أنشودة إلى الاستقلال

 

الاستقلال … لطالما حلمتُ بهذه اللّحظة. لطالما ردَّدتها في نفسي وفي قفَصي وفي غُربتي. تلكَ الكلِمة المُحرَّمة على أي امرأة مَهما بلغتْ مِن التّحصيل العلميّ.

الاستقلال … كنتُ تارةً أهمسُ بها في نفسي وتارةً أصيحُ بها في وجوه البطريركين والبطريركيات مُندّدةً بسلطتهم على حياتي.

الاستقلال … تميمة أتقلّدها في صدري. تعويذتي لدرء شرور البطريركيّة الّتي تتربّصُ بي كلّما انكشفَت منّي سنتيمترات مِن اللّحم أو بضعُ كلمات.

الجسد حقلُ ألغام. هكذا أرادوا له أن يكون. في كلّ طرفٍ حدود وأسلاك شائكة وحواجز أمنيّة. وعلى كلّ مُفترق طرق تحذيرات مِن خطر الوقوع في حبائل الشّهوة. أتمتمُ كلمتي السّحريّة هذه وأعوذُ بها كلّما خرَجتُ عن السّياق بقبلةٍ عابِرة أو عِناق.

الاستقلال … التّابو القابع بين فخذيّ باسم “الشّرف”. التّابو القابع بين فخذيّ يريد الانقضاض عليّ جاعلاً منّي فريسة الذّكوريّة الأولى – العذارء الّتي لا حول لها ولا قوّة البسيطة السّاذجة الجاهلة البلهاء الّتي لا تعرفُ شيئاً عن حرائق الجسد. فاتورة الدّم هذه الّتي لا نعرفُ لها نهاية نقدّمها كلّ يوم على مَذابح البطريركيّة اعترافاً مِنّا بوصاية الرّجل المُطلقة على الهواء والماء وما تحت الجلد.

الاستقلال … اللّامُفكّر فيه في زمن الحَرب والسّلم.

الاستقلال … سِلاحي ومَلاذي الّذي ألجأ إليه عندما أكونُ مَكسورة ومَقهورة. سِلاحي ومَلاذي وعِصياني في وجه الّتبعيّة والاسِتلاب.

الاستقلال … كلمة فرضتْ نفسها على مَساحاتي وتعني من بين ما تعني الخروج على الأعراف والتّقاليد البالية الّتي قدّسوها بدلاً منّي؛ الانفلات من النّص المكتوب والمُسلَّم به؛ امتلاكي لجسدي واستعادتي لصوتي.

الاستقلال … الوجود لا التّماهي. أن يكون لي أجنحة أستطيع من خلالها التّحليق عالياً وقتَ أشاء وأينما أشاء.

الاستقلال … ذلك الحُلم القريب البعيد. ولادتي الّتي أترَجّى. قيامتي من بين الأموات.

جزءٌ لا يتجزّىء منّي مهما بلغَ مستوى الطّغيان باسم العائلة البطريركيّة والّديانات البطريركيّة وتابوهاتها الّتي لا تنتهي.

كسوته لحماً. ألبسته ثيابي البسيطة لأنّه كان أصلاً مُثيراً للجدل. قبّلته سِرّاً وجَهراً. معه فعلتُ الحُبّ دون إثمٍ أو عار أو خوفٍ مِن أن يرانا أحد.

به امتلأتُ ومنه بحتُ بأنوثتي وصارت أحشائي مَمرّاتٍ للأمومة. ليسَ ثمّة أمومة مَشروعة وأخرى غير مَشروعة، استقلال شرعي وآخر غير شرعي. ثمّة جنينٌ في الذّاكرة ينبضُ بالحياة يريدُ أن ينسلخَ عنّي من رأسي، من الخاصرة، من فَرْجي، من جميع بواباتي ومنافذي البحريّة والبريّة.

الاستقلال … قادمٌ لا مَحالة بعدَ أن سقطتْ ورقة التّين وامتلأت ليليت من ضوء القمر.

الاستقلال … البَوح والتّشظّي والنّشوة.

الاستقلال … لحظات الفَجر الأولى

وامتلائي بحبّات النّدى.

… مِن السّكينة.

الاستقلال … شعوري بالأمان بعيداً عن صوتِ الحذاء الّذي يرتطمُ بالأرض كلّما أسقطَه الطّاغية مُعلناً قدومه للبيت.

الاستقلال … انسلاخٌ رُبّما لكنّه برْعَمتي بعدَ تخصيبي ببذورِ الحُبّ والامتنان لهذا الكون.

الاستقلال … حضنُ مساحاتي البيضاء المُتلألئة. أنشودتي إلى كلّ أنثى تريدُ أن تنهضَ في وجه البطريركيّة ومعاييرها المُزدوجة. إلى السّاحرات القابعات في كهوفنا. إلى الأميرات السّجينات في قصورهنّ. إلى المُعنَّفات. إلى العاهِرات. إلى النّازفات. إلى القائدات. إلى الرّائدات. إليكِ. إليكنَّ.

الاستقلال … حِرفتي الّتي لن أتخلّى عنها. مِيلادي. الجوهرة اّلتي في قعرِ الماء.

