العيش في زمن الكوفيد – 19 : إطلالة الباحث من نوافذ الحَجْر

 

مؤخرا، وعن دار نيرفانا للنشر، صدر مؤَلف جماعي لباحثين بمعهد البحوث المغاربية المعاصرة أو معهد البحوث للمغرب المعاصر(IRMC) حسب تسميته الشائعة. وهذا المعهد، الذي يعود تاريخ تأسيسه إلى سنة 1992 بتونس، يضمّ ثلّة من المختصين في العلوم الإنسانية يعكفون في صمت الحكماء وصبرهم على البحث والدراسة وتحبير المؤلفات في شتى فروع العلوم الإنسانية التي تهتم بالمغرب الكبير في تاريخه المعاصر.

الكتاب الصادر باللغة الفرنسية تحت عنوان “Vivre au temps du Covid-19” أو “العيش في زمن الكوفيد-19” وكما تقدمه مديرة المعهد الدكتورة وسيلة سعايدية، أستاذة التاريخ المعاصر، هو مجموعة من المقالات لباحثين بالمعهد اعتمدت طريقة جديدة أقرب إلى تسجيل اليوميات من البحث العلمي المعمّق الذي يحتاج إلى زمن أطول. إنّها تأريخ لليوميّ زمن الجائحة في تونس، رغم أن مواضيعها تتجاوز المحليّ الضيّق لتشمل مجتمعات أخرى عاشت نفس الظروف، مع ضرورة الانتباه إلى أنّها ليست عملا صحفيا فالمشاركون في كتابته لم يتخلوا عن الدقّة العلميّة التي يفرضها تخصّصهم والتزامهم العلميّ رغم أنّ المطلوب منهم كان يقتصر على كتابة مقالات تُركت لهم حريّة اختيار مواضيعها من زاوية الباحث والمختصّ التي تختلف بالضرورة عن نظرة الكاتب السياسيّ أو الصحفيّ.

ومحتوى الكتاب، الذي كان مطابقا لتعريف السيدة وسيلة سعايدية، كان بالفعل موجّها إلى شريحة واسعة من القرّاء الذين تشكّل لهم الكتابة الأكاديمية المعقّدة واعتماد الآليات النقديّة الصّارمة عائقا أمام فهم وتفكيك ما مرّت به الإنسانية خلال فترة انتشار ذلك الوباء العالميّ الذي غيّر كثيرا من المفاهيم وأصبح يُؤرَّخُ بظهوره لما قبله وما بعده.

ولعلّ اختيار هؤلاء الباحثين لأسلوب “تدوين اليوميات” للحديث عن وباء كوفيد-19 يعتبر اختيارا موضوعيا في اللحظة الراهنة نظرا إلى أن تناول هذا الحدث الكبير الذي مرّ بالكوكب يحتاج من الباحث في علم الاجتماع كما من المؤرخ وقتا وجهدا ومسافة زمنيّة معقولة للإلمام بكل جوانبه أو بعضها في أحسن الحالات.

ضمّ الكتاب عددا مهما من المقالات لأحد عشر باحثا في اختصاصات متنوعة بين التاريخ وعلم الاجتماع والانثربولوجيا وعلوم الإعلام والاتصال والتنمية والتوثيق… وغيرها من العلوم الإنسانيّة. وتم تقسيمه إلى قسمين يهم الأوّل المقالات التي كتبت خلال شهر أفريل والقسم الثاني يحتوي على المقالات التي أعدّت خلال شهر ماي وهي الفترة التي أُقرّ فيها الحجر الشامل في تونس. وقد تراوحت مساهمة كل باحث بين المقالين وثلاثة مقالات.

وفي لقاء مع بعض المشاركين في هذا العمل، التأم بالمعهد، للتّحاور حول هذه التّجربة الفريدة في الكتابة، تحدثت أستاذة التاريخ المعاصر الدكتورة قمر بن دانة عن موضوع أحد مقالاتها الوارد في الكتاب، العلوم المفتوحة كيوتوبيا ممكنة لأنّها (علوم الفقراء) تقف في تضادّ صريح مع “تسليع” المعرفة لافتة النظر إلى معطى هامّ يهم الباحثين الذين ينتمون بدورهم إلى هذه الشريحة ويواجهون الكلفة المادية للحصول على المعلومة.

كما نقلت الدكتورة قمر بن دانة يوميات متابعتها للأوضاع التونسية زمن الجائحة وهي عالقة بجمهورية ألمانيا بسبب الحجر الصحي وانقطاع حركة الطيران مستغلة الانترنات وشبكاتها الاجتماعية ومواقع الواب لتسجيل الأحداث المتسارعة.

وفي مقال طريف قارنت المؤرخة بين ما جرى أيام الثورة التونسية في بدايات سنة 2011 وما عمّ العالم هذه السنة مشيرة إلى تلك الأحاسيس المتأرجحة بين الخوف والتّرقب والأمل والرجاء وما يُذكيه كلّ ذلك من مدّ تضامنيّ أو سلوكيّات سلبيّة مرفوضة.

