فصل المقال فيما بين روح الدّين والإيمان الحرّ من انفصال(5)

 * من مفارقة الإيمان إلى مفارقة التّوحش

إنّ التّعبير الأخلاقي عمّا فعله إبراهيم هو أنّه سوف يقتل إسحاق، أمّا التّعبير الدّيني فهو أنّه سوف يضحّى بإسحاق، ولكن في هذا التّناقض بالذّات يكمن القلق الّذي يؤرّق الانسان ولن يكون إبراهيم على ما هو عليه دون هذا القلق.” سرن كيركغور

والجميل مع كيركغور هو أنّ ماهيّة الايمان كمفارقة صارت تجربة ذاتيّة من طرف ذات حرّة تطرح أسئلة تفكير غير دينيّة في ارتباط بالفرد الحديث. وتبعا لهذا يتناول بشكل سردي قصّة إبراهيم بعيدا عن التّفكير المفاهيميّ الفلسفيّ، أي بتفكير لا يرى في الدّين أكثر من “التّواصل مع وجودنا الخاصّ، طريقة في فهم أنفسنا تجعل الإله نفسه يدخل في أفق الفرد الإنساني دون أن يدمّره”1. حيث الشّعر مقاما للقاء مع قصّة إبراهيم، الشّعر الّذي يعد مساحة لخلق العالم، والتّذكر توسّط عبقري بطولي ينجزه الشّعراء. لكنّ بطولة الأب الإبراهيميّ كما يطرحها كيركغور هي الّتي تتأسّس على الرّجاء المستحيل المتجاوز للممكن، بصفته صراعا ضدّ الله من منطلقات الضّعف البشريّ المتمّيز بالحماقة والجنون والكراهيّة. وهذا ما يستبعد إدعاء القدرة على الانتصار. هذا هو الدّرس الإبراهيمي الّذي يطرح فيه كيركغور الرّجاء كعلاقة استثنائيّة بالمستحيل، لا تنفصل عن تجربة القلق الّتي تجمع بين الأخلاقيّ والدّينيّ. وانطلاقا من هذا يرى كيركغور ضرورة التّعامل مع الإيمان في عظمته كانفعال جبّار وليس كيقين لاهوتي. وفي هذا تتمثّل الشّجاعة الفلسفيّة الّتي تقارب بصدق جلالة الإيمان كمفارقة، وألم فظيع، حيث أنّ “لياقة فلسفيّة مّا تفرض على الفيلسوف أن يقف عند نوع المستحيل الّذي يشير إليه اليمان ومواجهته. هذه المواجهة مع الايمان بوصفه مفارقة هي بالتّحديد بهجة الفيلسوف. تبدو البهجة الفلسفيّة هنا بوصفها تلك القدرة غير الدّينيّة، ومن ثمّ التّراجيديّة فقط على احتمال المسافة الّتي تفصل الفلسفة عن الإيمان.”2 لذلك فإنّ ما يميّز النّبي إبراهيم  هو قدرته على الإيمان بفضيلة المحال الّذي يعسر تخطّيه وفهمه كانفعال وحركة انفتاح لا نهائي على المستحيل، إنّه قفزة داخل الحياة تنخرط في رعب الأبديّة، حيث لا نؤمن إلاّ بقدر ما نتصالح مع أنفسنا، ولا نحبّ إلاّ بقدر ما نكتفي بأنفسنا.”3 كنوع من الاستسلام اللاّمتناهي لمعرفة الذّات واكتشاف قيمتها الأبديّة، وهي واثقة من نفسها بأنّ كلّ شيء ممكن بفضل إيمان بالمحال، من زاوية اللّامتناهي الّتي تتخطّى مستحيل العقل. وبهذا المعنى تكون “المفارقة هي أن نعيش حقيقة أبديّة بوساطة حياة زائلة. هذا الأمر الّذي لا يمكن فهمه، وهو مجال الإيمان.”4 إنّه الرّعب الّذي ينتظر كلّ من سوّلت له نفسه غواية الله من خلال وسائل بشريّة في تجريب ما لا يمكن فهمه. إنّها مفارقة الإيمان كوعي بالأبديّة الّذي لا تحتاج إليه الفلسفة كحركة شجاعة لا تجعل الإيمان مشكلا تأمليا، وغير معنيّة بأي مضمون دعوي. “هذه الحركة أقوم بها بنفسي وما أكسبه هو نفسي في شعورها الأبدي وفي اتّفاق سعيد مع حبّي للكائن الأبديّ. ولكنّني بالإيمان لا أتخلّى عن شيء وإنّما على العكس بالإيمان أنال كلّ شيء…مجرّد الشّجاعة البشريّة هي المطلوبة للتّخلي عن الزّماني كلّه في سبيل اكتساب الأبدي.”5 إنّه وعي أبدي نابع من الذّات، وهي تكافئ نفسها بنفسها، كتعبير عن محبّة الله، بمعنى أنّ الإيمان تجربة حبّ زمانيّة لا علاقة لها بالآخرة اللاّهوتيّة، وهي تصارع التّناهي من خلال المحال. إنّها تجربة عيش قلق السّؤال في بناء المعنى، تجربة لا تدركها الرّؤية المفاهيميّة التّأمليّة. العجيب هو أن تعيش في كلّ لحظة سعيدا ومبتهجا بفضل المحال.” إنّ المكافأة الحقيقيّة للإيمان الحرّ، إذا، ليس السّعادة الأخرويّة بل فقط حريّته، حتّى وإن كانت حريّة مربكة، أو مورطة قائمة على الثّقة القلقة في فضيلة المحال، أي الوعي بأبديتنا بوصفها نمط الثّواب الوحيد المتاح لطبيعتنا”6.

