الكتابة من أجل ماذا…..؟

هل هناك جانب خفي للكتابة؟ هل نحنُ أمام فعل بسيطٍ من الخلق الإبداعيّ، أم أنّنا أمام ظاهرة لا يمكن فكّ شفرتها بسهولة؟ الكتابة هي قبل كلّ شيء انعكاس لصورة الإنسان الوجوديّة، مرآة لمجتمعه، للعلاقات الإنسانيّة الفرديّة والجماعيّة، للزّمن والحياة والموت. الكتابة هي محاولة للانسلاخ من ظلّ الذّات، تجاوز للحدود اللّغويّة بحثًا عن إجابات محتملة للأسئلة الّتي ترهق الوجود الإنسانيّ. نكتب لنتجاوز الفراغ، للتّخلص أو تخليد ندبة الماضي، لنكشف أنفسنا للآخرين دون خوف أو تردّد، لجعلهم يفهمون أنّه يمكننا إعادة التّفكير في العالم والأشياء بشكل مختلف. فهايسمانز على سبيل المثال، يجعلنا نفكّر جيّدا في أبسط الأشياء. يخلق من خلال كتاباته متفرّجًا متفائلًا وأطفالًا يتقاتلون من أجل بعض الطّعام. لكنّ هذه المعركة بين الأطفال مجرّد حيلة يظهر لنا من خلالها الحقيقة الأساسيّة والأصليّة للإنسان. كان روسو يطلق العنان لأحلامه في مسارات تجواله، وكان بودلير يسعى بلا كلل للعثور عن اللّحظة العابرة، وجد آرثر رامبو نفسه في كتاباته، أعلن فلوبير قائلا “مدام بوفاري هي أنا”، كان إدغار آلان بو يكتب بعد أن يرى بركة من الدّماء، أمّا كافكا فقد ترك الصّمت الجهنمي خلفه، ورفض أن ترى كتاباته نور الوجود. كلّ هؤلاء من عظماء الأدب الّذين تميّزوا في حقبهم من خلال الكتابة الأدبيّة، فقد تركوا نصوصا عميقة نُسجت بأسلوب لا مثل له وبلغة ترجمت أحاسيس الإنسان ومشاعره. وبالتّالي، فإنّ الكتابة هي الفضاء الشّاسع حيث ينكشف الكاتب خلف أقنعة الشّخصيات واللّغة، للتّعبير عن رغباته وهواجسه الّتي لا تكتمل، ويجعل منها مرآة يمكن للجميع أن يبحث فيها عن آثار الزّمن المفقود.

“الفعل غائب دائمًا”(نزهة القلم، ص. 11) بهذه الصّيغة السّحريّة يعتبر الأفغاني عتيق رحيمي أنّ الكتابة منفى. ففي مواجهة الكوارث والإرهاب والتّدمير المنهجيّ للذّات، يصبح فعل الكتابة معقل المقاومة والوسيلة الوحيدة للنّجاة. هنا تكمن رمزيّة الكتابة كلّها. بفضل الأدب، تمكّنت النّظرة العميقة واليقظة للمؤلّف من إيقاظ روح القارئ الّذي يبحث أيضًا عن طريقة للنّجاة. ونتيجة لذلك، تُدمّرُ الكتابة وتنقذ الأرواح في آن واحد. أولئك الّذين قرؤوا “آلام الشّاب فرتر” انتحروا لأنّهم لم يتمكّنوا من مقاومة القوّة التّدميريّة للأدب، بينما أولئك الّذين رافقوا “روبنسون كروزو” في مغامراته، عرفوا بالفعل أنّ الحياة مغامرة عظيمة وتمكّنوا من النّجاة لأنّهم آمنوا بقوّة الأمل الأدبي. كيف لا تدمركَ رواية بحجم “آلام الشّاب فرتر” وهي أعظم ما ألَّفه غوته، واحد من عباقرة الأدب الألمانيّ. رواية رومانسيّة ساحرة منسوجة من جمال اللّغة الشّاعريّة وعذوبة المشاعر الجيّاشة. تسحب القارئ من معقله وتحمله إلى أعماقها، تزرعُ فيه طوفاناً من العواطف والأشجان. لاشيء يعادل قوّة الحبّ التّدميريّة، لا شيء يوقف غضب الطّبيعة حين تستسلم النّفس البشريّة للخطيئة، حين تصبحُ الرّوح الصّوفيّة مُرادفا للحبّ المستحيل. وكيف لا تنقذكَ رواية كـــــ”روبنسون كروزو” وهي الّتي تُعلمكَ أنّ الرّياح تأتي بما لا تشتهي السّفن، وأنّ العزلة اليائسة تزرعُ في الرّوحِ أنوارا من الأمل المتجدّد، وأنّه يمكن للمرء أن ينجو بمفرده من أي حادث مروِّع. تعلمكَ هذه الرّواية المغامراتيّة أنّ الحياة قصّة كفاح ومغامرة تستحقّ كلّ الأرق والمعاناة.