في البدء كان الاستقلال وكان الاستقلال ثورة وهما توأمان مُقدّسان. في البدء كانت الأنثى ربّة الكون والأشياء. صنعتْ كلّ شيء مِن لاشيء. لم يكن لها عرشٌ في الأرض ولا في السّماء لأنّها مصدرُ كلّ شيء وروح الكائنات.

الاستقلال … الفَرْج من الانفِراج والفُرْجَة. العبور من المَألوف إلى اللاّ مألوف. مثل قوسِ ديانا كان في البدء وسيكون. البداية والنّهاية. عودُ النّار.

الاستقلال … باسم الجَّدة والأمّ والابنة والحفيدة. باسم الأخت والزّوجة. باسم الصّديقة والحبيبة.

ليس هو الانتقال من بيت الأب إلى بيت الزّوج.

ولا الهرَب من بيتِ الأب الظّالم إلى بيتِ الزّوج … المَلاذ الكاذب.

ولا هو الطّرد من بيتِ الأب إلى بيتِ الأخ … جَحيمٌ بمُسمّيات مُختلفة.

ولا هو الهرَب مِن تعنيف واضطهاد الزّوج إلى بيتِ الأب (والأمّ التّابعة).

الاستقلال … أن تكوني فرداً مَهما كانت الحالة والظّرف.

الاستقلال … أي تمزيق الوصاية

اِنشِقاق

رفض الإنصياع للقوامة

زلزلة الأسس الضّاربة جُذورها في الأسطورة

حقّي في امتلاك مَساحة أمان تفصلني عن مُستنقعات البطريركيّة

مساحة للإبداع

للانكشاف والاكتشاف

لكي أظهِرَ عُريي في فانتازيا فكريّة

وأضعَ النّقاطَ على الحروف وأسرِقَ الأضواء.

حيّزاً من الخصوصيّة

بعيداً عن صرير الأبواب والسّرير والمُحادثات اللّيليّة

بعيداً عن المُلامسات السّريّة

بعيداً عن العِراك والتّلاسنات والقلقلة

بعيداً عن أصابع الإدانة.

لا أريدُ أن أكونَ فيرجينيا وولف أو سيلفيا بلاث أو سارّة حجازي.

أريدُ أن أطرّز هذا الوجود ياسميناً ببقائي

وتمرّداً على كافّة أشكال الهمينة الذّكوريّة.

حَيّة …

أوسوسُ في العقول

أمنحُ ثِمارَ النّشوة والعصيان

لطالبيها

بامتدادي وانبساطي

بالتفافاتي ومَفاتني

بحكمتي الأزليّة.

الاستقلال … لا أن تكوني نعجة مُسمّنة للزّوج ولا حِساباً مَصرفياً للأب.

أن تختاري الأمومة الإيجابيّة على الأمومة السّلبيّة

لا أن تُسلمي عنقكِ للزّوج والأبناء.

الاستقلال … أن تكوني مَلِكة سواء كانت مملكتكِ غرفة أو قصر.

الاستقلال … أن تكوني صاحبة قرار.

الاستقلال … أن ترفعي صوتكِ في وجه الظّلم والاستغلال.

الاستقلال … أن تقفي في وجه الإرهاب الذّكوريّ تحت مُسمّى الُعذريّة أو خِتان الإناث.

الاستقلال … أن تقولي لا للأدوار الجندريّة النّمطيّة والعُنف الجندريّ.

 

الاستقلال … عروسي

حربي مع العادات والتّقاليد والاجتهادات

حربي مع صوت الطّاغية

وكلماته الفولاذيّة

الّتي ثقبت جسدي منذ نشأتي.

مع الغرباء مِن العائلة

والغُربة في حُضن الوطن.

الشّخصيّ

هو الجوهري

المُتمّم

للتّحرّر والانعِتاق

من رواسب المَاضي

وهياكل الأجداد.

 

دعي الأموات يدفنونَ موتاهم.

كوني أغنية.

كوني نجمَة.

كوني عَالِمة.

كوني وزيرة.

كوني ناشِطة.

كوني قصيدة.

كوني زهرةَ عبّاد الشّمس.

كوني أسرَابَ الحَمَام.

كوني ما تشائين.

وكوني.

 

الاستقلال

سمفونيّةُ وجودي كما أنا دونَ تفسيرات.

لوحةُ موزاييك دِمشقيّة تتنهّد بعدَ مَوت الفنّان غرَقاً بقوارب المَوت.

هذا الشّهيق والزّفير العَميق والبَطيء.

الفاصِل بين فكرة وأخرى.

حدودي المَجازيّة والحَرفيّة

قطيعتي مع السَّلف.

إنفصالي عن “الواقع”

وهذا المدّ والجزر

عندَ بلوغي النّشوة الشّعريّة.

المَساحة المُرتقبة

مِن الرّمال الذّهبيّة

لمؤلّفاتي غير المكتوبة

وأقوالي غير المُعلنة.

لإزاحةِ السّتار

عن حِصّتي من التّنمُّر

والاستِلاب.

لجُملةٍ أو لبيتٍ أو لقبلةٍ

من الانتصارات.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. Tareq

    Brilliant!!!
    استاذتي الرائعة كتابتك بتشبه النبيذ كل ما عتق كل ما صارت قرائته اعمق و اوضح 😍

    1. أماني

      شكرا لمرورك ولكلماتك العذبة طارق.

الرد على 1 |

إلغاء الرد

Share This