لكن ما الّذي يمكن أن يفيدنا به كيركغور في تأويله لقصّة النّبي إبراهيم حيث الإيمان مفارقة تجمع بين القلق والرّعب، بين القتل والقربان، بين الجريمة والمقدّس، في بلورة روح الدّين عند طه عبد الرّحمن لنظريّة الطّاغوت في شيطنة الآخر وتكفيره في أفق “إيمان” مفارق من نوع خاصّ، متوحّش في رعبه يجمع هو الآخر بين الجريمة والتّوحش المقدّس؟  وما هو مصير الائتماني الأخير الّذي يوهّم نفسه بالتّحرر من التّسيد السّياسي بفضل العروج في الدّرجات ومراتب الكمال حتّى تحقّق له الشّهود والشّهادة بما مكنه من بلورة نظريّة الخروج والعروج من العالم المرئيّ إلى العالم اللاّمرئيّ وتجديد ميثاق العهد المحفوظ في عدم الذّاكرة الفطريّة، وهو ينصّب نفسه كوجه آخر للخليفة الأخير في أفق مسلمين ما بعد الملّة، وصيا على مستقبل علاقتهم بالله القديم؟

“ما ليس لكلّ إنسان الحقّ في أن يفعله هو أن يقنع الآخرين بأنّ الإيمان شيء في المرتبة الدّنيا، أو أنّه شيء يسير، على حين أنّه أجل الأمور وأصعبها”7

* الإيمان الحرّ والائتماني الأخير

إنّ عمق الأفكار الّتي يناقشها كتاب الإيمان الحرّ في هذا الفصل المعنون بـ”نتشه والبابا الاخير”، يجعل من كتاب روح الدّين أرضيّة لإضاءة وإثراء ما يتوخّى الإيمان الحرّ طرحه ومناقشته، أو بتعبير أدقّ التّفكير فيه بشكل لا يخلو من ألم المفارقات. فكتاب روح الدّين كبنيّة فكريّة تتجاوز الشّخص لتعبر عن نمط حياة وجودي، ورؤية للكينونة والعالم، هي بنية فكريّة ثقافيّة دينيّة وإيديولوجيّة، تحمل وصمة الخليفة الأخير من خلال التّجميل والتّنميق البرّاق للغة والمفاهيم والرّؤى والأفكار والدّلالات…، المتهالكة الّتي ترفض إعلان الحداد والاستعداد لدفن الجثّة الميتافيزيقيّة. إنّها بنية فكريّة تحاول بشقاء الأنفس والمفارقة أن تخرج الحيّ من الميّت، أو بتعبير واضح تجعل الميّت يشدّ بيد الحيّ  ويقوده إلى المقبرة بعيدا عن تخوم المدينة، وهو يهلوس بإعادة إنتاج قريته الرّوحيّة، في غيبوبة تامّة عن سقوط فكرة الله التّوحيديّة في يد المغول الّذين خرجوا هذه المرّة من داخل أشلاء الملّة. “إنّ التّدبير التّسيدي الحديث مهما أحيط بالدّساتير والحقوق وغيرها من القيود لا ينفكّ عن الظّلم لأنّه قائم في أصله على منازعة السّيادة الإلهيّة ولا أظلم من هذه المنازعة لأنّها لا تحرّر الإنسان كما تحرّره السّيادة الإلهيّة”.8

