مسار تكوين السّنة بين السّياسة والتّأويل

لم يظهر الإسلام في البيئة العربيّة القرشيّة اعتباطيا؛ بل لشروط جاء الإسلام تتويجا لها. وشكّل ظهوره حدثا مفصليا في هذه البيئة، وفي المنطقة والإقليم عامّة. فرض نضج البيئة القرشيّة لميلاد حدث كبير كالإسلام، إضافة إلى الانعطافة النّوعيّة الّتي شكّلها ظهوره، نفسه بعد وفاة النّبيّ المؤسّس، وهو ما تجسّد في مسارعة قريش، انطلاقا من تجربتها السّياسيّة، إلى الأخذ بالزّمام، بعدما كانت المبادرة من مسلمي المدينة؛ تأسيسا على خدماتهم للدّعوة ومؤسّس التّجربة، حماية لمكانتها المركزيّة بين العرب، ولموقعها في القيادة والسّلطة.

وظّفت قريش في استرداد ما اعتبرته “حقّها” الحصري في السّلطة، موروثها السّياسي والثّقافي السّابق؛ المتمثّل في منطق القبيلة والعشيرة. فرض الإسلام نفسه بعدما استقرّ الوضع لأسياد قريش، فأخذ النّاس “يتحدّثون” عنه، وعن النّبيّ المؤسّس وباسمه.

هذا “الحديث” تحوّل هو نفسه أيضا إلى “حدث”. أوّل من أثار انتباهه السّلطة الحاكمة؛ في شخص السّلطان عمر ابن الخطاب، الّذي اتّخذ قرار منع “الحديث” عن التّجربة وصاحبها، والدّعوة إلى الاكتفاء بالقرآن. ففي كتاب: “الطّبقات الكبرى” ورد: “قال عمر لعبد الله بن مسعود، ولأبي الدّرداء، ولأبي ذر ما هذا الحديث عن رسول الله. قال أحسبه قال ولم يدعهم يخرجون من المدينة حتّى مات”(1). وأضاف ابن عدي مؤكّدا: “فحبسهم بالمدينة حتّى استشهد”(2).

وتوّج عمر موقفه هذا من “الحديث” بقراره الشّهير، بعدما تراجع عن تدوين أحداث الإسلام بقوله: “إنّي كنت أريد أن أكتب السّنن، وإنّي ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا فأكبوا عليها؛ وتركوا كتاب الله، وإنّي والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبدا”. وزادت رواية أخرى أنّه: “كتب إلى الأمصار، من كان عنده شيء فليمحه”(3).

وتنسب بعض النّصوص التّاريخيّة، موقف المنع إلى أبي بكر أيضا. (4) غير أنّ مقتل عمر شكّل حدثا مفصليا في تاريخ “السّنة”؛ إذ يعتبر ما بعده عصر السّنة بامتياز. ففي ظروف انتقال السّلطة تولد الشّكل الأوّل للمفهوم على يد قرشي؛ وهو عبد الرّحمن بن عوف المكلّف بتدبير الصّراع على السّلطة بين علي الهاشميّ، وعثمان الأموي، اللّذين انحصر التّنافس بينهما في النّهاية، وذلك عندما وضع ما سمّاه العمل “بسنّة الشّيخين” شرطا لإسناد السّلطة(5).

أقصى الشّرط-سنّة الشّيخين، عليا الهاشمي من الاستحقاق لصالح عثمان الأموي، فجاء الرّد على تلك “السّنة”، الّتي من الممكن أن يقرأ فيها المعارضون، أنّها سنّة لمن كان يسمّيهم القرآن “الملأ”، بالقول” بسنّة النّبيّ”، في صيغة ما عرف في السّرديات الإسلاميّة بـ: “الوصيّة”. (6)

   بدأ “الحديث” عن التّجربة وباسمها يتوسّع في عهد عثمان، وزادت سياسته الموجّهة لخدمة مصالح عشيرته في ذلك، ولم تستطع إجراءات المنع الّتي لجأ إليها عثمان من إيقاف “الحديث”، الّذي وظّف أداة لمعارضة سياسته ونقدها. فاقتصر قراره على منع ما لم يكن متداولا في عهد عمر، يقول عثمان: “لا يحلّ لأحد يروي حديثا، لم يسمح به في عهد أبي بكر، ولا عهد عمر”. (7) وهو الموقف ذاته الّذي ساد في عهد معاوية. (8)

بعد مقتل علي، تطور الانقسام السّياسي، فنمت “السّنة”-الحديث بفعل اشتداد الحاجة إليها، سلاحا للهجوم والدّفاع. هذه الحاجة تفسرها سياسة الدّولة الأمويّة تجاه السّنة، الّتي وجدت فرصتها في توظيفها في مواجهة الخصوم العرب، من داخل القبيلة (بنو هاشم) وخارجها (الخوارج)، وغير العرب من العجم.

