تأمّلات في أزمة قيم الحضارة الرّأسماليّة

يشهد العالم تحوّلات جذريّة ومتسارعة في شتّى المجالات، حيث وصلت الإنسانيّة إلى مراتب متقدّمة من المعرفة والتّطور العلميّ والتّكنولوجيّ ممّا جعل العالم قرية أكثر من صغيرة يتفاعل فيها الأفراد والجماعات بمختلف خلفياتهم الثّقافيّة والدّينيّة والطّبقيّة بشكل لحظي وبيسر تامّ كما أنّ حجم هذه التّفاعلات والتّأثيرات بين مختلف المجموعات البشريّة في هذا العالم أضحت أكثر سرعة وشموليّة، إلاّ أنّ هذه الطّفرة المعرفيّة بالرّغم من تأثيراتها الهائلة على مناحي كثيرة من حياة الإنسان المعاصر لم تستطع أن تساهم في بلورة رؤى إنسانيّة تحدّ من كثير من الغرائز الّتي جعلت هذا الإنسان مستمرّا في تعاسته ومأساته الأبديّة، فالحروب والجشع والنّهب والسّيطرة وتزييف الوعي والحقائق وازدواجيّة المعايير والنّفاق….إلخ كلّها أمور استمرّت في الهيمنة على مشهد الإنسانيّة البائس بالرّغم من كلّ التّقدم التّقني وكلّ المفاهيم المعرفيّة الّتي توصّل إليها، لتأتي جائحة فيروس “كورونا” لتعرّي وبشكل واضح كلّ الزّيف الّذي حاولت المنظومة الرّأسماليّة أن تخفيه طيلة عقود من الزّمن.

فتحت عباءة الرّأسماليّة المقيتة والعولمة القاتمة والبرّاقة في آن واحد والمبشّرة بمستقبل زاهر للإنسانيّة استمرّ الإنسان المهيمن في التّسلط على الإنسان المقهور، عبر نهب الثّروات وتدمير القيم والثّقافات وشنّ الحروب واستغلال القانون الدّوليّ والمنظّمات الدّوليّة لخدمة المصالح القوميّة والإستراتيجيّة للدّول الكبرى بما يتطلّبه ذلك من قلب للحقائق والموازين ومعاقبة الشّعوب بشكل أنيق و”قانوني”، فالحضارة المعاصرة وهي حضارة قائمة على تصوّرات غربيّة لماهيّة الإنسان والعالم والممجّدة للعقل والعلم ومركزيّة الإنسان وهي كلّها مفاهيم جيّدة وممتازة من النّاحية النّظريّة إلّا أنّ الواقع العملي لم يؤدّي سوى للمزيد من الدّمار والتّسلط والتّغريب الثّقافي ونهب مقدرات الشّعوب من قبل فئة من النّاس المالكين لأسباب القوّة والنّفوذ وبالتّالي تفعيل مبدأ حقّ القوّة عوضا عن مبدأ قوّة الحقّ الّتي يجب أن تسود العلاقات الإنسانيّة في بعدها الفرديّ والجماعيّ.

في هذا السّياق يمكن القول بأنّ الإنسان لم ينجح في الانسجام مع مجموع المبادئ الّتي توصل إليها عبر مسيرته التّاريخيّة المريرة، فبالرّغم من وجود ترسانة من القوانين والمنظّمات الدّوليّة الّتي تهدف لحلّ الأزمات والنّزاعات الدّوليّة بالطّرق السّلميّة وكذا ترسيخ مبادئ التّضامن والتّكافل الإنسانيّ والمحافظة على البيئة وتحريم الأنشطة المرتبطة   بالحروب الجرثوميّة وغيرها إلّا أنّ ذلك كلّه لا يطبّق إلا في مساحات ضيّقة جدّا ومع ما يتلاءم مع مصالح الإنسان الرّأسماليّ المسيطر، فاستعمال الأدوات القذرة بما فيها الإرهاب بمختلف تلاوينه الدّينيّة والعرقيّة وكذا صناعة الأوبئة والحروب الجرثوميّة  كلّها أمور أضحت صناعة يتمّ هندستها في معامل الدّول الكبرى لتوظيفها في الصّراعات الدّوليّة دون أي وازع أخلاقي، من جهة أخرى فإنّ جشع الإنسان المسيطر ليس له حدود فمن نهب ثروات الشّعوب وجعلها تعيش حالة من الفوضى والحروب والدّيكتاتوريّة والتّخلف إلى تدمير البيئة واستنزاف خيراتها دون أدنى إحساس بالمسؤوليّة تجاه الأجيال القادمة إضافة إلى استعباد الشّعوب وجعلها تعيش حالة من الاستلاب والتّغريب الثّقافيّ، وليس انتهاء بما كشفه فيروس “كورنا” من أنانيّة وحقد وعدم مسؤوليّة تجاه الإنسانيّة، حيث وقف العالم الرّأسمالي موقف المتفرّج في بداية اجتياح وباء “كورونا” للصّين بدل المسارعة إلى تفعيل آليّة التّعاون والتّضامن الدّوليّ لمحاصرة هذا الفيروس القاتل لما فيه مصلحة جميع البشريّة، بل وصل الأمر إلى حدّ استغلال هذا الوباء لأغراض سياسيّة واقتصاديّة وعنصريّة وطائفيّة مقيتة ليستمرّ نزيف قيم المنظومة الرّأسماليّة بما كشفته من تناقضات حادّة بين نظريات منمّقة فيما يخصّ حقوق الإنسان والتّطبيق الّذي لا يختلف عن أيّ دولة ديكتاتوريّة وهذا ما بدا من خلال المعاملة العنصريّة والعنيفة لموطنيها والّتي نجم عنها احتجاجات عارمة في الولايات المتّحدة الأمريكيّة وباقي بلدان العالم، كما أنّ سلاح العقوبات الماليّة اّلذي تنتهجه أمريكا الرّأسماليّة تعزّز أكثر وأكثر على العديد من دول العالم.