الإيمان الحرّ ليس نزوة أو ترف فكري أو رغبة ذاتيّة، إنّه سيرورة فلسفيّة فكريّة وتأويليّة مؤلمة لجدل المعنى والحياة، وهو يرى في كلّ مسلم يكفر النّاس، ويجعلهم مجرّد عبدة للطّاغوت كوجه آخر للإيمان بالإرهابيّ، هو خليفة أخير حتّى ولو تلبّس قناع الائتماني الأخير الّذي ينصّب نفسه في وعي الجماعة الرّوحيّة الّتي ننتمي إليها. إنّ كتاب روح الدّين يعبّر عن الائتماني أو الخليفة الأخير، لأنّه يطرح نظريّة شاملة وكاملة لما يعتقده “رؤية لنمط الكينونة في العالم بالنسبة إلى المسلمين بالمعنى الدّقيق، أي كلّ أولئك الّذين يؤولون أنفسهم بناء على الاعتقاد بأنّ الاسلام هو الانتماء إلى الملّة، والملّة هي نمط الجماعة الرّوحيّة السّابقة على الفرد، الّتي تتأسّس على الدّين باعتباره ركنا أخلاقيا حاسما لأنفسهم بوصفها لا تعدو أن تكون هويّة جماعويّة.”9 والائتماني الأخير لا يكتفي بمعاودة إنتاج وهم الوجود الاجتماعيّ للجماعة التّاريخيّة الّتي ترى نفسها خير أمّة، وأفضلها دينا، نوعا وطورا وملّة في زمن تفكّكت فيه الملل بعد ظهور الدّولة الحديثة وبروز مفهوم السّيادة والمواطن والمواطنة، وحقوق الإنسان، والنّظام السّياسيّ الدّيمقراطيّ…، لأنّ كلّ هذا مجرّد تعبّد للطّاغوت في نظر الائتماني الأخير إن لم نقل الخليفة  الأخير. وربّما لاحظ القارئ أنّ ما في مراتب العروج من تميّز وكمال وتبوؤ مكانة الشّهود والشّهادة ما يوحي ليس فقط في هذا العروج بنوع من الإيحاء بالخليفة الأخير، بل أيضا بسيّد الخلق الأخير، تماهيا مع المتخيّل الأسطوريّ لشخصيّة النّبي. والمسألة كما أشار إلى ذلك كتاب الإيمان الحرّ أنّ مسألة الائتماني/الخليفة الأخير بعيدة عن الفرد والشّخصنة، بل هي بنية فكريّة تتخطّى الفرد وهي تحاول التّقمص والتّماهي مع شخصيات أسطوريّة سرديّة أنتجها المخيال الاجتماعي لحاجة الجماعة الهوويّة، في التّكون والوحدة، إلى الأصل المؤسّس. “لما خرج الإنسان من عالم الغيب إلى عالم الشّهادة وتحقّق وجوده المرئي كما قدر لم ينحصر واجبه في أن يتذكّر ما شاهد من جليل المغيّبات فحسب، بل كذلك أن يتعبّد لله في هذا العالم المرئيّ على مقتضى ما شاهده في الغيب قائما بالتّكليف العظيم الّذي هو الخلافة”10 .