فقراءة أعمال هيرمان هسه، على سبيل المثال، ستغيّر بلا شّك مفهومنا للعالم والإنسان. بعيدا عن دوره في التّرفيه، يبني الأدب الإنسان من خلال جانبه التّعليميّ والعاطفيّ. إنّه يعلّمنا كيف نعيش، وكيف نتكيّف مع الآلة الجهنميّة لهذا العالم سريع الخطى، وكيف نفكّر في أعماق الفوضى، وكيف نعيش على الرّغم من الفوضى والاضطراب. يمكن للأدب أن يحوّلنا، كما يقول أنطوان كومبانيون: “إنّ مقالة لمونتين ومسرحيّة لراسين وقصيدة لبودلير ورواية لبروست، تُعلِّمنا عن الحياة أكثر ممّا تفعل مُصنَفَات وكتب عالميّة طويلة” (الأدب من أجل ماذا؟ ص 35). للأدب القدرة على تحرير الفرد من الخضوع للقوى الخارجيّة. فالأدب هو الملجأ للإنسان الوحيد، للجرحى، للمتشائمين والثّوار والحالمين…إلخ. فالأدب المغربي على سبيل المثال هو نسيج من المعاناة والأحلام والمخاوف والفرح غير المكتمل والرّغبات الّتي لا تتحقّق. إنّه يعكس الحالة الاجتماعيّة المهمّشة لمعظم المغاربة، ويكشف عن الرّوابط الاجتماعيّة والأسريّة المتناقضة السّائدة، ويعيد النّظر في القيم الاجتماعيّة، ويندّد بالظّلم ويشكّك في مفهوم الفرد. إنّه بالمفهوم الاجتماعيّ  صورة ونتاج لمجتمعنا.

بالنّسبة للكتّاب المغاربيين، فالكتابة هي المكان الّذي يشكّل فيه الكاتب نفسه كمادة للتّأمل والتّفكير. هناك رغبة في إعادة التّفكير في مفهوم الفرد في نصوصهم، من خلال ازدواجيّة الهويّة والاختلاف. يعيد إدريس الشرايبي التّفكير في القيم الجماعيّة، عبد الكبير الخطيب مسرور بعلاقته الرّومانسيّة والتّحرريّة مع الأدب، يستلهم عبد الوهاب المؤدّب من تراث القدماء باحثا عن كلّ ما هو “آخر” و “مختلف” ، عن كلّ شيء يؤدّي إلى الكتابة الإبداعيّة، قائلاً: “نحن في كلّ ثانية مختلفين. نحن نولد من جديد وباستمرار (فانتازيا، ص.17)”. في مواجهة النّسيان والموت، تصبح الكتابة ملجأ للذّكريات الموشومة ومكانا للهويات المعاد ابتكارها. يولي محمد خير الدّين أهميّة كبيرة لمسألة الهويّة، والّتي تتجلّى في كتاباته من خلال رموز: الأسرة، الدّين، علم الأنساب، الدّولة، القبيلة… إلخ. يشارك كتّاب آخرون مثل كاتب ياسين ومالك حدّاد في هذا النّقاش من خلال التّشكيك في لغة الكتابة. تعني الكتابة في لغة مّا، ضمانا لهويّة معيّنة، ونقل التّراث الّثقافي وإعطاء الكتابة بعدًا جديدًا جماليًا وأيديولوجيّا. من الحبّ ثنائي اللّغة إلى غربة الـــــــــــــ”أنا”، تحيي الكتابة ذكريات الماضي البسيط وتعطي الذّاكرة قوّة الاستمتاع والإغواء. كلّ هذه الأمثلة المستقاة من الأدب المغاربيّ توضّح لنا أنّ الكتابة دائما في  صلبِ الاهتمامات الإنسانيّة.

