ذكريات ثقافية عن باريس /  جمال شحيد

قبل وصولي إلى باريس في سبتمر 1970م، كنت أعمل أمينًا لمكتبة في وزارة المواصلات في دمشق، فادّخرت مبلغًا من المال يكفيني لمدة سنة كطالب يتابع دراسته بعد الإجازة في الأدب الفرنسي. أتيت إلى العاصمة الفرنسية مزوّدًا بهذا المبلغ وبلغة فرنسية مولييرية، كانت تثير ابتسامة الفرنسيين عندما أكلّمهم؛ فكان عليّ أن أطعّمها باللغة الشعبية، لغة الشارع. ولكنني في البداية شعرت بالحنين العاتي إلى دمشق وإلى المدينة القديمة حيث كنت أسكن، وأوشكت أن أحزم حقيبتي وأن أعود إلى سوريا. فهدّأني بعض الأصدقاء والمستشرقين الذين علّمتهم في المعهد الفرنسي للدراسات العربية في الشام. وبقيت ونعم البقاء.

سجّلت في جامعة السوربون الجديدة دبلومًا يعادل الماجستير في أيامنا لمدّة سنة وفي المدرسة العليا لشؤون المكتبات، ظنًّا مني أنني لن أبقى أكثر من سنة في باريس. ولكن سرعان ما تحسّن وضعي الاقتصادي بسبب بعض التسجيلات الإذاعية والدروس الخاصة التي كنت أعطيها للمستشرقين الذين عرفتهم من قبل ووسّعوا دائرة معارفي. كان عنوان البحث الذي ترتّب عليّ إعداده في الجامعة يدور حول مقولة الاشتراكية في أعمال نجيب محفوظ الأولى، بإشراف الأستاذ أندريه ميكيل. وأذكر أنني في المِترو، أثناء ذهابي إلى المدرسة العليا لشؤون المكتبات، كنت أقرأ بعض أعمال نجيب محفوظ وأخط بالقلم على بعض العبارات والمقاطع، ممّا كان يثير فضول بعض الركّاب، المتعجبين ربما من وجود عربي يقرأ حتى في المِترو.

كانت الجامعات الفرنسية وقتئذ شديدة التسييس، بعد الثورة الطلابية التي اندلعت عام 1968م، وأجبرت الجنرال ديغول على التنحّي. وكانت السوربون الجديدة من الجامعات اليسارية التي تعجّ بالتروتسكيين والماويين والشيوعيين والاشتراكيين الذين كانوا يوزّعون منشوراتهم عند مدخل الجامعة. وتعرّضتْ جامعتنا لعدد من غزوات اليمين المتطرّف الذي كان يأتينا من كلية الحقوق في جامعة «أسّاس». فيدبّ الصوت في طوابق الجامعة الخمسة، فنقطع الدروس ونهرع بشعورنا الطويلة والمشعّثة إلى مدخل الجامعة، ونشتبك مع المهاجمين المزوّدين بالعصي الذين كانوا أحيانًا يحرقون المنشورات اليسارية، ثم يأتي البوليس الفرنسي متحنجلًا ليفضّ الاشتباك. ويصل بعد مغادرة المهاجمين وانصرافهم بنصف ساعة.

الحياة كلها مسيسة
وكان الحي اللاتيني، مهد الثورة الطلابية، حيًّا يساريًّا يعجّ بالمكتبات التي تبيع الكتب السياسية والأيديولوجية خاصة، ولا سيّما مكتبة فرانسوا ماسبيرو الواقعة في عطفة «لا هوشيت» قرب نهر السين. وكانت حياة الناس كلها مسيّسة، تحفزها مجموعة كبرى من المثقفين من أمثال جان بول سارتر، سيمون دو بوفوار، لويس ألتوسير، أندريه غلوكسمان… وعدد من الصحف والمجلات مثل: «ليبيراسيون»، و«قضية الشعب»، و«الأزمنة الحديثة»، و«الأنصار»، و«شارلي إبدو»، و«صباح باريس».

وأسهم في الحَفْز أيضًا عدد من المغنين مثل: جورج براسانس، وجان فيرا، وليو فيريه، وكلود نوغارو… والسينمائيين مثل: جان لوك غودار، ولويس مال، وبرناردو برتولوتشي. وأسهمت الأحزاب اليسارية الجديدة في إشعال الثورة، ومنها الرابطة الشيوعية والحزب الشيوعي الماركسي اللينيني الفرنسي (الماوي) واليسار البروليتاري والنضال العمالي… ولعب السياسيون دورًا في خلق وعي ثوري، ومنهم: بيير ماندس فرانس، وفرانسوا ميتيران.