وفي هذا الرّفض لكلّ التّحولات على جميع المستويات الّتي عاشتها المجتمعات الاسلاميّة وفق السّياقات والصّيرورات الّتي أسّستها الحداثة كشاهدة قبر لجثّة الملّة الّتي سبق لابن خلدون أن أعلن موتها بما يقارب موت الإله المسيحيّ. “ما مات لدينا ليس الله بل الملّة. والمسلم التّقليدي هو بالتّحديد ذاك الّذي يصرّ على مواصلة الملّة بطرق أخرى. وذلك يعني أنّه ذاك الّذي مازال يصرّ على عدم الاعتراف بشكل الحياة الجديد الّذي نصّبته الحداثة في أفق الإنسانيّة الحاليّة.”11 والائتماني الأخير يرفض رفضا قاطعا كلّ ما أتت به الحياة الجديدة ولا يرى في ذلك سوى تعبّدا للطّاغوت، إنّها رؤية تتحايل على نفسها وهي تحاول تكريس الأفق الرّوحي التّاريخي الّذي أعلنت نهاية الملّة أفوله، وانفجار عصر الإرهاب باسم الله كإعلان صريح عن سقوط الأفق الرّوحيّ واعتلاء التّوحش الدّيني كلّ المجالات والفضاءات العموميّة. ومثل هذه الانتماءات السّرديّة ليست في نظر الإيمان الحرّ إلاّ ” نوعا من حجاب الجهل، فلا نرى أنفسنا الجديدة. كلّ العالم يعرف أنّ أفق الرّجاء قد تكسر على رؤوسنا، وأنّ التّقي الأخير أصبح يطلب فلا يدرك.”12 لكنّ الائتماني الأخير  أصيب بنوع من الصّمم الميتافيزيقيّ، وهو يضع نظريّة لتديّن الملّة الآن وللأجيال القادمة، بل يقوم بنوع من السّطو على تاريخ فكرة الله وبتأويل ذاتي يمنح وهم الحياة لجماعته الرّوحيّة، الّتي لم يعد لها أي وجود تاريخي. ” لقد تقرّر أنّ الدّين المنزّل دين توحيدي واحد مذ خلق الإنسان الأوّل مفطورا عليه فقد سمّى الحقّ سبحانه هذا الدّين الواحد باسم الإسلام وجعل الأنبياء والرّسل والمؤمنين يشهدون على أنفسهم بأنّهم مسلمون.”13 هكذا بجرّة قلم مسكونة بالهلوسة لا يستطيع التّمييز بين “أنّ فكرة الله مكسب أخلاقي يخصّ الانسانيّة، أمّا الملة فهي جهاز سلطة خاصّ بجماعة روحيّة تأسّست على خطّة سلطانيّة نواتها هي الحكم باسم الشّريعة (وهو مصطلح مثير للجدل) أي باسم الحكم الّذي اخترعته ومارسته وبرّرته وقدّسته أجيال من فقهاء الدّولة الدّينيّة، ووجد منذ القرن التّاسع عشر تكريسا كولونياليا من طرف الغرب”.14 وهذا ما يعمل كتاب روح الدّين على تجذيره في الوعي المجتمعيّ مدّعيا صلاحيته الرّوحيّة في نوع من العماء الميتافيزيقيّ الدّينيّ تجعله يبدو بمثابة عيّنة شاهدة على “أنّنا لم نفلح إلى اليوم في قياس المسافة التّاريخيّة المرعبة الّتي تفصل كلمة الإيمان عن دولة الخلافة، نعني الدّولة الّتي تستعمل الملّة بوصفها التّعبير السّياسي الوحيد عن ماهيّة الإسلام.”15 لذلك يمثّل كتاب روح الدّين عائقا تأويليا لأيّ تحرّر داخلي، يفتح أفقا للمناقشة والتّفكير في “دور أخلاقي جديد لله في سرديات أنفسنا القادمة”16 خاصّة وأنّ روح الدّين لازال يحجب شمس الحداثة بغربال الملّة المنتهية الصّلاحيّة، حين يرى في حدود الملّة أفقا روحيا وأخلاقيا. “محال أن تكون حدود الله ومحارمه المبنيّة لعباده وقد قدّرها وقضى بها بوصفه الواسع الموسّع، قيدا تُوثِق آفاق وجودهم ومغاليق توصد أبواب عالمهم، وإنّما على العكس من ذلك جعلها لهم أقوى الأسباب الّتي تبلّغهم إلى تخليص أنفسهم من أسر أنفسهم فضلا عن تخليصها من أسر غيرهم.”17