نقتصر لإبراز سياسة الدّولة الأمويّة تجاه “السّنة”، على قرارات بعض من سلاطينها؛ أولاهما مروان بن الحكم، فقد ورد بشأنه أنّه: “أجلس لزيد بن ثابت رجلا وراء السّتر، ثمّ دعاه فجلس يسأله ويكتبون، فنظر إليهم زيد فقال: يا مروان؛ عذرا إنّما أقول رأيي”. (9) ونهج السّياسة ذاتها السّلطان هشام بن عبد الملك، مع المحدّث محمد بن شهاب الزّهري، فلقد: “أقام هشام بن عبد الملك كاتبين يكتبان عن الزّهري، فأقاما سنة يكتبان عنه”. (10)

أمّا السّلطان عمر بن عبد العزيز، فيقول عن سياسته الزّهري: “أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السّنن، فكتبناها دفترا دفترا، فبعث على كلّ أرض له عليها سلطان دفترا”. (11) كان تدوين” السّنة” وتعميمها، العنصر الأبرز لسياسة عمر الأموي، ومن قواعدها أيضا اتّخاذ مجالس لتعلّم “السّنة”، وتمويلها من مال الدّولة، فعمر هذا؛ كتب إلى عمّاله: “أمّا بعد (…) فمر أهل العلم والفقه من جندك، فلينشروا ما علمهم الله”، وكتب أيضا: “إلى جماعة أن اجروا على طلبة العلم الرّزق، وفرغوهم للطّلب”. (12)                                                                   

وفي سياق تكريس “السّنة” وفرضها، وبنائها وفق استحقاقات مشروع أسياد قريش، أعاد هذا السّلطان الأموي الاعتبار لما سمّاه ابن عوف “سنة الشّيخين”، وأعاد تأسيسها تحت العنوان الّذي اتّسع لـ”سنة قريش” كلّها؛ ولهذا يعتبر هو المؤسّس الفعلي له، وهو الّذي يعبّر عنه مفهوم “السّلف” و”السّلفيّة”. ولم يتأخّر محمّد بن شهاب الزّهري المكلّف من طرفه بالتّدوين، في تنفيذ هذا القرار حيث أدخل “سنن” السّلف القرشيين ضمن ما دوّن من السّنة. يقول عمر: “سنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وولاة الأمر بعده سننا. الأخذ بها تصديق لكتاب الله” (13).

بعد التّأسيس السّياسي “للسّنة” من طرف السّلطة القرشيّة، تأتي مرحلة إضفاء الشّرعيّة عن قرار التّأسيس، ولم يجد المشتغلون في هذا السّياق ما يعتمدون عليه سوى “التّأويل” للنّص القرآنيّ، ووضع الأحاديث، بعدما رسمت “السّنة” نصّا جديدا ملحقا بجانب النّص التّأسيسيّ.

أوقع فعل الشّرعنة هذا الحياة الإسلاميّة، في مسار جديد؛ هو مسار “السّنة” أو إسلام “السّنة”، الّذي يختلف عن الرّوح الّذي حكم نشأة الإسلام، وإسلام القرآن. من أبرز نتائج المسار الجديد للإسلام، “تقديس” المؤسّسين “للسّنة”، وتحويلهم إلى قدّيسين، يمنع على المسلمين فتح ملفات حياتهم وتاريخهم للمراجعة والنّقد.

وكما كان المؤسّسون للسّنة قرشيين، فإنّ أبرز المشتغلين على شرعنة القرار المولّد لها قرشي أيضا؛ وهو محمّد بن إدريس الشّافعي، وذلك في سياق تقعيد أصول الثّقافة، وبناء قواعد الذّاكرة، وهي الأصول والقواعد الّتي تبوّأت فيها “السّنة”، موقع “الملك” الّذي بسط سلطته على جميع مفاصل الحياة الإسلاميّة إلى اليوم.

