“يوم ماطر في نيويورك”.. الحقيقة أصعب من المواقف / أحمد محسن

في “أزواج وزوجات”، يقول وودي آلن إن “التغيير الوحيد هو الموت”. سار على هذه القاعدة طوال حياته. لم يغيّر ثيماته الرئيسية التي تشكّلت منها أفلامه. نيويورك/ المدينة عمومًا، اليهودي التائه في هويته/ المتمسك بها في رفضه لها، الجاز كموسيقى نهائية، السخرية كمكمل سينمائي ــ بديهي للعدمية، إضافة إلى التزامه برؤية محددة للعلاقات، تفاوت فيها منسوب الذكورية والتسلط، وكانت قطعية دائمًا في رفض المؤسسة الزوجية التقليدية. كمخرج، أحبّ التعامل مع أشخاص محددين أكثر من غيرهم، واكتشف أحيانًا ما يعجز المخرجون عن اكتشافه في العاديين. وهذه من صفات المخرجين الكبار عمومًا. بالنسبة لوودي آلن، سكارليت جوهانسون وُلدت نجمة سينمائية، وماريون كوتيار رائعة. لكن هذا ليس وودي آلن الذي يعرفه الناس. هذه آراء تخص مخرجين أكثر تهذيبًا أو ميلًا للرصانة. لا ينسحب هذا عليه.
وودي آلن الذي يعرفه الناس، وقبل بداية عرض فيلمه الأخير “يوم ماطر في نيويورك”، علّق على اتهامات ديلان فارو مجددًا. قال إنه ليس بريئًا لأنه ليس متهمًا. وكما لو أنه في مشهد من أحد أفلامه، لم يرغب بأن يكون قاسيًا، ولكنه أصر على أنه ليس معنيًا بالزيف، وإن كان ذلك الزيف شكّل دراما حصدت شعبية مذهلة. ليس دفاعًا عنه، وافقت دار “أركاد” على نشر مذكراته أخيرًا، وأثارت نقاشًا أخلاقيًا جديدًا عن الحرية وجوهرها المقدس، إلى جانب نقاش جانبي عن الإيرادات المتوقعة من مبيعات كتاب لشخص مثل وودي آلن، قرر الدفاع عن نفسه بالكتابة، بعدما دافع عن عبثيته 50 عامًا باللقطات والمشاهد، التي هناك من يعتقد أن التنصل منها أمر سهل. وهذا، أيضًا، ليس دفاعًا عنه، بل دفاع عن الحقيقة. أحيانًا، قد تسبب الحقيقة حزنًا مضاعفًا. لقد أحب الجميع الإبن الرهيب لنيويورك في جميع أيامها الماطرة.
في فيلمه الأخير، تحضر ألوان الخريف بقوة. الأخضر والأصفر وأحيانًا البني الفاتح، كما يرتدي الأبطال ثياب أيلول/ سبتمبر. سترات مخملية وسراويل من القطن مع قمصان لا تعترف بموضة الزمن الحالي. ليس هناك الكثير من الشمس في اللقطات، فالفيلم عن يوم ماطر في مدينة داكنة. بعد كل شيء، يمكن التأكد، على الأقل من الناحية السينمائية، أن المخرج الإشكالي التزم بجملته تلك في أفلامه، وأنه ما زال يرفض التغيير، كما يرفض الموت. لكن المفارقة الأولى، أنه رددها عندما كان ما زال قادرًا على التمثيل. كان بطل الفيلم تمثيلًا أيضًا. المفارقة الكبيرة، هي أنه نظر طويلًا في عيني “جودي روث” طويلًا وهو يقولها، في ذلك المشهد الشهير بعد مشادة طويلة، كما لو أنه كان ينظر في عيني ميا فارو نفسها، وليس في عيني “جودي روث” التي كانت تلعب فارو دورها في الفيلم. وستلاحقه تلك النظرة، وتلك المشادة في ذلك الفيلم، حتى بقية حياته.
مرّت السنوات. وصار آلن مطالبًا بالتغيير، أو بالاعتراف، وبأشياء أخرى كثيرة. لكنه ما زال يرفض التغيير، ويعلن خوفه من الموت. بالنسبة لآخرين من وزن قريب لوزنه السينمائي، أقل هزلًا، مثل مارتن سكورسيزي أو ستيفن سبيلبرغ، فلا شيء قد يدعو للقلق. لكن وودي آلن يبقى وودي آلن. فيلمه الأخير، الذي ظهر في الولايات المتحدة الأميركية أخيرًا، حقق أرباحًا كبيرة بعد تأخره لعام كامل. رغم انسحاب بطلي “يوم ماطر في نيويورك” الأساسيين من علاقتهم بآلن، إلا أن الجمهور أحبّ الفيلم. السجال مستمر، وهناك محاكمة أخلاقية متوقعة، على خلفية ادعاءات ابنته بالتبني أنه تحرّش بها. وهي تهمة فظيعة. المعركة طويلة، ستذهب معه إلى الأبدية.
هناك اصطفاف عمودي ضد آلن. وهناك من يقف إلى جانبه، وهذا ليس خافيًا على أحد. مجموعة كبيرة من الناشطين والناشطات يطالبون بمقاطعته، في مقابل اكتسابه ثقة كثيرين مثل خافيير بارديم وسكارليت جوهانسون وبنيلوبي كروز وغيرهم. وليس هناك أي فائدة من الدفاع عن آلن، أو من الهجوم عليه، لأن الحقيقة التي يفرضها “الماينستريم” ليست بالضرورة الحقيقة. وهذا بالضبط ما ينسحب على انسحاب “أمازون” من عقدها مع آلن لتوزيع الفيلم. لقد انسحبت الشركة العملاقة من التزامها معه، ليس لأنها تأثرت بشدة بالاتهام الموجه من ديلان فارو، ولا لأنها قررت تبني النسوية كأيديولوجيا. انسحبت لأن القيمين على الشركة، وبسبب الحملة على الفيلم وصاحبه، برروا انسحابهم بأن التوزيع لن يؤمن الأرباح المتوقعة. هذا كل ما في الأمر. أما دار “هاشيت”، فتراجعت هي الأخرى تحت الضغط، بعدما رحبت في البداية بنشر مذكرات وودي آلن. كما لو أن طبيعة الاتهام لم تكن واضحة منذ البداية، وأن الجرم في حال ثبوته لم يكن عظيمًا. لم يحدث الانسحاب بسبب تأكد الاتهامات، لكن بسبب حملة شنّها شقيق ديلان فارو. وشارك فيها الذين يشاركون في الحملات. أشخاص صادقون ومتعاطفون، وآخرون يشاركون مثل مشاركة الأسماك الميتة لمثيلاتها الحية في مجرى النهر.