هكذا تبدو لنا جليّا الولادة المتعسّرة  للتّحرر من عبء  الوطأة القهريّة لفكرة الملّة، أو لأي نقاش تأويلي حول القضايا الميتافيزيقيّة “الّتي منها تقتبس أيّة إنسانيّة ماهيتها أو معنى كينونتها، نعني  قضايا الغزالي وكانط الثّلاث: الله والنّفس والعالم.”18 لكن رغم هذا التّورط الّذي نعيشه في مستنقع الملّة، ورغم غياب أي نقاش جريء ومعارك تأويليّة حاسمة، فإنّنا لا نستطيع نكران الواقع الحيّ أنّ الملّة لم تعد أفقا أخلاقيا، وبالتّالي فلا داعي للجحود والعناد الأعمى في رفض الحياة الجديدة والتّهجم الدّينيّ على السّياقات والتّحولات الّتي تعيشها مجتمعاتنا في ظلّ القيم الانسانيّة الّتي تحاول كلّ شعوب العالم الاستفادة منها والاستثمار في منجزاتها فتحا وتأسيسا لأفق النّهوض والحضور والتّحرر من العوائق الدّاخليّة، بدل التّملّق الخطابيّ المضرّ بالجماعة الرّوحيّة.” الممارسة السّياسيّة الحديثة اضطرّت بعد انفصالها عن الممارسة الدّينيّة إلى أن تتّخذ لنفسها عبادات خاصّة تسدّ مسد العبادات الدّينيّة، قد يأتي في مقدّمة هذه العبادات السّياسيّة ما يمكن أن نسمّيه بعبادة المواطن، إذ رفع المواطن إلى رتبة مثال أعلى يجمع إلى اتّساع الحقوق اتّساع الفضائل، أي رفعت المواطنة في نهاية المطاف، إلى رتبة المعنى الغيبيّ الّذي يستحقّ أن يتعبّد به وله.”19 هذا هو الوجه المرن للائتمانيّ أو الخليفة الأخير الّذي أصابه مسّ الملّة بالجنون الأحمق لاعتلاء سماوات العروج مجاهدة وجهادا لتحصيل لحظة الشّهود والشّهادة في العالم الغيبيّ. وبتعبير أوضح هذا هو الوجه الآخر للسّطو على فكرة الله من خلال مفارقة الجريمة والتّوحش المقدّس.” إنّ الارهاب ليس سوى أزمة الاعتراف الأخلاقيّ بشكل الحياة الرّاهنة للانسانيّة”. 20 إنّه لأمر مرعب وشاقّ أن يكون هذا الممسوس- الائتماني الأخير- كبنيّة فكريّة وواقع اجتماعي تاريخي مصرّا على التّلازم البنيويّ بين فكرة الله وجماعة الملّة، على الرّغم من أنّ كلّ المعطيات الحياتيّة تؤكّد بالملموس نهاية ظاهرة الملّة كعرض تاريخي استنفذته جماعة بشريّة في سيرورتها التّاريخيّة، فصار جزءا من الماضي يعيق التّحرّر الدّاخلي للحركة والتّكون والتّطور الحديث لسيرورات فكريّة تأويليّة، اجتماعيّة ثقافيّة تسمح بالاستفادة من المكتسبات الانسانيّة، وإلاّ فإنّه ” ليس ثمّة إهانة رمزيّة مثل مواصلة إقناع شعوب بأكملها بأنّ أفقها الرّوحي بخير، وأنّ الأساس الأخلاقي الّذي بنت عليه عالم حياتها لا يزال سليما معافى منذ قرون عديدة. والحال أنّ كلّ العالم يعرف ما وقع لنا. وهو ينظر إلينا كأنّنا ضيوف من عصور أخرى في عقر دارنا.”21 وإزاء هذه اللّحظة التّاريخيّة الحرجة والمؤلمة يرى كتاب الإيمان الحرّ، وهو الآخر ليس كفرد أو شخص، بل كبنيّة فكريّة اجتماعيّة، ورؤية للكينونة كنمط وجود في العالم، تعيش سيرورة تكوّنها وتطوّرها في سياقات وترابطات شديدة التّعقيد والتّركيب، تميّزها توترات وصراعات، أن  نساعد الائتماني الأخير على إدراك ووعي أنّ الملّة قد ماتت ولا علاقة لها من الآن بتاريخ الله، لأنّ الملّة ليست أكثر من شكل سياسي أنتجته سيرورة واقع اجتماعي تاريخي في مستواه السّياسي للعلاقة بين الإذعان والحماية، إنّها تعبير عن دفع كلفة الحماية من خلال الإذعان، إنّها سلطويّة من نوع خاصّ وافقت ظروفها وشروط ولحظتها التّاريخيّة. ولا يفيدنا ابن خلدون في مساعدة التّقي أو الائتماني الأخير على وضع شاهدة على قبر الملّة تعلن وفاتها، لأنّ الائتماني الأخير يتّخذه براديغما لصممه الميتافيزيقي. “الخلافة هي حمل الكافّة على مقتضى النّظر الشّرعي في مصالحهم الأخرويّة والدّنيويّة الرّاجعة إليها، إذ أحوال الدّنيا ترجع كلّها عند الشّارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة”22