من جهة أخرى فإنّ أشكال الهيمنة والتّسلط الّذي رافق الحضارة المعاصرة تتطلّب تنميطا للعقول والسّلوكات الإنسانيّة بشكل يتلاءم تماما مع طاحونة الرّأسمال العالميّ الجشع، بحيث يتمّ التّلاعب بالعقول عبر ترسانة ضخمة من وسائل الإعلام والدّعاية، كما تمّ تدجين سلوك الإنسان المعاصر بما يتوافق مع نمط استهلاك السّلع والخدمات الرّأسماليّة، ناهيك عن تكبيل الشّعوب عبر سلسلة متراكمة ولا منتهيّة من الدّيون وفوائدها بشكل يجعل هاته الشّعوب تحت رحمة إملاءات الصّناديق النّقديّة العالميّة بما يعنيه من تحكّم في مسارات السّياسة الاجتماعيّة والماليّة لهاته الشّعوب.

أمام هكذا واقع قاتم تمرّ به الإنسانيّة يتمّ بأزمة حادّة على مستوى القيم الّتي أفرزتها المنظومة الرّاسماليّة يحقّ لنا أن نتساءل عن مصير الإنسانيّة، هل تتّجه نحو الانهيار أم أنّ ثمّة ضوء في نهاية هذا النّفق؟، إنّ الزّعم بأنّه ثمّة جواب حاسم ومطلق لمثل هكذا تساؤل لا يعدو كونه ضربا من ضروب الخيال، إلّا أّنه كثيرا ما يفتح هذا الخيال العقل الإنساني على أبواب مشرّعة من الإبداع والخلق وإيجاد الحلول القابلة للتّحوّل إلى واقع، فالتّحديات الكبرى الّتي تواجه الإنسان تتمحور في جوهرها حول مدى استطاعة هذا الإنسان السّيطرة على غرائزه التّسلطيّة الجشعة تجاه الطّبيعة ونفسه، فبالنّظر إلى التّاريخ الطّويل للإنسانيّة والمتّسمة بالحروب والنّزاعات والسّيطرة والإقصاء والظّلم وتسخير الأوبئة في خدمة المشاريع الإمبرياليّة كما حدث لشعوب أمريكا اللاّتينيّة الأصليّة، لا يؤدّي في الوهلة الأولى سوى إلّا نتيجة مفادها بأنّ كلّ هذه الأمور ظواهر مرتبطة بالإنسان منذ تواجده في هذا العالم وانتظامه في شكل جماعات وبالتّالي فهي مستمرّة معه مادام موجودا، فالصّراع بين الخير والشّر دائم الحضور في المشهد الإنسانيّ وهو الّذي يؤدّي في تمفصلات معيّنة إلى دفع هذا الإنسان نحو التّقدم، وهذه النّتيجة صحيحة تماما في حدود معيّنة، إلاّ أنّه وكما نؤمن بكون الصّراع بين الخير والشّر ظاهرة مرتبطة بالإنسان فإنّنا يجب أن نؤمن أيضا ومهما بدا الأفق حالكا، بأنّ هذا الصّراع لا بدّ أن ينتهي بانتصار قيم الخير والعدالة على قيم الشّر والهيمنة المتجسّدة في الوقت الرّاهن في اللّيبراليّة الجديدة، وذلك من أجل عالم تسوده قيم الحقّ والاحترام والمساواة، وبالرّغم من كلّ المثاليّة والخيال الّتي تظهر في هكذا “حلم” إلّا أنّه هدف واقعي جدّا وعقلاني، فالإنسان يحتاج إلى كلّ هذه القيم الخيّرة وحتما واقعه سيكون أفضل بكثير ممّا هو عليه الأمر الآن، وبالتّالي فإنّ هذا المسعى يستحقّ المحاولة، محاولة الإنسان الخيّر الكامن في ذاتنا السّيطرة على الإنسان الشّرير الكامن أيضا في هذه الذّات،  أو كما يعبّر عنه “إدغار موران” في كتابه “هل نسير إلى الهاوية” بـ(معركة بين الإنسان الحكيم والإنسان المعتوه فتسخر العقلانيّة لخدمة الإنسان المعتوه ويسخر الحبّ لخدمة الإنسان الحكيم، وهي معركة جديدة ورائعة في صلب البشريّة نفسها)، وبمثل هذه المعركة فقط يمكن أن نتفاءل بمستقبل زاهر للإنسانيّة وباتّجاه صحيح وسليم لهذا الإنسان الّذي لم تزده المنظومة الرّأسماليّة إلاّ حيرة وانتكاسا.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This