“مرّت السنوات. وصار آلن مطالبًا بالتغيير، أو بالاعتراف، وبأشياء أخرى كثيرة.
لكنه ما زال يرفض التغيير، ويعلن خوفه من الموت”

سكارليت جوهانسون سألت وودي آلن عن الحقيقة، وقالت إنها تصدقه. بقية المدافعين عنه فعلوا الأمر نفسه. اللافت أن الحقيقة كعنصر أساسي في القصة، لم تنل قسطًا وافرًا من النقاش. وفي مثل هذه الأيام، حيث ينتفض الأميركيون من أصول أفريقية، ربما كان يجب أن يتجدد السؤال الذي وجه إليه مرارًا، عن نقص الأبطال السود في أفلامه. لم يخطر ذلك في بال أحد، مع أن الأفلام موجودة، ويمكن مشاهدتها ألف مرة. وفي أية حال، يعتقد آلن أنه أجاب على هذا السؤال أيضًا، وأنه كان ليبراليًا نموذجيًا، لأنه كان يختار الأشخاص دون تمييز. وفي هذه القضية كما في القضايا الأخرى، تبدو الحقيقة أصعب من المواقف ومن تبريرها. تبدو أكثر تعقيدًا بكثير، من ذلك المطر الذي يهطل على نيويورك بحنانٍ رهيب.

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This