“مع المخطوطات العربية” لكراتشكوفسكي صديق الشرق 

ما أن تَنتَهي من قراءة كتَاب “مع المخطُوطاَت العَربية ـ صفحَات مِن الذّكريات عن الكُتب والنَّشر” لعَميد المُستعربين الرُّوس أغناتي كراتشكوفسكي حتّى تُصاب بالذُّهول من الاكتشافات العظِيمة التي قدَّمها للعالم، إذ اكتشفَ مخطوط “المنازل والدِّيار” للأمير السُّوري أسامة بن مُنقذ بخطّ يده، كما قَام بنشر رِسالة الملائِكة لأبِي العلاء المعرّي، وقدَّم كشفا لأحد الفُروع المجهُولة في تاريخ الأدب العَربي المُتعلقة بالأدب العربي في شمال القُوقَاز، وتَرجم الطّبعة الكامِلة لألفِ لَيلة ولَيلة، إضَافة لتَرجمَتِه للقرآن الكريم للّغة الرُّوسية إضافة لسَردها لأسمَاء عَشرَات المَخطُوطات الهامَّة التِّي وقَف علَيها بِجلاء واستِبصَار.
يقول كراتشكوفسكي: “وفِي الأيَام الأخِيرة، في بِدَاية شَهر كانُون الثَّاني/ يناير 1910 التقيتُ برسَالة “في الإعراب” مجهولة للفَيلسوف والشَّاعر الأعمى أبي العَلاء، وقد طرِبتُ لهذه الرّسالة لا لذَاتها فحسَب بَل لأنَّ صَاحبَها معروفٌ لدَى جيّدا، وكان قد سبقَ أن جمعتُ كلّ ما يتعلَّق به دُونَما غَرض خاص.. وكنتُ قد ورثتُ هذا الاهتمام بأبِي العلاَء عن معلمي رُوزن”.
المسؤُولية العِلمية نلمسُها في كلِّ صفحة من صَفحات الكِتاب، كمَا نلمس صداقتَه التي تتوثَّق مع المخطُوطات، والكُتب بشَكل وَثِيق وبطَريقة حَميمَة ومُؤثرة يصِفها كراتشكوفسكي “هكَذا وعلى نَحو مُفاجئ وغَريب، تشَابك البَشر والكُتب مِرارا بدُون انفصال أثناء رِحلتي إلى الشَّرق. ولكن مرَّ الزَّمن بَعيدا.. بَعيدا ودفعت الكُتب البشر إلى الخَلف. وفي الحقِّ أن المخطُوطات في الشَّرق لم تَلتهمني وحدَها بل التهمتْنِي المطبوعَات … أدخلَتني الكُتب إلى عَالم جَديد، وعَرضَت عليّ أُناسا بطرِيقة أسهَل وأسرَع مِمَا لو حاوَلت أنَا نفسِي ذلك، وإنَّه لمن المَفهُوم أننِي كنتُ أشعرُ مع الكُتب بحريّة أكثر ممَّا مع النَّاس. وهكذا دخلت الكُتب في صِراع مع البَشر ومَا كانَ ذلك للمرَّة الأولى في حَياتي، وكانَ النَّصر حليفا للكُتب، وكَان انتصَارا حاسِمًا، كما يبدُو لي.. إلاَّ أنَّ الحياة علَّمتني أنَّه لا يُمكن الفَصل بينَ البَشر والكُتب. فمِن جَديد وجدتُ الكُتب تُوجهني إلى البَشر، وعندئذ فقَط فهِمتُ بدقَّة تَاريخ عُلومنا الإستعرابية.
هذَا الكِتَاب أصعَب مِن أَن يتِم الإلمَام برِسَالتِه الإنسَانية النَّبيلَة والخَالدة في وقفَة واحِدَة لمَا يعرضُه مِن معلُومات نَادِرة للمخطُوطَات التِي اكتشفُها أو أطلِّع عليهَا أثناءَ رحلَاته المُتعددة لمُدن العَالم، وكذلِك لتَوثِيقه للرسَائل الأدبية والحِوارات الشَّيقة بينَه وبينَ ميخائيل نُعيمَة، وأمِين الرَّيحاني، ومحمُود تيْمُور، وغيرِهم، وكذلِك رُؤيته للشَّرق التَّنويرِي بِداية القَرن الماضِي وهي على أي حَال أفضَل مِن بدَايات هذَا القَرن تَنويريًا ومعرفيًا.

