة ما بعد المراهقة. وكذلك اختلاف مفهوم الجنس من المنزل “الأسرة” إلى المدرسة فالجامعة. فيمكن القول أنّ التّصور الّذي يحمله الفرد عن الجنس في مرحلة الطّفولة يعكس الخضوع واللاّمعرفة للطّفل، أمّا مرحلة المراهقة فهي ترتبط بالخروج عن السّياق الأسريّ والاحتكاك بالأقران، ثمّ مرحلة ما بعد المراهقة فهي الّتي تشكّل ضرورة المعرفة الجنسيّة لأنّ الأمر في هذه المرحلة يصبح مرتبط أساسا بالرّغبة في الدّخول في علاقات جنسيّة “حقيقيّة”.

أمّا السّياق الآخر يمكننا القول عنه؛ كلّما انتقلنا من الفضاءات المغلوقة إلى الفضاءات المفتوحة كلّما أصبح الجنس أكثر عمقا وانفتاحا، بتعبير آخر كلّما ابتعدنا عن المنزل من حيث الجاني الثّقافيّ والاجتماعيّ كلّما أصبح الخطاب نحو الجنس أكثر تحرّرا.

أوّلا : مرحلة ما قبل المراهقة:

تعتبر مرحلة ما قبل المراهقة من حيث آليات القهر والإلزام الاجتماعيّ هي المرحلة الأكثر ضغطا من طرف الأسرة والمجتمع، وذلك من خلال إقصاء الأطفال من النّقاشات الجنسيّة وتمرير لهم معارف “خاطئة” ” كُنت سولت مِي كيفاش تولدت قالتّ لي خْرجَتي مَن كَرْشي”  هنا اكتشفت حينها أنّ أمّي هي الّتي ولدتني وأنّ فعل الولادة يرتبط فقط بالأمّ أمّا الأب فهو فقط معيل للأسرة. بيد أنّ في هذه المرحلة تطرح عدد من الأسئلة كطبيعة العلاقة الّتي تربط الأمّ بالأب مثلا؟ “فاش كُنت صَغير وانأ عندي 8 سنين كنت تنْعس حْداهم تَنشُوفهم تِتْغطاو بْجوح مَكونتش عَارف عْلاش” مسألة مهمّة يمكننا الوقوف عندها وهي أنّ الفقراء لا يمكنهم أن يجدوا لأنفسهم مكانا لممارسة الجنس بكلّ حريّة وذلك يمكن تفسيره بمجموعة من العوامل كغياب عدد الغرف الكافي ليتمّ الفصل بين الآباء والأبناء ويستقلّ كلّ واحد عن الآخر، بل أكثر من ذلك في أحيان كثيرة خصوصا في الأحياء الهامشيّة يوجد مجموعة من الإخوة يتقاسمون غرفة ذكورا وإناثا.

بناء على ما سبق يمكن القول أنّ الطّفل في هذه المرحلة ينظر للجنس على أنّه غير موجود “خيالي” هذا في ما يرتبط بفترة من خمس إلى سبع سنوات، بعدها يصبح الجنس موجودا لكن بصورة ضبابيّة أي أنّه غير واضح، وفي الفترة الفاصلة بين المراهقة وما قبل المراهقة يصبح الجنس شيئا مّا واضحا وهو عبارة عن ارتباط بين رجل وامرأة، ذكرا وأنثى. وهذا ما تعكسه مجموعة من الألعاب الّتي ترتبط بهذه المرحلة بالأساس خصوصا في العالم القرويّ “كُنا تَنلعبو العْروسة والعَريس وكْنا تنشطحو ونغنيو, ونلعبو, كنت تَنجسد دور الزوج وتَنْمشي ندير بحال با تنمشي الفلاحة ومراتي تتقابل الكوزينة وتتجيب ليا الماكلة”  إنّ هذا الحدث يشكّل بحقّ انعكاسا للكيفيّة الّتي يتصوّر بها الطّفل العلاقة بين الرّجل والمرأة في هذه المرحلة، حيث أنّه يعتبر أن العلاقة بين الرّجل والمرأة تقتصر فقط على تقسيم الأدوار ولا وجود لحياة جنسيّة لهم.

