نقد الخطاب السّائد حول كورونا

رغم أنّ منظّمة الصّحة العالميّة، وبجانبها كثير من الخبراء الدّوليين المتحرّرين من ضغوط السّياسة، وضغوط التّجارة، وهواجس نظريّة المؤامرة أيضاً، لم يتوقّفوا عن التّنبيه منذ البداية إلى أنّ المعركة ضدّ جائحة كورونا ستأخذ مدىً زمنياً طويلاً، وقد تشهد معظم مناطق العالم موجات متتالية بين الفينة والأخرى، وأنّنا سنضطرّ على الأرجح إلى التّعايش مع الوباء لوقت قد يطول، وأنّ الحلول الّتي بوسعنا الوصول إليها لن تكون سريعة ولا نهائيّة، وأنّ الخيار الأسلم بالتّالي سيكون على النّحو التّالي: حجر صحي شامل وقصير الأمد، يوازيه تأهيل للنّظم الصّحيّة، وتحسين لظروف الوقاية، دون نسيان الأهمّ، وهو التّعبئة لأجل تعديل أسلوب الحياة في مختلف الجوانب الاجتماعيّة والسّياسيّة والمهنيّة والرّوحيّة، بما يسمح لنا بالتّعايش مع وباء قد لا يستثني مكاناً، وقد لا يرحل قريباً.

لقد كان مثل هذا الوضع يتطلّب خطاباً أكثر حكمة.

غير أنّ الخطاب السّياسي والإعلامي الّذي ساد في مختلف أرجاء المعمورة، كان ميّالاً إلى تبشير النّاس بالأمل بأنّ كلّ شيء سينتهي قريباً، وبأنّ الأمور ستعود سريعاً إلى ما كانت عليه، وليس مطلوباً منّا سوى الصّبر لأيّام معدودة.

الأمل هو مرض السّياسة الأوّل.

الأسوأ من ذلك كلّه هو خطاب الانتصار الّذي تسرّع في إطلاقه قادة الدّول الّذين نجحوا فعلاً في السّيطرة المؤقّتة على الوباء في مراحل معيّنة داخل حدود أوطانهم، وهو خطاب مضلّل من وجهة نظر الواقع طالما الوباء عالمي وبالتّالي لا يمكن لأيّ انتصار حقيقي أن يكون محلّياً، وكذلك فهو خطاب له مفعول عكسي من وجهة نظر السّلوك، وهذا ما يفسّر عودة موجات الوباء إلى مناطق “الانتصار” بسرعة فائقة أحياناً، ومرفقة بكثير من مظاهر التّذمّر والإحباط.

خطاب الأمل هو الخطاب نفسه الّذي يقود دائماً إلى نتائج عكسيّة، حيث يؤجّج مشاعر الحزن، والغضب، والتّوتر، والإحباط، وينشر مظاهر العنف داخل مجال العلاقات اليوميّة، فضلاً عن مظاهر الاكتئاب والانتحار والإدمان. وهذا ما يلاحظه الجميع في هذه الأوقات.

مرّة أخرى، يتطلّب منّا الخطاب العلمي والعقلاني أن ننطلق من مستوى معيّن من الخيبة، وذلك على أساس الفكرة التّالية:

قد لا نتمكّن من بلوغ “الفهم الكامل” لما يجري لكنّنا نستطيع تحقيق درجات لا بأس بها من الفهم، وسيكون هذا الإنجاز جيّداً لا محالة؛ قد لا نتمكّن من بلوغ “الحلّ الكامل” للمشاكل لكنّنا نستطيع إحراز جوانب مقبولة من الحلّ، وسيكون هذا الإنجاز جيّداً لا محالة. غير أنّ من طبيعة كلّ إنجاز كذلك، مهما قلّ أثره أو صغر أمره، أن يتطلّب وقتاً قد يطول في بعض الأحيان، ودون ضمانات مؤكّدة، وليس أمامنا بالتّالي سوى امتلاك ما يكفي من المرونة والرّشاقة والرّوح الإبداعيّة، طالما الكينونة مطبوعة بالنّقص الوجوديّ، وطالما الإمكان مطبوع باللّاتوقّع، انعدام اليقين، وعدم الأمان.

ماذا أقصد؟

لقد خُلقنا برائحة غير طيّبة، لذلك أبدعنا في مختلف فنون وصناعات العطور؛ خُلقنا بلا فرو ولا ريش، لذلك أبدعنا في مختلف فنون وصناعات الملابس؛ خُلقنا في بيئة معادية لنا، لذلك أبدعنا في مجالات المعمار المضادّ للزّلازل والفيضانات، وصناعة المواد المضادّة للجراثيم والفيروسات، وصناعة الأجهزة المضادّة للجاذبيّة والسّقوط، إلخ.

قَدرُنا أن نعوّض النّقص بالإبداع قدر الإمكان، ونلملم الخلل بالجمال قدر الإمكان، ونداوي الألم بالتّأمّل قدر الإمكان، إلخ.

بالجملة، وبقدر الإمكان كذلك، قدرنا أن نجعل من الخيبة فرصةً سانحةً للتّمرّن على العيش في عالم لم يُخلق لأجل إرضائنا..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

أضف تعليق

Share This