السيدة مارتا لوسيانو مورينو الحائزة على دكتوراه في علوم الإعلام والاتصال تحدثت عن يومياتها المضمّنة في هذا الكتاب وتجربتها في قضاء أيام الحجر الصحي خارج بلدها وكصحفية وكأم.

اهتمت مارتا بمعاناة العائلة التونسية مع مشكلة دراسة الأبناء خلال هذه الفترة ومشكلة الوصول إلى المعلومة وتوفر التجهيزات والتغطية للدراسة عن بعد ومظاهر اللّامساواة بين الجهات والطبقات الاجتماعية في هذا المجال إضافة لغياب بيداغوجيا خاصة بهذه الطريقة من الدراسة وهو ما كان موضوع مقالها الثاني في الكتاب.

أما مقالها الأول فقد تحدثت فيه عن الحجر الصحي الشامل كعامل تأزيم لعديد الوضعيات الاجتماعية التي تعاني من الهشاشة مثل تلك التي تفتقد المسكن اللائق و/أو تتعرض للعنف الأسري وخاصة من النساء والمختلفين جنسيا.

أما في مقالها الثالث فتناولت مارتا ما اعتبرته وباء آخر وهو اللامساواة بين الجنسين في تحمل أعباء الحياة اليومية داخل المنزل وتكفل المرأة بالنصيب الأكبر من هذه المسؤولية الثقيلة.

الدكتور والباحث، كندي الأصل، جيمي فورنيس، وهو أستاذ محاضر في الأنثروبولوجيا الاجتماعية، كتب عن آثار التمييز بين الأنشطة الأساسية وغير الأساسية من خلال دراسة حالة جامعي المخلّفات القابلة لإعادة الرسكلة مثل البلاستيك، والتأثيرات الاجتماعية التي لحقتهم جراء الأزمة الاقتصادية المرتبطة بالحجر والمؤثرة بالضرورة على مهنتهم.

كما تناول الباحث في مقال آخر هذا الوباء بوصفه “أداة” متعددة الاستعمالات السياسية والدينية وبعض تمظهرات ذلك في الحياة اليومية وهو ما جرّه للحديث عنه وعن ظاهرة “أخْلَقَتِهِ” في مقال ثالث.

تدور أبحاث السيدة بيتي رولاند الحاصلة على الدكتوراه في الجغرافيا، حول موضوعات الهجرة والصحة والعولمة وقد تحدثت خلال الاجتماع عن أهمية فسح المجال للعلوم الإنسانية للبحث والدراسة وترجمة المجتمع في هذه الظروف الصحية الصعبة كما قدمت مقالاتها الثلاثة في هذا الكتاب واعتبرتها تجربة مهمة منحتها فرصة الحديث في مقالها الأول عن القطاع الصحي الخاص في تونس ورواده من الأجانب غير المقيمين والصعوبات التي واجهها في هذه الفترة الاستثنائية وموقعه من “الحرب” على الوباء.

في مقالها الثاني تحدث الدكتورة رولاند عن تحول الأزمة الصحية العالمية إلى أزمة صحية/اجتماعية مُعولمة زادت من تأزم الوضعية الهشّة، بطبيعتها، للعديد من السكان وخاصة للمهاجرين منهم. وفي هذا السياق قدمت للمثال التونسي في التعامل مع المهاجرين الأفارقة من بلدان جنوب الصحراء والقرارات الحكومية المتخذة للإحاطة بهم بالإضافة إلى دور المجتمع المدني والجمعيات الأهلية في التخفيف من معاناتهم في هذه الأزمة الكبيرة والمفاجئة.

عن اللّامساواة في زمن الكوفيد-19 تحدثت الكاتبة في المقال الثالث لها. فبعد جرد سريع لمراحل تطوّر الحالة الوبائية في البلاد وتدرّج الحكومة في التعامل معها وصولا إلى الحجر الشامل، تطرّقت إلى ما نتج عن هذا القرار من إبراز للفوارق الاجتماعية بين الطبقات والجهات وتعميق لظاهرة الفقر الناتجة عن التوقف عن العمل وغياب البديل المادي في انتظار استثمار هذه التجربة القاسية في بعث منوال تنموي يقطع مع النيوليبرالية المتوحشة رغم غياب التفكير في المسائل البيئية والمنوال التنموي الدائم إلى حد اليوم.

الدكتور في التنمية وتخطيط المدن مروان طالب باحث في ما بعد الدكتوراه بمعهد البحوث المغاربية المعاصرة ومشارك بمقالين في هذا الكتاب الطريف تحدث في أوّلهما عن المجتمع المدني التونسي ودوره في مواجهة الوباء الفيروسي وخاصة في المناطق الداخلية، التي تعاني من التهميش والبعد عن مسالك التوزيع والحرمان من التغطية الصحية الناجعة، والذي وصفه بالتّجنّد العفوي في هذه المعركة غير المسبوقة ويرى أن لتلك الجمعيات المساندة لهذا الدور الحيوي بمكوناتها الشبابية مستقبلا واضحا في تحديد نتائج الانتخابات المحلية القادمة التي سيكون فيها لرصيد العمل الميداني السبق على الانتماء الإيديولوجي.