لذلك يبدو وضعنا معقّدا جدّا حيث لا يمكن للإلحاد ولا لإقصاء المتدينين أن يحقّقا تحرّرنا من الموروث وإقامة الدّولة الحديثة، خاصّة حين اقتحمه الإرهاب الدّيني بشراسة تعلن “حاجة الله الاسلاميّ إلى الانقاذ من المؤمنين به بعد نهاية الملّة.”23 بالمقارنة مع موت الإله الأخلاقيّ الأوروبيّ حيث وجد الإنسان المعاصر نفسه أمام عالم الحياة الّذي مارسه اليونانيون قبل بروز الإله المسيحيّ في أفق الغربيين. وفي هذا السّياق يمكن فهم بذور الدّين الحرّ الّتي وضعها نيتشه. والغريب في الأمر أنّ الائتماني الأخير في كتاب روح الدّين لم يدرك ولم يبلغه خبر أنّه صار بلا سيّد، ومع ذلك علينا أن نساعده على تحمّل رضّة نهاية الملّة الّتي لا يمكن أن تكون حدثا بهيجا، وحيث لا يمكن للإلحاد أن يسدّ هذه الهوّة العميقة الملتهبة بتوسّط أخلاقي هو ديني بشكل أو بآخر. نحن إزاء عالم حياة جرفته الصّيرورة التّاريخيّة الاجتماعيّة لتحوّلات ما بعد المجتمع الحديث، لذلك يصعب الوثوق والاقتناع بصلاحيّة مفاعيل سرديّة على عيش واقع حيّ مختلف كلّيا عمّا يمكن أن يقدّمه الفقه أو الخليفة الأخير. وهذا ما يجعل كتاب روح الدّين مجرّد بكاء على الميّت، أو مجرّد ردّ فعل مرضي ولدته رضّة العصر ونهاية الملّة، بالإضافة إلى رعب التّوحش المسيّج إلهيا بالمقدّس، والمشحون بالكراهية للنّفس. الشّيء الّذي يجعل الائتماني الأخير ومن معه خارج دائرة الإيمان في صورة أقرب إلى “لا يزني الزّاني حين يزني وهو مؤمن” لكنّ القتل ليس زنى أخلاقيا، بل هو زنى ميتافيزيقي، إنّه يضع المؤمن خارج الله إنّه يعتدي على حق ّالله في احتكار معنى الوفاة. ليس من حقّ أحد- غير الله- أن يستدعي أحدا إلى موته. لكنّ الارهابي يفعل ذلك باسم الله.”24 والشّيء نفسه ينجزه كتاب روح الدّين حين يبرّر اعتداءه على الحريّة باسم الله وفق ما يسميّه التّعبد الدّينيّ ضدّ التّعبد السّياسيّ، وهي لغة مرنة لا تخلو من العنف الرّمزيّ حين تكفّر الآخر وتقدّمه في صورة المتعبّد للطّاغوت في دعوة صريحة للانحدار في الزّمان إلى عالم الملّة، ليس كما كان في حقيقته الاجتماعيّة التّاريخيّة كشكل سياسي للتّسلط، بل يقدّم كمتخيّل تاريخي مفعم بالتّعبد الإلهيّ “إنّ التّعبد لأي نظام سياسي أو قل لأيّ نظام تسيّدي إنّما هو تعبّد للطّاغوت… من تعبّد للطّاغوت قليلا كمن تعبّد له كثيرا، فالطّاغوت الأدنى كالطّاغوت الأعلى.”25 هكذا هو الائتماني الأخير حين يتورّط في العداء للمواطنة والسّيادة وبالتّالي عوض أن يتحمّل مشاقّ جبال الحريّة ينتصر للعروج في سماوات العبوديّة. ” وهكذا طالما يحصر المؤمن الأخير تقواه في البكاء على الملّة هو سوف “يموت” بقدر ما يتحوّل شيئا فشيئا إلى قدّيس خارج الخدمة”2 . لذلك شتّان بين الائتماني الأخير، أو الإرهابي الأخير وبين المسلم الأخير الّذي وجد نفسه وهو يتيم الملّة التّاريخيّة، أمام تجربة لقاء فكرة الله خارج الدّين. وهذا ما يجعل من المستحيل العثور على المؤمن الأخير، أي على الائتماني الأخير الّذي يصرّ من خلال روح الدّين بعث قصّته التّأسيسيّة وهي رميم، في نوع من جحود الاعتراف بنهاية الملّة منزلقا إلى مصير الإرهابيّ. بحيث لم يكن قادرا على تحمّل عناء الحريّة لاكتساب مهارات المؤمن المستحيل للعيش الرّوحيّ خارج الدّين التّقليديّ. بمعنى ممارسة الخروج بدل وهم العروج بحثا عن عالم الحياة التّاريخيّ الّذي أسدل ستاره، ولم يتبقّ من ثروته المقدّسة غير حريّة الضّمير.