ثانيا: مرحلة المراهقة:

يمكن الحديث عن الجنس في هذه المرحلة باعتباره مجموعة من الممارسات الّتي يقوم بها المراهق تعبيرا عن انفتاحه عن عالم الجنس ومجموعات من التّقنيات الّتي يتمّ إنتاجها من أجل تفريغ الطّاقة الجنسيّة.

فالجنس في هذه المرحلة يصبح ضرورة بيولوجيّة واجتماعيّة ترتبط بمجموعة من العوامل كمحاولة بناء علاقات عاطفيّة مع الجنس الآخر، غير أنّ هذا لا يعني أنّ التّصورات الطفوليّة تمّ التّخلص منها بل لا يزال هناك نوع من الأثر حتّى في هذه المرحلة. فالقبلة أو لمس يد الفتاة أو الحديث معها كافي ليعتبره الفقير ممارسة جنسيّة. ففي مرحلة المراهقة الّتي يحاول الفقير فيه نسج علاقات مع الجنس الآخر غالبا ما يحاول اعتبار أنّ الجنس يدنّس العلاقة الجنسيّة، والجنس بالنّسبة إليه في هذه المرحلة يقتصر فقط على التّقبيل واللّمس.

بالإضافة إلى ذلك يمكن أن نضيف التّباهي أمام أقرانه بأنّه “مْصاحْب”، فالعلاقات العاطفيّة عند المراهقين تشكّل لحظة الانتقال من عالم الأطفال إلى عالم المراهقين، بمعنى آخر المراهق الّذي يستطيع أن ينسج علاقات كثيرة مع الفتيات يسمّى محظوظا[15].

فالجنس لم يعد “حشومة” أو “خيالا” بل أصبح واقعا اجتماعيا يرتبط أساسا بالابتعاد عن الأسرة واقتحام مجالات جديدة وفضاءات مختلفة، ففي هذه المرحلة يمكننا الحديث عن دور “البورنوغرافيا” في توجيه المراهق نحو العلاقات الجنسيّة “فاش تفرجت اول مرة فالبورنو كانت عندي 15 عام ديك ساع اول مرة تنشوف جسدين عاريين اصبت بالصدمة“، بمعنى آخر أنّ المعرفة الجنسيّة يستمدّها المراهق من هذا المصدر، ممّا يجعله يغير أو على الأقل يطوّر من معرفته الجنسيّة وتصوّره للجنس من اللاّمعرفة إلى المعرفة وبالتّالي العودة إلى الوراء ومحاولة الفهم والبحث عن اجوبة لكلّ الأسئلة الّتي لم يجد لها جوابا في مرحلة سابقة.

ثالثا: مرحلة ما بعد المراهقة:

تتميّز هذه المرحلة بمسألة أساسيّة ومهمّة وهي أنّ الحديث عن الجنس في هذه المرحلة أصبح أكثر نضجا وواقعيّة، ففي هذه المرحلة يتمّ الانتقال من اعتبار الجنس مقتصرا فقط على اللّمس والقبل إلى ضرورة الدّخول في ممارسة جنسيّة ” حقيقة”.

وبالتّالي فلم يعد بناء العلاقات العاطفيّة من أجل التّباهي الاجتماعيّ واعتبار أنّ ممارسة الجنس مع الرّفيقة يعتبر تقليلا وتنقيصا من قيمتها “قحبة” بل نجاح أو فشل العلاقة العاطفيّة رهين بنجاح أو فشل العلاقة الجنسيّة. “نجاح العلاقة في الفراش يساوي نجاح علاقة الحب”

في هذه المرحلة بالذّات يمكننا الحديث عن مسافة كبيرة وحريّة أكبر، تتجلّى أساسا في تطوّر المعرفة الجنسيّة والّذي يصاحبها تطوّر في الممارسات الجنسيّة أيضا. فالفقراء عندما يصبحون شبابا يصبحون يعيشون نوع من “الفقر الجنسي”.