“ما أن تَنتَهي من قراءة كتَاب “مع المخطُوطاَت العَربية ـ صفحَات مِن الذّكريات عن الكُتب والنَّشر” لعَميد المُستعربين الرُّوس أغناتي كراتشكوفسكي حتّى تُصاب بالذُّهول من الاكتشافات العظِيمة التي قدَّمها للعالم”

يعكسُ الكتاب صُورة الشَّرق التَّنويري عبرَ رَحلات المُؤلف لبيرُوت والقاهِرة والقُدس ودِمشْق وبيرُوت، الشَّرق الذِي استحوذَ على حَياة كراتشكوفسكي كانَ يرَاه في المَكتبة الشَّرقية بجَامعة القِدِّيس يُوسف، والمتحَف العَربي فِي القَاهرة، والمَكتبة الخِديويَة، والمَكتبة المترُوبُولية المَارُونية، ومخطُوطات مَكتبة الأَزهر، ومَكتبة الإسكندرِية، ومَدارِس الجَمعية الفلِسطينية الرُّوسية، والمكتَبة الخَالدِية في القُدس.. كلّ هذِه الأسْفار وغيرِهَا كانت سببُها الأول والأخِير المخطُوطات لأنَّها وِفق ما يقُول “غالبًا ما تسوقُ أقدار النَّاس على نَحو غيرِ مُتوقع، وتَوجُههم حسبَ إرادَتِها ورغبتُها. ومن الصَّعب جدًّا على الإنسَان الذّي تعَايش معَها، أن يخرُج من تحتِ سُلطانِها”.
حقًّا إذا كانَ ديستويفسكي رِوائي رُوسيا العظِيم، فإنَّ كراتشكوفسكي (1833-1959) يعد بحقّ شيخُ المستعربٍين الرُّوس.
يقول الدكتُور مُحمد مُنير مُوسى، مُعرّب الكِتاب في طَبعته المُنقَّحة والصَّادرة في عَام 1969، في مُقدمته للكِتاب: بلغَ مجمُوع ما كَتبَه كراتشكوفسكي ستمئة دراسَة عِلمية؛ ولكن الميادِين الأسَاسية لنشَاطِه العِلمي إنَّما كانت في تَاريخ ونَظرية الآداب العَربية، سَواء فِي القُرُون الوُسْطى أم في العَصر الحَديث… وهُناك ثبت في نِهاية الكِتاب بأسْمَاء المؤلفَات والأبحَاث التِي أصبحَت تَحتاجُ لإعَادة طِباعة ولِمُبادَرة خَلاَّقة بما فيهَا هذا الكِتاب أيضًا “مع المخطُوطات العَربية” وهُنا دَعوة لِدُور النَّشر العَربية لخِدمة آثَار هذَا الشَّيخ الجَليل الذِي أفنَى حيَاته في خِدمة المَكتبة العَربية الحَزينَة.
وُلِد أغناتي كراتشكوفسكي في 16 آذار/ مارس عام 1883 بمَدينة فِيلنُوس (حاليا فيلنُوس عاصِمَة جمهُورية لِيتوانِيَا على سَاحل بَحر البَلطِيق) ابنًا ليوليان فوميتش كراتشكوڤسكي. وفي فترة 1901 – 1905 درسَ في كُلية اللُّغات الشَّرقية في جَامعة سَانت بطرسبورغ، فبدأ باللّغة العِبرية واللّغة الحَبشية، كمَا حضَر دُروس زوكوڤسكيZukovskij في اللّغتين الفَارسية والتُّركية التتارِية. درسَ تَاريخ الشَّرق الإسلاَمِي على يَد المُؤرخ الرُّوسي بارتُولد، ثم اللّغة العَامية عند مليورانسكي Milioranskj. ومعَ أنطوَان خَشَّاب، تَدرَب علَى لُغة المُخاطبة العَربِية بلَهجة شَامية، وتعلَّم اللّغات العَربية والفَارسية والتُّركية والتَّتارِية.
لكِن العَربية كانَت اللّغة الأولى التّي جَذبته ودَفعته إلى دِراسة تَاريخ الشَّرق الإسلَامي، فتتلمذَ على أَيدي أهَم عُلماء زَمَانه مِثل ميليورانسكي Melioransky في عِلم اللّغة العَام، وبَارتولد Bartold في التّاريخ الإسلامِي، وڤَسيلوڤسكي A.N.Vasselovsky في تَارِيخ الأدَب العَام، ومِيدنيكوي Mednikoy وڤكتُور فون روزن V.v.Rosen في عُلوم العَربية، وتخرَّج في عام 1905 حائِزًا المِيدالية الذَّهبية لمُؤلَفه عن الخِلافة في عَهد الخَليفة العَباسي المَهدي. وقد استقَى هذه الدِّراسَة من مَصادَرِها العَربية كالطَبري وابن الأثير والعَيني والمسعُودي وغيرِهم، ونَال دَرجة المَاجستير عام 1907، وكَان عُنوان رِسَالته «أبُو الفَرج الوَأوَاء الدِّمشقي».
أَوفدَته جَامعة سَان بُطرسبورغ عَام 1907 إلى المَشرق العَربي، لتعلّم اللَّهجات العَربية المَحكِية الدَّارجة وتَعرَّف على الآداب والعَادات، واللِّقاء مَع عُلمَاء العَربية فأمضَى سَنتين فِي مُدن سُورية ولُبنَان وفَلسطِين ومِصر، وتَرَدَدَ على الكُلية اليَسُوعِية فِي بيْرُوت، والجَامع الأزهَر والجَامعَة المصريَة، والمَكتبة الخِديويَة في القَاهرة، والمَكتبة الظَاهِريَة فِي دِمشق، والمكتبَة الخَالدِية في القُدس، ومَكتبَة المُوارنَة في حَلب، وتَعرف على جُرْجِي زيدَان وأحمَد زكِي وخلِيل السَّكاكِيني وإسعَاف النَشَاشيْبي والأب لِويس شيخُو. عُيّن بعدَ عَودته مُديرًا لمكتَبة اللُّغات الشَّرقية في جَامعة سَان بُطرسبورغ، ثمَّ مُدرسًا للعَربية ثمَّ مُعلمًا أولَ للدِّراسات العَربية فِيها.
وبرزَ كراتشكوفسكي في الأوساط العِلمية الرُّوسية بصُورة خَاصَّة لتَرجمتِه معَاني القُرآن ولدِراسَته المخطُوطات العَربية القَديمة ولإبدَاع أبُو العَلاء المَعرّي وفِكره.