وخلقت هذه الثورة جوًّا تنويريًّا في التدريس الجامعي؛ وكُسر احتكار السوربون العريقة، فقُسِّمت إلى ثلاث عشرة جامعة، ومنها السوربون الجديدة أو باريس الثالثة التي درستُ فيها. وجدّدت الجامعة برامجها وعقليتها، فكنا نخاطب أساتذتنا بضمير المخاطب المفرد الذي يلغي المسافة والعلاقة الرسمية. واستمرت آثار 1968م سنوات عديدة غطّت السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين.

وكان جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار نشيطين جدًّا في أوساط الطلاب. وأذكر أنني كنت أراهما كثيرًا في شارع سان ميشيل وسان جيرمان، وكانا يحملان نسخًا من جريدة «قضية الشعب» الماوية، وتحيط بهما مجموعة من الشباب الذين كانوا يُصعدون سارتر على برميل قرب مقهى «الدوم»، فينبري منددًا بالإمبريالية والرأسمالية والرجعية ومناديًا بحرية الشعب وبوحدة الحركة اليسارية العالمية. فنصفّق له، ثم يبيعنا نسخ «قضية الشعب». وقبل سقوط الجنرال ديغول، اقترح عليه بعض مستشاريه أن يعتقل سارتر، فأجابهم: «لا أحد يوقف فولتير». مثْبتًا بذلك أنه ابن الجمهورية التي أنشأتها الثورة الفرنسية.

وبعد أن أنهيتُ دبلوم شؤون المكتبات والماجستير، سجّلتُ موضوع دكتوراه في الأدب المقارن مع الأستاذ رينيه إيتيامبل ومع أندريه ميكيل كأستاذ مشارك، وكان عنوانها متأثرًا بالجو الفكري السائد آنذاك: «الوعي التاريخي في روايات إميل زولا ونجيب محفوظ»، ونشرت في دار ميزونوف. وماحكني ذات مرة الأستاذ جمال الدين بن شيخ قائلًا: إن محفوظًا كاتب بورجوازي. فقلت له: إن الفيلسوف جيل دولوز اعتبر مارسيل بروست أقرب إلى الطبقة الشعبية ممّا كان يُظنّ. وكان ابن شيخ في لجنة مناقشة أطروحتي فتوجستُ شرًّا، ولكنه -وهو عنيف في العادة- كان دمثًا جدًّا أثناء الجلسة التي استمرت ثلاث ساعات.

الجو الثقافي الكثيف
وتحسّنت أوضاعي المالية بسبب الدروس العربية التي كنت أعطيها، فاستفدت كثيرًا من الجو الثقافي الكثيف الذي عرفتْه وتعرفه باريس في شتى المجالات. كنت في الصباح أحضّر الأطروحة، وبعد الظهر أعطي دروسي في اللغة العربية؛ وفي المساء كنت أتفرّغ لسدّ الفجوة في ثقافتي. كنت من عشاق السينما. والمعروف أن صالات السينما في باريس كانت تعرض نحو مئتي فِلْم أسبوعيًّا. فإذا رغبتُ في مشاهدة فلم من الفترة الصامتة ومن كلاسيك السينما، كان عليّ ترصّده أسبوعين أو ثلاثة فيُعرض في السينيماتيك أو في أحد نوادي السينما أو في قاعة من القاعات. وعندما ترجمتُ كتاب دولوز عن السينما [السينما الحركة، السينما الصورة] لصالح المنظمة العربية للترجمة في بيروت، سهّلت لي مشاهدتي في باريس عددًا كبيرًا من الأفلام التي حلّلها دولوز عمليةَ الترجمة.

وتولّعتُ بعدد من المخرجين الإيطاليين من أمثال: فيليني، وأنطونيوني، وبازوليني، وبرتولوتشي، وفيسكونتي مع ممثلين وممثلات مشهورين (صوفيا لورين، وكلوديا كاردينالي، وجينا لولوبريجيدا، ومارشيلو ماستروياني، لينو فانتورا…). وشاهدت كثيرًا من أفلام «الموجة الجديدة» الفرنسية لمخرجين كبار من أمثال: فرانسوا تروفو، وكلود شابرول، وآلان رينيه، وكلود لولوش، وجان لوك غودار، وإيريك روهمر، وجاك ريفيت مع ممثلين معروفين: (جان بول بلموندو، وجان مورو، وأنوك إيميه، وجان لويس ترنتينيان، وبريجيت باردو، وكاترين دونوف…).