وجاء المقال الثاني للدكتور مروان طالب معنونا بتساؤل : أين ذهب السميد ؟ (نوع من طحين القمح) في قراءة لتدخل الدولة التونسية لمعالجة هذه الأزمة (خاصة في الجهات الداخلية) التي نشأت عن فرض الحجر الشامل وانتشار الخوف من فقدان المواد الغذائية ومشكلة الاحتكار وما شاب هذا التدخل من هنات ومخالفات للقانون تجلّت في مظاهر استغلال النفوذ والمحسوبية والإثراء غير المشروع من الأزمة إلى جانب التدخلات الحزبية لتعزيز الرصيد السياسي وعودة النقاش حول مسائل من قبيل مركزية الدولة وصلاحيات الحكم المحلي.

مديرة المعهد منذ سبتمبر 2017 الدكتورة وسيلة سعايدية كانت مشاركتها، إضافة إلى تقديم الكتاب وكتابة خاتمته، بمقال عن الباحث في زمن الوباء والعودة إلى الحياة البحثية الحقيقية بين جمع المعلومات ومعالجتها  لأن ” وباء الكورونا يجبر كل واحد منا على طرح السؤال على مجاله البحثي الخاص وشقّ طرق فيه لمحاولة إعطاء رؤية أكثر وضوحا لهذا العالم..” كما تقول.

وتؤكد الدكتورة سعايدية على الغاية من هذه اليوميات التي تنحصر في “التذكير بأهمية الدور النقدي الذي تلعبه العلوم الإنسانية والاجتماعيّة في عالم يبدو أنه أصبح محكوما، بصفة نهائية، بضرورات الربحية وقوانين السوق” على حد تعبيرها.

وإضافة إلى المقالات سابقة الذكر، فقد شاركت الباحثة المختصة في علم الاجتماع الأستاذة منية الأشهب بمقال عن العام والخاص في زمن الحجر أو استغلال الجسد في التعبير من خلال البث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي.

ومقال ثان عن الجسد المصاب بالعدوى إثر الموت والموقف منه وطريقة التعامل معه في غياب “الطقوسية” المعتادة.

وكان ثالث مقالاتها حول الحياة الجنسية زمن الكوفيد وخاصة في “مجتمعات الميم” والتأثيرات الطارئة على حياتهم والتي فرضها الحجر والعلاقة مع المجتمع بما ضاعف من حالتي عدم الاستقرار والتهميش لدى هذه “الأقليات” الجنسية.

كما نجد للدكتور في علم الاجتماع السياسي محمد سليم بن يوسف مقالين بين دفتي هذا الكتاب تحدث في الأول منهما عن أجراء القطاع الخاص وتعاملهم مع التدابير المتخذة خلال فترة الحجر الصحي.

وتناول في مقاله الثاني موضوع الاقتصاد “المُسيّس” من خلال المقترحات المتناقضة والبدائل السياسية للخروج من الأزمة.

أمّا الملاحق الثلاثة الواردة في آخر الكتاب، فقد تكفل أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة ليون كلود برودهوم بوضع ملحقين منها عن كرونولوجيا الوباء العالمية وعن الاستراتيجيات الوطنية الثلاث للخروج من الحجر بينما قام موثق المعهد السيد خالد الجمني بوضع كرونولوجيا الوباء التونسية.

في الاجتماع الذي ذكرناه سابقا لتقديم الكتاب، تحدث السيد رشيد خشانة، الصحفي والكاتب التونسي، والذي كان ضيفا من ضيوف الاجتماع، عن ضرورة تقديم هذا العمل لوسائل الإعلام لتعرف به جمهور القراء والمتابعين وليكون متاحا للقراءة والاطلاع فالقضايا المطروحة من خلال هذه اليوميات سيستمر طرحها ومناقشتها بعمق أكبر لسنوات قادمة.

إن هذا الكتاب الطريف والمهم في آن واحد، هو بالفعل نوع من الكتابة الفريدة ليوميات حدث عالمي جادت به أقلام متخصّصة في عديد فروع العلوم الإنسانية والاجتماعية التي سيقع على عاتقها مستقبلا تفكيك هذا الحدث ودراسة تأثيراته المتنوعة وارتداداته القريبة والبعيدة على الإنسان كفرد وعلى المجتمع الإنساني ككلّ.

ورغم أنّ كبار المفكرين وعلماء الاجتماع قد تميزت نظرتهم إلى عالم ما بعد الوباء بمسحة تشاؤمية بالغة فإن ذلك لن يجعلنا نتغافل عن دور الطبيعة التي تتكفّل بعلاج نفسها عند اشتداد المرض محاولة إصلاح أخطاء ابنها الإنسان برتق ثقوبه الكثيرة ومنها… ثقب الأوزون !

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This