المدرسة العربيّة في علم اجتماع التّنمية

آراء ومواقف/الدّكتور نجيب عيسى نموذجاً

يقول الدّكتور نجيب عيسى / أستاذ علم اجتماع التّنمية في معهد العلوم الاجتماعيّة – الجامعة اللّبنانيّة، أنّه لم يعد بالإمكان النّظر إلى مفهوم التّنمية بمعزل عن مفهوم التّكامل الإقتصاديّ وأنّ التّنمية بجانبها الاقتصاديّ ليست سوى الرّد التّاريخي على وضع اقتصادي فيما يسمّى بلدان العالم الثّالث “أو البلاد النّامية” وأنّ أهّم سمات العالم الثّالث أنّ بلاده كانت إمّا مستعمرة وإمّا شبه مستعمرة. وأنّ استقلال هذه البلدان الّتي ناضلت طويلا ضدّ الاستعمار ظلّت متخلفّة فلماذا يا ترى ذلك؟

يتابع ويقول أنّ السّبب هو أنّ هذه البلدان ورثت من الاستعمار بنى اقتصاديّة تتّسم أوّلا بتبعيّة هذه البنى للمراكز الاستعماريّة وأنّ هذه التّبعيّة الاقتصاديّة هي الوجه الأوّل لعمليّة التّخلف، أمّا الوجه الآخر هو تفكّك اقتصاد هذه البلدان، الّتي انحصر دورها كمنتج للمواد الأوّليّة لصالح المراكز الرّأسماليّة المتقدّم وتسعى لتصريف بضائع ورساميل هذه المراكز وأصبحت القطاعات المرتبطة بهذه الوظيفة جزيرة منعزلة داخل البيئة الاقتصاديّة العامّة للبلد، فالزّراعة والحرف الّتي تعيش عليها الأكثريّة السّاحقة من السّكان تبقى على تخلّفها إن لم تكن أوضاعها قد ازدادت سوءاً ونجاحة الحرف، نتيجة لمزاحمة البضائع الأجنبيّة. هذا بالاضافة إلى تحكّم البلاد الرّأسماليّة بالكمّيات الّتي تنتج وبالأسعار الّتي تباع بها، ولم ينشط في البلاد المتخلّفة سوى قطاعي التّصدير والاستيراد اللّذيْن بقيا هامشيين في اقتصاد هذه البلاد.

تلك هي إذن ركيزة التّخلف الأساسيّتان، تبعيّة الاقتصاد وتفكّك وما تبقّى من ظواهر كانخفاض مستوى الدّخل، والأميّة والأمراض، وعليه فإنّ معالجة هذه الظّواهر إلّا بمعالجة هاتين الحالتين، وأنّ السّير في طريق التّنمية لا يعني سوى الرّد على ظاهر في التّبعيّة والتّفكّك أي استقلال الاقتصاد وتكامله، ويتطلّب ذلك السّيطرة الكاملة والشّاملة على ثروات البلاد الطّبيعيّة وتوجيه هذه الثّروات بالإضافة إلى الموارد الأخرى نحو تنمية القطاعات المنتجة لسدّ احتياجات البلد.

ولا يعني الاستقلال الاقتصادي العزلة الاقتصاديّة إنّما يعني الخروج من علاقات التّبادل غير المتكافئة مع الدّول الرّأسماليّة.

الوجه الآخر لـ”عمليّة التّنمية” هو تكامل اقتصاد البلد المتخلّف وذلك بتنمية جميع قطاعات الإنتاج بصورة متوازية ومتوازنة وهذا يعني على وجه التّحديد.

  1. قيام قطاع صناعي.
  2. تنمية وتطوير قطاع الزّراعة.
  3. تنمية القطاعات الأخرى، وسائل نقل ومواصلات.
  4. تنمية وتطوير القوى البشريّة.
  5. اعتماد التّكنولوجيا المناسبة لمستوى تطوّر البلاد وحاجاتها الفعليّة.
  6. الاعتماد على النّفس في مجال التّمويل.

وإذا كان ذلك هو المحتوى الفعلي لمفهوم التّنمية فهو ليس عمليّة فنيّة تجري بشكل تلقائي إنّما هو خيار سياسي يتطلّب وجود قوى اجتماعيّة معيّنة على رأس السّلطة تمثّل فعلاً المصلحة العامّة وتتمتّع بتأييد الجماهير، أي ترجمة هذه المفاهيم إلى خطط مرحليّة تحدّد كل ّمنها الأهداف الّتي يجب تخفيفها.