وحضرت آنذاك عددًا من المسرحيات في المسارح الباريسية الكبرى (كمسرح الكوميدي فرانسيز، ومسرح الأوديون، ومسرح الشاتليه، ومسرح الكارتوشري في فانسين…) والمسارح الصغرى (كمسرح شارع موفتار، ومسرح المدينة الجامعية في بولفار جوردان، ومسرح الهوشيت…). حضرت مسرحيات كلاسيكية ومسرحيات من القرن العشرين: فيدر لراسين وكاليغولا لألبير كامو، ولن تقع حرب طروادة، ومجنونة قصر شايو لجان جيرودو وأنتيغونا لجان إنوي ورينوسيروس، والمغنية الصلعاء لأوجين يونيسكو، والخادمات والزنوج والشرفة لجان جينيه، وفي انتظار غودو لسامويل بيكيت، وثورة 1789م لأريان منوشكين التي عرضتها في مسرح الشمس في فانسين ودمجت الجمهور بالممثلين دمجًا ناجحًا ومؤثّرًا جدًّا… وشاهدت بعض عروض الماجيك سيركوس وعددًا من عروض الميوزك هول كـ«المسيح سوبر ستار». وأذكر أني بكيت في آخر مشهد من فِلْم موليير لأريان منوشكين الذي شاهدته في سينما الكندي في دمشق التي كانت تعرض أفلامًا حديثة ومهمة آنذاك، ولا سيما في الحفلات التي كان ينظّمها النادي السينمائي الدمشقي الذي كنت عضوًا من أعضائه.

ولأن مقاعد الأوبرا غالية، بالنسبة لطالب مثلي، فلم أحضر إلا عرضين أو ثلاثة. وأذكر أني حضرت حفلة موسيقية لميكيس ثيوذوراكيس في صالة المتواليتيه، بأغانيه الثورية البهيجة والطافحة بالتفاؤل التي ترجمتُ بعضَها لاحقًا إلى العربية. ولكن شغفي الأساس كان المكتبات، ولا سيما تلك الموجودة في الحي اللاتيني PUF, Payot, Seuil, Gallimard, Gibert Jeune, Larousse, Hachette, Nathan, Maspéro، أو القريبة من الحي كـ Hatier و Fayard وLaffont و Stock و Grasset و Flammarion… إضافة إلى مجمّع الـ FNAC الذي أنشئ لاحقًا والذي يجمع قدرًا هائلًا من الكتب والمجلات والصحف والأسطوانات. وكان أستاذي إيتيامبل مسؤولًا عن المقالات الأدبية في موسوعة يونيفرساليس التي بدأت تصدر تباعًا في بداية السبعينيات من القرن العشرين التي تُعَدّ من أهم الموسوعات الجامعية في العالم. كنت لا أستطيع أن أمنع نفسي من تصفّح الكتب الجديدة وشراء بعضها إن لم يكن سعرها غاليًا، وكنت أتحيّن فرص التنزيلات التي برعت فيها مكتبة جيبير جون بفروعها الثلاثة في الحي اللاتيني.

هذا شأن مكتبات البيع، فما بالك بمكتبات القراءة: مكتبة جامعة السوربون الجديدة، ومكتبة المازارين، والمكتبة الوطنية التي أصبح أستاذي أندريه ميكيل مديرها العام، ومكتبة الأدب المقارن في السوربون القديمة.

باريس المقاهي والمطاعم
هذا لا يعني أنني قضيت سنواتي الباريسية الأربع مع الأفلام والكتب فحسب كراهب بنيدكتي من القرون الوسطى. عرفتُ أيضًا باريس المقاهي والبارات والمطاعم. كان يطيب لي أن أسهر مع الأصدقاء في البروكوب الذي اندلعت منه شرارة الثورة الفرنسية، وأصعد أحيانًا درج الساكريه كور الطويل لأشرب في Le Lapin agile، أو أشدّ الرحال إلى الشانزيليزيه، حي الأكابر، لأشرب فنجان قهوة في الـ Fouquet ثم أزور صديقًا صحافيًّا يعمل في مجلة باريس ماتش المصورة الذي كان يهديني كثيرًا من الأسطوانات.

الحق يقال: إن باريس قد غيّرتني كثيرًا. قَدِمتُ إليها طالبًا خجولًا ذا أفق ثقافي محدود، ففتحت أمامي ثقافات العالم المعاصر، وعلى الثقافة العالمية بشتى اتجاهاتها. في باريس، تختار اللون الثقافي والأيديولوجي والاجتماعي الذي يناسبك. ولأن لون بشرتي غير مستهجن في أوربا، لم يوقفني البوليس الفرنسي إطلاقًا، كان يطلب أوراق من معي من المغاربة والأميركيين اللاتينيين والأفارقة. عشت الديمقراطية الأوربية التي كانت سائدة آنذاك في مدينة الأنوار بأبعادها كافة؛ وعندما كنت أعود إلى باريس لاحقًا، كنت ألاحظ التغيرات الفكرية والسلوكية في الشارع الفرنسي. تحوّل المجتمع الباريسي إلى مجتمع عنصري لا يقبل الآخر بسهولة، مع أن الشاعر الفرنسي آرتور رامبو كان يردّد: «أنا هو الآخر».

 

عن مجلة الفيصل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This