لجأ الشّافعي إلى القرآن يؤوله، معتمدا على فتاوى المحدّثين في زمانه يقول: “كلّ ما سنّ رسول الله ممّا ليس فيه كتاب، وفيما كتبنا في كتابنا هذا من ذكر ما من الله به على العباد، من تعلّم الكتاب والحكمة، دليل على أنّ الحكمة سنّة رسول الله”. (14)                                                                                                                 

وعلّق على الآيات الّتي ورد فيها ذكر الحكمة إلى جانب الكتاب بالقول: “فذكر الله الكتاب، وهو القرآن، وذكر الحكمة؛ فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقولك الحكمة: سنّة رسول الله. وهذا يشبه ما قال والله أعلم. لأنّ القرآن ذكر وأتبعه الحكمة (…) فلم يجز والله أعلم أن يقال الحكمة ههنا إلاّ سنّة رسول الله”، ثم قال: “وسنّة رسول الله مبيّنة عن الله معنى ما أراد”(15).

وبعد أليست “السّنة” هي “فهم” وقراءة أسياد قريش للتّجربة النّبويّة الإسلاميّة؟ فهم الّذين فرضوا “فهمهم (…) بسلوكهم وبآرائهم سيضعون أسس السّنة”. (16) أو لنقل مع عبد الله العروي، إنّ “الإسلام المعروف في التّاريخ هو إسلام الجماعة (…) هو إسلام أنشأته جماعة معيّنة عبر عمليّة بدأت مبكّرا، في المدينة نفسها”(17).

******

هوامش:

1-ابن سعد، الطّبقات الكبرى، دار الفكر، دار صادر، بيروت لبنان، ج3، ص 336.

2-عبد الله ابن عدي الجرجاني، الكامل في ضعفاء الرّجال، دار الفكر، تحقيق سهيل زكار، عام 1988، ج1، ص 4.

3-يوسف ابن عبد البرّ، جامع بيان العلم وفضله، دار ابن الجوزي للنّشر والتّوزيع، الدّمام، السّعوديّة، تحقيق أبو الشّمل الزّهري، ج1، ص 275.

4-في تذكرة الحفاظ، أن أبا بكر: “جمع النّاس بعد وفاة نبيهم فقال: إنّكم تحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث، تختلفون فيها (…) فلا تحدّثوا عن رسول الله شيئا، فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه”. محمد بن أحمد الذّهبي، تذكرة الحفاظ، دار الكتب العلميّة، بيروت لبنان، ج1، ص 2-3.

5-وردت صيغ متعدّدة للعبارة، منها: ما كان في عهد أبي بكر وعمر، هدي أبي بكر وعمر(…).

6-دعوى الوصيّة هي ما قالت به بالشّيعة، ومنها تولدّ القسم الثّاني “للسّنة”، والّتي يسمّيها عبد الله العروي “بالسّنة” المخالفة. انظر كتاب، السّنة والإصلاح، ص 130.

7-ابن سعد ولهذا كان عثمان يقول: “لا يحلّ لأحد يروي حديثا لم يسمع به، في عهد أبي بكر ولا عهد عمر”. مرجع سابق، ج2، ص336.

8-ابن عدي: الكامل في ضعفاء الرّجال، مرجع سابق، ج 1، ص19.

9-ابن سعد، الطّبقات الكبرى: مرجع سابق، ج2، ص 361.

10-ابن عبد البرّ: جامع بيان العلم وفضله، مرجع سابق، ج1، ص 334.

11-المرجع السّابق، ج 1، ص331.

12-المرجع السّابق، ج 1، ص 647.

13-أبو اسحق إبراهيم بن موسى الشّاطبي: الموافقات في أصول الشّريعة، محمّد عبد القادر الفاضلي، الكتبة العصريّة، بيروت، لبنان، ج 4، ص 48.

14-محمد بن إدريس الشّافعي: الرّسالة، تحقيق وتعليق، الدّكتور عبد اللّطيف الهميم، ود. ماهر ياسين الفحل، دار الكتب العلميّة، بيروت-لبنان، ص 71.

15-المرجع السّابق، ص111-112.

16-عبد الله العروي: الإصلاح والسّنة، المركز الثّقافي العربي، الدّار البيضاء، المغرب، ص 130.

17-المرجع السّابق، ص 132.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This