من الصّعب تقديم نموذج معيّن واحد لجميع بلدان العالم الثّالث بسبب تباين واختلاف مراحل تطوّرها الاجتماعي والاقتصادي إنّما المهمّ التّأكيد على ضرورة الالتزام بنمط من التّخطيط يؤدّي إلى بلوغ الهدف العامّ الّذي هو بناء اقتصاد وطني متكامل ومستقلّ.

إنّ التّنمية عمليّة إراديّة لا يمكن أن تترك لقوانين السّوق الرّأسماليّة، كقانون العرض والطّلب وبدأ الحريّة المطلقة للمبادرة الفرديّة.

إنّ توفّر العامل السّياسيّ مع التّخطيط ضروريان لعمليّة التّنمية، وهناك عامل آخر يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار وهو المدى أو المجال  ESPACE لأنّ ظروف تقسيم البلاد المتخلّفة لا تشكّل الإطار الملائم لقيام اقتصاد متكامل ومستقلّ.

إنّه لا تنمية دون تصنيع متنوّع ولا يمكن قيام هذا التّصنيع في بلد صغير لا يوفّر الأيدي العاملة بالعدد الكافي ولا يؤمن السّوق الاستهلاكيّة الواسعة الضّروريّة وهذه حال أكثر البلاد الّتي كانت مستعمرة.

من هنا تنبع ضرورة التّكامل الاقتصاديّ في ظروف العالم الثّالث.

ومن المهمّ ضرورة تجاوز الحدود الإقليميّة للبلد المتخلّف كإطار لخطّة التّنمية لا بدّ من توزيع النّشاطات الاقتصاديّة على بلدان مجموعة ما كلّ حسب إمكاناته شرط أن تأتي هذه النّشاطات مترابطة ومتشابكة ومكمّلة بعضها للبعض الآخر، كإقامة المشاريع المشتركة وإستقلال الثّروات المتشابهة كمصادر الطّاقة والمناجم والمواد الأوّليّة وإقامة سوق مشتركة تترك فيها حريّة الانتقال بين بلدان المجموعة للأشخاص والسّلع والأموال.

هنالك العديد من المسائل يطلب من استراتيجيّة التّنميّة الإجابة عليها من نوع ما هي الأسس الّتي يجب التّركيز عليها في بداية عمليّة التّنمية أعلى الزّراعة أم على الصّناعة…

إستراتيجيات التّنميّة والتّكامل الاقتصادي

معظم النّظريات المتعلّقة باستراتيجيّة التّنمية وإن معظم النّظريات المتعلقة باستراتيجيّة التّصنيع تنتهي بطرح مسألة التّكامل الاقتصاديّ ضمن تجمّعات من دول العالم الثّالث. وأكثر الاستراتيجيات تداولاً هي استراتيجيّة إقامة الصّناعات البديلة للإستيراد، واستراتيجيّة الأقطاب الصّناعيّة.

  1. إستراتيجيّة التّصنيع الدّبل للإستيراد

ترتكز هذه الاسّتراتيجيّة على أن يقوم البلد المعيّن بإنتاج سلعة أو مجموعة من السّلع بالكمّيات الكافية الّتي تجعل إنتاجها محلّياً يتمّ في ظروف أكثر ملاءمة للبلد أكثر من إستيرادها.

وتبدأ عمليّة التّصنيع عادة بعدد محدود من السّلع الاستهلاكيّة التّراثيّة، ولكنّ هذه العمليّة تزداد وتتوسّع لتشمل عدداً أكبر من السّلع الاستهلاكيّة غير المعمّرة، ثمّ تنتقل إلى السّلع الاستهلاكيّة المعمّرة بعدها يتمّ الانتقال إلى تصنيع السّلع الوسيطة ثمّ السّلع الثّقيلة.

ولكنّ عمليّة التّصنيع على صعيد الواقع ليست سهلة لأنّها تصطدم بمشاكل كثيرة منها ما يتعلّق بحجم البلد وإمكاناته. ولكنّه يتّفق جميع الباحثين على أنّ عدد سكان البلد ومستوى الدّخل فيه دوراً أساسياً في إمكانيّة استمرار عمليّة التّصنيع وتحديد سرعته.