مفتونًا بالتّاريخ، يعلن رشيد بوجدرا أنّ الكتابة هي شغفه الوحيد، ماهي بينبين، الّذي فاز في الأيّام القليلة الماضية بجائزة البحر الأبيض المتوسّط ​​للأدب 2020، يعتبرها شأنًا داخليًا، نوعًا من الهروب. من خلال الكتابة الإنسانيّة، يسأل كبير مصطفى عمي عن الأكاذيب والخداع والقسوة، عاكسا أدوار شخصياته لجعلهم يتحدّثون عن الأشخاص الّذين رفضتهم مجتمعاتهم. يعلمنا مختار الشاوي كيف يتمّ “تشريح حواس جميع المخلوقات وفهم اللّغة المشتركة”(الصّمت الأبيض، ص. 167). كلّ هؤلاء الكتّاب اختاروا المغامرة الأدبيّة للتّشكيك في هويّاتهم من خلال الكتابة الّتي تضع “الآخر” في مركز أهدافها. كما أنّ التّجربة الشّعريّة أظهرت أنّه لا يوجد شيء يمكن أن يحلّ محلّ دور الكتابة. على سبيل المثال، يجعل اللّعبي قصائده نذرًا بتحرير الذّات بحثًا عن الآخر. وبحسب خالدّ حاجيّ، تمكن اللّعبي من تطوير كتابة ينتهي فيها تلاشي البلد الحقيقي أو الحنين إلى التّكيف (والتّبني) للوضع الشّعري.

ونتيجة لذلك، يؤمن الكاتب المغربي بقوّة الكتابة حتّى في مجتمع يعاني من أزمة ثقافيّة ومعدّل قراءة منخفض للغاية. هل يجب أن نثير مشكلة وضع الكتَّاب المغاربة هنا؟ ممّا لا شكّ فيه أنّ كلّ كاتب مغربي قد قرأ لكتَّاب محلّيين وأجانب آخرين وسعى إلى الحصول على طاقة روحيّة لمواصلة الكتابة على الرّغم من حالته المزرية. يهتمّ معظم القرّاء المغاربة المثقّفين وغير المثقّفين بالأدب الأجنبّي بدلاً من التّرويج للأدب الوطنيّ لأسباب مختلفة: جودة المنتج الأدبيّ، الغطرسة الفكريّة لبعض النّقاد، هيمنة الأعمال الأجنبيّة المقرّرة في المدارس والجامعات، غياب فعلي للنّقد الأكاديميّ، ذوق القارئ، التّقليد الأدبي، مشكلة التّكرار…إلخ. كلّ هذا لا يمنع الكتَّاب المغاربة من الاستمرار في الكتابة وإنتاج أعمال جديدة كلّ عام، لأنّ الكتابة بالنّسبة لهم أصبحت أسلوب حياة.

الكتابة من أجل ماذا؟ من أجل التّغيير، وإزعاج العقول المريضة المتحكّمة في السّلطة، لخلق عالم محتمل لا حدود فيه للسّعادة والمتعة. نكتب بالضّرورة والحاجة للتّخلص من ضجيج صرخاتنا ولجعل الطّفل الّذي يعيش فينا يتكلّم.

تكشف لنا الكتابة الوجه الخفيّ للإنسان، وجانبه الحميمي والمظلم، وهلوسته واهتماماته، وخوفه المستمرّ من المستقبل.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This