الوعي السّعيد

كان هيجل يعتقد أنّ مَن يقدِّم أقصى دعم للتّقدم هو الشّخص الّذي يخالف الأغلبيّة، وحدَه ذلك الشّخص، المنشقّ الأصيل، هو الّذي يستشعر بحقٍّ القيود على الحريّة، وحده ذلك الشّخص الّذي يكون في موضع التّشكيك في مفاهيم السّعادة السّائدة، في واقع الأمر، بالنّسبة لهيجل، «الوعي الشّقي» هو مصدر التّقدم، وتتبنَّى مدرسة فرانكفورت هذا الاعتقاد نفسه، فقد أعرب أفرادها عن انتقادات كثيرة للحياة المعاصرة وصناعة الثّقافة. لكنّ التّهديد الّذي يقدّمه المجتمع الصّناعي المتقدّم للوعي الشّقي ربّما يكون الأكثر دلالة. إنّ جوهر الذّاتيّة والاستقلال يتعرّض للتّقويض؛ فتجتمع إرادة الفرد وقدرته على مقاومة القوى الخارجيّة على تحديد معنى الحياة وتجربتها.

وقد كتب ماكس هوركهايمر لليو لوفنتال يقول له إنّ الثّقافة الجماهيريّة كانت تسلب الفرد تجربته الخاصّة بالزّمن، أو ما يطلق عليه هنري برجسون «الدّيمومة». خشي ماركوزه أنّ النّاس لم يَعُدْ لدَيْهم القدرة على التّصرف كذوات وأنّهم يُقنَعون خداعًا بالاعتقاد في أنّ ثمّة شيئًا يعتمد على اختياراتهم. وقد عبّر هوركهايمر وأدورنو عمّا كان سيؤول إليه الموقف العامّ للحلقة الدّاخليّة للمدرسة في كتاب «جدل التّنوير» وذلك على النّحو التّالي:

 

الحياة في العصر الرّأسماليّ الحديث ما هي إلاّ طقس إذعان دائم، يجب على كلّ شخص أن يُظهِر أنّه يتماهى تمامًا مع القوّة الّتي تهاجمه، وهذا يحدث في مبدأ تأخير النّبر في موسيقى الجاز، الّذي يرفض الخروج عن الإيقاع ويجعله قاعدة في نفس الوقت. إنّ الصّوت المائع للمغنِّي في الرّاديو، وعريس الوريثة اللّطيف الّذي يسقط في حمام السّباحة مرتديًا بدلته الرّسميّة، هما نموذجان لمَن يَجِب أن يُصبح أيًّا مّا أرادَ النّظام. بإمكان كلّ فرد أن يكون مثل هذا المجتمع البالِغ القوّة؛ باستطاعة كلّ فرد أن يكون سعيدًا، فقط إذا كان سيُذعِن تمامًا ويُضحِّي بحقِّه في السّعادة.

******

المصدر:

ستيفن إريك برونر: النّظريّة النّقديّة: مقدّمة قصيرة جدّا، ترجمة: سارة عادل، مراجعة: مصطفى محمد فؤاد، مؤسسة هنداوي، 2016.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This