فهل سنقوى حقّا على عيش تجربة التّعالي في صيرورتها الّتي لا تهدأ وهي تتغيّر باستمرار. “لم يعد ثمّة من مداد روحي للمؤمن المستحيل سوى قدرته على الحريّة. لقد بات واضحا أنّ الملّة الدّينيّة لم تعد أفق الفهم المناسب لأنفسنا، لكنّ نهاية الملّة لا يعني أبدا نهاية فكرة الله. لقد باتت المهمّة الفلسفيّة الآن هي التّفكير في الإيمان، ولكن بعد الله التّوحيدي، وخاصّة كما كتب نيتشه سرديّته الأخلاقيّة”.27 يعني الإيمان الّذي يخصّ المؤمن الآخر كحدّ فاصل بين المتديّن وغير المتديّن في حفاظه على تراث الأنبياء في بعده الأخلاقيّ الانسانيّ دون هوس الملّة والدّين، وبعيدا عن الآلهة التّقليديّة الّتي لم تعد حيّة في وعي المؤمنين بها. هذا ما تعبّر عنه أطروحة نيتشه. وتبعا لهذا الأفق يفكّر كتاب الإيمان الحرّ عصر ما بعد الملّة والدّين مستفيدا من أطروحة نيتشه فيما يخصّ المعنى العميق لموت الإله الدّيني في وعي المؤمنين به، كظاهرة روحيّة جديدة تعادل نهاية الملّة عندنا، حيث لا يزال الائتماني الأخير يمارس شطحاته الصّوفيّة في اتّخاذه الدّعوة الدّينيّة أساسا لتغيير الدّولة بمعنى تقويض التّسيد الانسانيّ باسم التّسيّد الإلهيّ، من خلال آليّة الازعاج.” يُحدث هذا الإزعاج في نسيج المجتمع ما يمكن أن نصطلح على تسميته بـ” الحيّزات بلا دولة” ( أو، إن شئت قلت، “الحيّزات اللاّدوليّة”28 هكذا يتمّ توريط الدّين في الوحل اليوميّ للتّوترات والصّراعات الاجتماعيّة السّياسيّة، وكلّ ما يتعلّق بالتّدبير المدنيّ. هذه هي المعركة الخاسرة للأفق الانسانيّ الّتي يخوضها بشراسة “النّظريّة الرّوحيّة” الائتماني الأخير في محاولته بعث الملّة، أو تذكّر ميثاق العهد مع الإله القديم المكتوب في الذّاكرة الفطريّة في كينونة العدم قبل ولادة الإنسان. “لذلك لا مناص للائتماني المدبّر من مزيد التّحول في علاقته بذاته، فلا يكتفي بأن ينسى صفاته الجلاليّة بواسطة تذكّر صفات الله، بل ينبغي أن ينسى تدبير ذاته بمزيد العمل التّزكوي، ذلك أنّ الذّات، ما لم تنس تدبيرها للشّأن العامّ، لا تأمن أن تعود إلى تذكّر صفات العظمة الّتي سبق أن نسيتها أو تستبدل بها صفات غيرها لا تقل عنها ترسيخا لهوى التّسلط، بل لا تأمن أن تطاول  وتزاحم بتدبيرها تدبير الله.”29

انطلاقا من أفق المعنى الّذي تحدّث به ناظم حكمت عن الكتابة كمهنة صعبة ومسؤوليّة جسيمة، يفكّر كتاب الإيمان الحرّ السّؤال الصّعب: كيف نفكّر في الله مابعد الملّة؟ وهو يوجّه نقدا لسقف التّفكير السّائد لدى المثقّف الّذي يستجيب لأفق انتظار القرّاء والواقع السّياسيّ الاجتماعيّ المسيطر، وهو أفق يحول بين تحوّله إلى مفكّر، أي امتلاك قدرة خرق وانتهاك المألوف المنتظر، من أجل المستحيل التّفكير فيه، بمعنى مستحيل التّحقق، أو الّذي لا يكتمل إلّا في استحالة تحقّقه، لأنّ كلّ واحد منّا هو مجرّد إمكانيّة غير مطروقة ولا جاهزة، وإلّا تحوّل إلى حارس أنقاض نفسه المتهدّمة، ممّا يمنعه من التّفكير. إنّنا إزاء وضعيّة حرجة عنونها نيتشه “البابا الأخير”، وهي وضعيّة لا تتطلّب استنبات التّنوير من خلال نقد العقل الدّينيّ، بل القبول ببناء معنى جديد لحياته الّتي تتغيّر باستمرار وهي تزيح عن نفسه تصوّرات وأشياء قديمة لم تعد صالحة لأنّها ميّتة حيث ينبغي إشهار الدّفن وممارسة النّسيان بحثا عن تصوّر آخر للألوهيّة نابع من أنفسنا، حيث لا يمكن لتكرار الآخر في ذواتنا أن يعبّر عن إبداع حرّ، على مستوى القيم الكونيّة، ولا على مستوى تطبيق العلمانيّة. “لا يبدو أنّ سبب المشكل هو فقط مجرّد الخلط بين الدّين والدّولة، بل هو أخطر من ذلك: إنّ تصوّراتنا سواء عن الدّين  أم عن الدّولة هي تصوّرات نابعة من خلفيّة واحدة هي ثقافة الاستبداد. المستبّد هو هو أكان رجل دين أم رجل دولة، ومن ثمّة إنّ معركة الإيمان لا تختلف في شيء عن معركة حريّة الرّأي، إنّ معركة  الحريّة هي نفسها في كلّ مكان وفي أيّ ثقافة…إنّ الحرّ في أيّ شيء هو الحيّ فقط. وكلّ من أفلتت حياته منه لا يحقّ له أن يدّعي أي نوع من التّحرر، ولو كان كونيا.”30 وهذا ما يكرّسه الائتماني الأخير في كتاب روح الدّين حيث لا يكتفي بحنين تذكّر متخيّل الماضي كما تشربه سرديا، بل يمتطي صهوة الخيول المطهمة للذّاكرة الفطريّة بحثا عن ميثاق العهد بين فكرة الله المسرودة والمسلم الأخير وحيدا في العراء والعري من رداء الملّة. وهذا ما يجعل الائتماني عاجزا في لغته ووعيه الإيماني عن فهم وتقبّل وقبول الأخر المختلف في تدبير حياته الجديدة ولو من داخل الدّين نفسه، فهو يناصب نفسه العداء والكراهيّة في وصف يتامى الملّة مثّله بعبدة الطّاغوت. ومن كان حاله هكذا كيف له أن يدرك الفرق بين الّذي “لا إله له” وبين الكافر؟