تتميّز هذه المرحلة بمجموعة من الأحداث الّتي يمكن اعتبارها أحداثا مهمّة في مسار حياة الشّاب الفقير الجنسيّة, كممارسة أوّل علاقة جنسيّة كاملة.

******

[1]  نتحدّث هنا عن الطّبقات الفقيرة وليس الطّبقة لأنّ الفقراء أنفسهم غير متساوون، سنعتمد صيغة الجمع أو التّعميم مع العلم أنّ البحث هم حالة واحدة وذلك من خلال مجموعة من المبرّرات المنهجيةّ اعتمدنا عليها وهي التّأويليّة، حيث أنّ كلّ ما جاء في هذا البحث هو عبارة عن تأويل من درجة أولى يرتبط بالمبحوث وتأويل من درجة ثانية يعود إلى الباحثين.

[2] الفصل 490 من القانون الجنائي المغربي ينصّ على أنّ كلّ علاقة جنسيّة بين رجل وامرأة لا تربط بينهما علاقة زوجيّة تكون جريمة الفساد ويعاقب عليها بالحبس من شهر إلى سنة.

[3] عبد الصّمد الديالمي، سوسيولوجيا الجنسانيّة العربيّة، دار الطّليعة، بيروت، الطّبعة الأولى، 2009 ص،

[4]  المصدر: البحث الميداني.

[5]  المقصود بالمعرفة الجنسية تلك المعرفة الأولية المبنية اجتماعيا التي يكتسبها الفرد من خلال التنشئة الإجتماعية.

[6] عبد الصمد الديالمي، مرجع سابق.

[7]  فوزية برج البؤس الجنسي والبغاء. المركز الثّقافي العربي، الدّار البيضاء.

[8] Ce que disent 296 jeunes ruraux : enquête sociologique .Paul pascon.Makki Bentahar.Société d’etudes économoques. Social et statistique du Maroc. 1970

[9] Ana Gherghel, La théorie du parcours de vie Une approche interdisciplinaire dans l’étude des familles, Presses de l’Université Laval,2013

[10]  تعتبر دراسة الفلاح البلوني 1918-1920 من طرف طوماس وزنانيكي من الدّراسات الأولى الّتي تمّ الاعتماد فيها على دراسة حالة.

[11]  Glen H. Elder هو عالم اجتماع امريكي ولد سنة 1928 بالولايات المتّحدة الأمريكيّة وله عدّة دراسات من بينها  Children of the Great Depression: Social Change in Life Experience

[12]  مصطلحات يتمّ استعمالها داخل الأسرة كشكل من إشكال التّنشئة الاجتماعيّة، فالجهاز التّناسلي يصطلح عليه ” الحجر أو الماعن”.

[13] حينما نتحدّث عن الطّفولة فإنّنا نتحدّث عن رحلة بيولوجيّة نحو البلوغ كما أنّ يمكن اعتبارها المحصلة المتغيّرة لعلميات اجتماعيّة وتاريخيّة واقتصاديّة واجتماعيّة، أمّا بالنسبة للسّياق الّذي نتحدّث فيه عن الطّفولة فهو يرتبط بتطوّر المعرفة الجنسيّة وأنّ ما يحدّد الفصل بين الطّفولة والمراهقة هو الأحداث والمواقف وليس العمر.

[14]  المقصود بذلك أنّ الفقراء شبه منقطعين عن وسائل وأدوات تعلّم الجنس بالكيفيّة الّتي يُعلمها علماء الجنس وينصحون بها نظرا لعدم احتكاكهم بالكتب والمواد الاعلاميّة الّتي يقدم دروس ونصائح في الجنس والتّربية الجنسيّة.

[15]  نظرا لطبيعة المجتمع المغربي وبنيته الاجتماعيّة، يمكن القول أنّ الشّاب في كثير من الأحيان هو الّذي يحتاج إلى الجنس وهو الّذي يجب أن يطلبه، في حين أنّ الفتاة الّتي تطلب الجنس أو في أحسن الأحوال إنشاء علاقة عاطفيّة يتمّ التّقليل من شأنها أو اعتبارها “قحبة”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This