ومن دراسة مقارنة لمستوى التّصنيع في أكثر من خمسين بلداً استنتج أحد الباحثين أنّه عندما يرتفع مستوى الدّخل من 100 إلى 1000 دولار ترتفع مساهمة القطاع الصّناعيّ في الاقتصاد من 12 % إلى 33 % وأنّه بمستوى متواز من الدّخل يزيد مستوى التّصنيع في بلد عدد سكانه 10 ملايين نسمة نسبة 40 % عن مستوى التّصنيع في بلد عدد سكّانه مليوني نسمة، لذلك فإنّ جميع الدّراسات الحثّ على ضرورة توسيع الإطار الجغرافيّ لإستراتيجيّة التّصنيع لتتناول مجموعة بلدان متجاورة.

2. إستراتيجيّة إقالة الأقطاب الصّناعيّة

تتطلّب هذه الاستراتيجيّة تركيز الاستثمارات في صناعة أو صناعات محدودة ذات كلفة ضخمة يكون بإمكان منتجاتها أن تدخل بكثافة في صناعات آخرى فيقال أنّ لهذه الصّناعة “روابط كثيفة من حيث المصبّ” في الوقت نفسه أن تلجأ هذه الصّناعة إلى استخدام منتجات من الصّناعات الأخرى كمواد أوّليّة أو مواد وسيطة فيقال أنّ لهذه الصّناعة “روابط كثيفة من ناحية المنبع” وعليه فليس هناك سوى عدد قليل من الصّناعات الّتي لها هذه المزايا مقدّمتها صناعة المعادن الثّقيلة، والصّناعة الميكانيكيّة، والصّناعة الكيماويّة، والصّناعة البتروكيماويّة..

ولكنّ هذه الصّناعات تعتمد في قيامها إلى حدّ بعيد على جملة من العوامل أهمّها:

  1. توفّر رأس مال كبير.
  2. مستوى متقدّم من التّكنولوجيا.
  3. يد عاملة إحصائيّة ومدرّبة.

لذلك فإنّ هذه الصّناعات لا يمكن أن تقوم في جميع البلدان، وبما أنّ بلدان العالم الثّالث الّتي تتوفّر فيها العوامل المشار إليها مجتمعة قليلة فإنّ القائلين بهذه الاستراتيجيّة يجدون أنفسهم مجبرين على تجمّع بلدان العالم الثّالث في وحدات توفّر الحدّ الأدنى من قيام الأقطاب الصّناعيّة.

تجارب التّنميّة في بلدان العالم الثّالث والتّكامل الاقتصادي.

إنّ معظم البلدان الّتي بدأت في عمليّة التّصنيع في بلدان العالم الثّالث سلكت طريق إقامة الصّناعات البديلة للإستيراد ووصلت بها إلى مأزق حصل عمليّة التّصنيع تراح مكانها باستثناء بعض البلدان وبقيت معظم بلدان العالم الثّالث عاجزة عن إحداث التّغييرات الاجتماعيّة الدّاخليّة اللّازم لتأمين تمويل التّنمية ذاتيا فبقيت تعتمد على الخارج في تأمين الجزء الأكبر من الاستثمارات فيها عن طريق المساعدات والقروض مع ما يرافق ذلك من قيود وشروط مجحفة بحقّها. وظلّت بلدان العالم الثّالث تواجه عمليّة التّنمية ضمن حدودوها الاقليميّة الضيّقة، لكنّ ذلك لا يعني أنّ اقتصاديات بلدان العالم الثّالث على نفس درجة التّفكك والتّبعيّة وقد اكتشفت هذه البلدان من خلال تجربتها أهميّة الدّور الّذي يلعبه التّعاون فيما بينها والتّنسيق في سياساتها خصوصا على صعيد علاقاتها مع الدّول الرّأسماليّة المتقدّمة، وكانت البلدان المصدّرة للنّفط السّباقة في هذا المجال، فالبلدان النّفطيّة وصلت إلى المزيد من السّيطرة على ثروتها الوطنيّة، كذلك أخذت بلدان العالم الثّالث تدخل في مجتمعات للتّعاون والتّنسيق فيما بينها خصوصا في مجال تمويل التّنمية، وكانت الدّول النّفطيّة – خصوصا العربيّة منها سباقة في هذا المجال فأخذت تمنح القروض والمساعدات للدّول الّتي لا تملك مصادر طبيعيّة للثّروة لكنّ خطوات بلدان العالم الثّالث لا زالت أبطأ في مجال إقامة مشاريع إنتاجيّة مشتركة وتوزيع العمل بينها بشكل عامّ، مع ما يرافق ذلك من هدر للإمكانات وتفويت للفرص.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This