“هذَا الكِتَاب أصعَب مِن أَن يتِم الإلمَام برِسَالتِه الإنسَانية النَّبيلَة والخَالدة في وقفَة واحِدَة لمَا يعرضُه مِن معلُومات نَادِرة للمخطُوطَات التِي اكتشفُها أو أطلِّع عليهَا أثناءَ رحلَاته المُتعددة لمُدن العَالم”

من أهم إنجازَات كراتشكوفسكي، شيخُ المدرسَة الاستعرابية الرُّوسية، في الأدب العَربي القدِيم، أبحاثُه حولَ عبد الله ابن المُعتز والمُتنبّي وأبُو العلاَء المعرِّي وأبُو الفَرج الوَأوَاء الدِّمشقي وتَاريخ الأدب الجُغرافي العَربي والأندلسِي، وغيرها مِن الدِّراسَات التِّي شملَت جَميع فُرُوع اللّغة العَربية وآدابها. كَما أنَّه مِن الرُّواد القلائِل الذّين انتبهُوا إلى ظَاهرة الأدَب العَربي الحدِيث، حيثُ قدَّم فيه دِراسِات عامَّة تبحثُ في تَاريخ الأدَب العَربي الحديث ونشأتِه وظَواهِره، ودِراسَات حَول الأدَب العَربي الحَديث في بَعض الأقطَار العَربية وغَير العَربية كَأميركَا ومِصر، ودِراسَات حَول عَددٍ مِن الكُتَّاب العَرب كَطَه حسِين، محمُود تَيمُور، تَوفِيق الحَكِيم، ميخَائِيل نُعيْمة والشَّاعِر مُحمد مَهدي الجَواهري. وقَد أصدَرت لَه أكَاديمية العُلوم السُوڤييتية ما بَين 1956 و1960 سِتة مُجلَّدات تضمُّ مجمُوع ما كَتبَه في مُختلف المجَالاَت الأدبِية والفِكرية.
انتخِبَ كراتشوڤسْكي في عَام 1921 عُضوًا عَاملًا في قِسم التّاريخ واللّغَات في أكَاديمية العُلوم الرُّوسية، ثمَّ أمينًا للقِسم المَذكُور. وانتخبَ عَام 1923عضوًا مُراسلًا في المَجمع العِلمي العَربي بدِمشق (مَجمَع اللّغة العَربية اليَوم)، وعُضوًا مُراسلًا فِي مَجمع العُلوم فِي إيران.
نشرَت مُنتخبات مِن آثارِه بالرُّوسية في سِتَّة مُجلدات بين عَامي 1955 و1960.
من أبرز مُؤلفات كراتشوڤِسْكي: «ترجمة الشَّاعر أبي دَحبل الجَمحِي» (1912)؛ «نظرة فِي وصف مخطُوطات ابن طيفُور والأورَاق للصُولي» (1912)،؛ «حماسَة البُحتري وأوَّل من اكتشفَها في أوروبا» (1912)؛ «مخطُوطة جديدَة للمُجلَّد الخَامس من تَاريخ ابن مَسْكوِيه» (1916)؛ «التَّعاويذ عندَ عرَب الجنُوب» (1917)؛ «مخطُوطة جديدة لدِيوان ذِي الرِمّة معَ شَرحِه للأصْمَعي» ( 1918).
صَدَرَ كِتاب كراتشوڤسْكي «تاريخ الأدَب الجُغرافي العَربي» في عَام 1975، أي بَعد وَفاتِه بسَنوات عِدَّة، وفيه عَرض مُنظَّم للأدَب الجُغرافِي العَربِي مُنذ ظُهور التَّصورات الجُغرَافية عندَ العرَب، ثمَّ الجُغرَافية الرِّياضِية، وفُرُوع الجُغرافية الأخرَى عِندَهم مِثل الجُغرافِية الوَصْفِية والرَّحلات والجُغرافِية البَحْرية العَامَّة والإقلِيميَة.

 

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This