وهذا هو السّؤال الصّعب، حيث السّؤال تقوى الفكر كما يقول هيدجر، هو ما يميّز كتاب الإيمان الحرّ في جرأته فهم الصّيرورة في تحوّلاتها العنيفة وهي تجبرنا على التّخلي عن الأشياء الميّتة فينا. “لذلك يؤكّد صاحب الجينيالوجيا: (عندما ندرس التّاريخ فإنّنا، على عكس الميتافيزيقيين، نسعد لا لما نكتشفه من نفس خالدة ترقد فينا، وإنّما لما نحمله بين جنبينا من أنفس فانية.”31 إلاّ أنّ الإيمان الحرّ لا يرى أي طائل يذكر في كلّ ما تحقّق من جرأة في التّفكير ويأس منهجي من الميّت فينا هويّة ودينا وملّة…، وأدّى إلى اغتيالات. ومن ثمّة فهو يطرح أسئلة مؤلمة حول التّعالي الّذي نحن في أمسّ الحاجة إليه بعيدا عمّا هو جاهز في الإيمان والدّين والألوهة والمقدّس. لكن دون تجديف ديني أو إلحاد مجاني. “الحريّة ليست مباراة في الكفر. وعلينا أن نقرأ زرادشت أو نبي جبران أو مرداد… بوصفها شخوصا سرديّة عن تاريخ آخر لأنفسنا العميقة كان يمكن أن يحدث، لكنّنا لن نعيشه إلى الآن.” 32 ومن ثمّة فالأمر لا يتعلّق بالمعنى التّقليديّ للكفر والإيمان، بل الأمر يتعلّق بماهيّة الإله، الّذي تخلخل تصوّر عنه إلى درجة لم يكن هناك استعداد عند المعاصرين لتقبّل مماهاته بين المحبّة والشّفقة، وفي هذا الخلط يكمن سرّ موت الإله الّذي علينا، ” أن ندعه يأخذ طريقه نحو ذاته البعيدة عنّا.”33 ونحن نحاول التّغلب على الحقد والضّغينة من خلال “النّسيان النّشط”.

يتبع…

******

الهوامش:

  1. الايمان الحرّ، ص161.
  2. نفسه، ص 169.
  3. ص 173.
  4. ص 178.
  5. سرن كيركجور: خوف ورعدة، ترجمة: فؤاد كامل، ص65.
  6. الايمان الحرّ، ص 182.
  7. خوف ورعدة، ص 68.
  8. روح الدّين، ص 303.
  9. الايمان الحرّ، ص 188.
  10. روح الدّين، ص 278.
  11. الايمان الحرّ، ص 189.
  12. نفسه، ص 190.
  13. روح الدّين، ص 83.
  14. الايمان الحرّ، ص191.
  15. ص 191.
  16. ص 192.
  17. روح الدّين، ص 273.
  18. الايمان الحرّ، 192.
  19. روح الدّين، ص 103.
  20. الايمان الحرّ، 189.
  21. ص 194.
  22. ابن خلدون: المقدمة، ص 191.
  23. الايمان الحرّ، ص195.
  24. ص 195.
  25. روح الدّين، ص237.
  26. الايمان الحرّ، ص200.
  27. ص 273.
  28. روح الدّين، ص 306.
  29. ص 488.
  30. الايمان الحرّ، ص 210و211.
  31. عبد السّلام بنعبد العالي: الفلسفة أداة للحوار، ص14.
  32. الإيمان الحرّ، ص 213.
  33. ص 217.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This